دلائل الخيرات ومنهج المحبة: كيف تدرس المدرسة العيساوية السيرة النبوية

9 مارس 2026

د. أسامة علي بن هام

رئيس مركز الشيخ أحمد القطعاني للثقافة والدراسات الإسلامية

درجت المدارس في البيئات العلمية على أن يسير الأستاذ بالطالب في رحلة معرفية تبدأ بحفظ المتون، ثم دراسة شروحها، وفي مرحلة متقدمة ينتقل الطالب إلى الحواشي والتقريرات لتعميق فهمه للمسائل الأكثر تخصصا وأدلتها وشواهدها ونقاشات العلماء، فتتراكم المعرفة تدريجيا ويُبنى التصور العلمي خطوة بخطوة. لكن هذه المنهجية مخصصة للنخبة والصفوة التي لا تشكل إلا نسبة ضئيلة من عموم المسلمين. وهنا يبرز دور السادة الصوفية مجددا عبر مؤسسات الزوايا ليضطلعوا بدور محوري حماية العقيدة والدين عبر الشريحة الأوسع التي درجت البيئات العلمية الأكاديمية على وصفها بــ”العامة” من خلال منهج رصين محكم يعتني أساسا بعلوم السيرة النبوية الشريفة.

وهنا لا نقصد بعلوم السيرة النبوية، كتب السيرة التي تتناول تفاصيل حياة حضرة النبي فقط، بل بمعنى أوسع وأشمل، إذ نقصد:

– كتب السنة الشريفة أيضا، الصحاح والسنن والمسانيد والخصائص وغيرها، لأنها تتعلق بكل ما صدر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، فتدخل في علوم السيرة لأنها توثق حضوره وتفصيل أثره في التشريع والسلوك.

– فرادة الرؤية الصوفية في دراسة وفهم علوم الإسلام، إذ ستبقى هذه العلوم ناقصة دون الإلمام بعلوم السيرة، مما يمنح منهجهم فرادة وتميزا يجعل حياة النبي ﷺ نقطة الانطلاق الأساسية التي يُستمد منها الفهم العميق لكل علوم الإسلام.

في مجال تدريس علوم السيرة النبوية الشريفة تفرد السادة الصوفية بنوع من التأليف لم يشاركهم فيه غيرهم، وهو كتب الصلوات على النبي صلى الله عليه وسلم وآله، وأشهرها كتاب “دلائل الخيرات” للأستاذ الكبير محمد بن سليمان الجزولي، الذي لاقى قبولا واسعا بين الأمة المحمدية حتى أنه ترجم لكل اللغات حول العالم. لكن لماذا هذا النوع من التأليف؟ وما صلته بمنهجهم في دراسة السيرة النبوية الذي تفردوا به؟ وما فائدته؟ ثم ما علاقة المدرسة العيساوية به وأستاذها الأكبر الشيخ الكامل محمد بن عيسى؟

كتاب دلائل الخيرات، كما غيره من كتب الصلوات، لا يوجد فيه شيء سوى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، يوظف وردا أساسيا للمريد يتلوه بشكل يومي وفقا تقسيم على مدار أيام الأسبوع، فإذا ما ختمه عاد من جديد وهكذا دواليك في كل حياته يعيش مع النبي صلى الله عليه وسلم مستحضرا له في تفاصيل حياته، فالكتاب لم يُؤلف أصلا ليكون مصدرا معرفيا للسيرة النبوية بالمعنى التاريخي أو الحديثي، بل جمع فيه مؤلفه القطب الجزولي كل ما وصله من صيغ الصلاة على حضرة النبي صلى الله عليه وسلم.

الفكرة بسيطة في ظاهرها لكنها عميقة معرفيا: الإنسان لا يقتدي إلا بمن يحب، والمعرفة وحدها مهما كانت دقيقة وموسعة لا تكفي لتحويل أي علم إلى سلوك، فقد يعرف الإنسان الكثير من الأحكام والتفاصيل، لكنها تبقى في الأغلب معرفة نظرية تتمدد في الهامش دون انتقال حقيقي إلى المركز، لذلك يبدأ المنهج الصوفي من المركز، أي بربط الطالب بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وآله لينتقل الى الهامش، لا العكس، فمع المعايشة اليومية للحضرة النبوية عبر كثرة الصلاة عليه تتولد لديه دوافع البحث والمعايشة لكل ما يتصل به صلى الله عليه وسلم وآله، ويصبح طلب المعرفة نتيجة شوق ووجد صادق، فيصير البحث والتنقيب في تفاصيل السيرة النبوية، بكل تفاصيلها في كتب السنة والفقه واللغة والأصول وغيرها، معايشة حب وهيام وعشق.

فكتب الصلاة، وعلى رأسها “دلائل الخيرات”، تخلق بيئة داخلية تحمي المعرفة من علوم مجردة حافة لا روح فيها، بل تحيلها الى العملية التعليمية لعلوم الإسلام رحلة حب وشوق، حيث لا يتوقف المريد عن تلاوة هذا الكتاب في كل حياته يوما، ولولا صار من كبار العلماء، فكلما زاد شوقه زاد نهله من معين صافي معارف النبوة.

وهنا يتفرد، من بين كثير من علماء الإسلام، الشيخ الكامل محمد بن عيسى بوعي عميق بأهمية هذا المنهج، فكما أقام الأساس الأول لمدرسته على صحيح العقيدة من خلال حزب “سبحان الدايم” للإمام محمد بن سليمان الجزولي، حتى صار هذا الحزب عَلَما مميزا لمدرسته، بحث أيضا عن خصوصية في قراءة كتاب دلائل الخيرات، وذلك من خلال إذن خاص في قراءته له ولأتباع مدرسته من بعده. وتروي كتب السيرة العيساوية أنه عندما زار شيخه الثاني عبد العزيز التباع طلب منه الإذن في قراءة دلائل الخيرات،غير أن التباع لم يُجزه، بل قال له: “نعم، اسمع مني يا بني: إن الإذن فيه مقصور على صاحبه، وهو كبير تلامذة شيخنا الجزولي، أخي سيدي الشيخ محمد الصغير السهلي؛ لأن شيخنا رضي الله عنه قد خصَّه بذلك، فاذهب إليه وخذ عنه الطريق كما أخذتَ عني، والتمس منه الإذن في قراءة الكتاب لك ولأتباعك وأتباع أتباعك إلى ما شاء الله، فإن شيخنا القطب الجزولي قد أمره بذلك وأوصاه، كما أمرني أيضا أن نُعلمك أن الخلافة الجزولية تصير إليك من بعدي، وذلك بإذن من الله سبحانه وتعالى”.

وبالفعل قصد الشيخ الكامل أستاذه الثالث، الشيخ محمد الصغير السهلي، وطلب منه الإذن في قراءة الكتاب. فأجابه بقوله: “نعم، وبهذا أُمرت”، ثم جاء له بنسخة من دلائل الخيرات بخط الإمام الجزولي، وعلى ظهرها بيتان كتبهما الجزولي موجَّهين إلى الشيخ الكامل:

كتبتُ كتابي قبلَ نُطقِي بخاطِري ** وقلتُ لقلبي أنتَ بالشوقِ أعلمُ

فسلِّمْ عليهم يا كتابي وقلْ لهم ** مقامُكم عندي عزيز مكرَّمُ

وكان بإمكان الشيخ الكامل أن يروي دلائل الخيرات عن أستاذه الأول أحمد الحارثي، فهو أيضا من تلامذة الجزولي، كما كان يمكن للشيخ التباع أن يجيزه فيه؛ فالرواية المشهورة اليوم في أنحاء العالم الإسلامي هي الرواية التباعية عن الجزولي، لكن الحارثي والتباع أدركا أن الشيخ الكامل لم يكن يطلب رواية فقط، بل كان يبحث عن إذن خاص، أي عن وراثة مباشرة للفكر الجزولي، وهو ما وجده بالفعل عند الشيخ السهلي، الذي أخبره أنه مأمور بتسليمه النسخة الأخيرة المنقحة من دلائل الخيرات بخط الإمام الجزولي.

عاد الشيخ الكامل بالكتاب ومعه هذا الإذن الخاص والرواية الخاصة، فجعلها الأساس الثاني لمدرسته بعد أساس صحيح العقيدة عبر حزب سبحان الدايم، وأرساه الورد الأساسي الثاني إلى جانب الحزب. وقد استمرت هذه الرواية مسلسلة برواية وإذن خاص إلى اليوم، يرويها بسند متصل وبتقسيمها الخاص شيخنا العارف بالله أحمد القطعاني رحمه الله، وقد فصّل في تقسيمها في كتاب الغوث، وذكر سندها المتصل بالرواية والسماع في ثبته الكبير أوبة المهاجر وتوبة الهاجر.

ويجدر التوقف هنا عند المثل السائر في الأوساط العلمية “السنة مسناوية والمحبة عيساوية”، والمقصود بالمسناوية فرع من فروع الجزولية، نسبة إلى الأستاذ عبد الله أمسناو. لكن ماذا يعني ذلك؟ هل يعني أن العيساوية ليست على السنة؟! لا، على الإطلاق، فالمعنى المقصود به هو بيان منهج المدرسة العيساوية في فهم ومدارسة السنة من منطلق المحبة الخالصة، حيث صار الحب الكامل والعشق والفناء في مقام النبي ﷺ طريقا لفهم السنة ومعايشتها، حتى قال أستاذ آخر من أساتذة المعرفة، وهو القطب الصوفي أحمد التيجاني، قولته الشهيرة (جميع الأولياء شربوا من بحر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسيدي الشيخ ابن عيسى غرق فيه). وبمعنى أوضح: السيرة النبوية في المنهج العيساوي مصدر هداية وتشريع، والحب القوة التي تجعلها حية في القلب وحاضرة في الحياة على الدوام.

وقد اعتنى شيخنا العارف بالله د. أحمد القطعاني بكتاب دلائل الخيرات عناية بالغة، فأسهب في الحديث عنه وعن مؤلفه في كتاب سمّاه: (دليل الخيرات محمد بن سليمان الجزولي صاحب دلائل الخيرات)، حدثني رحمه الله أن مادة هذا الكتاب هي في الأصل من تعليقاته التي كان يكتبها على هامش نسخته من كتاب دلائل الخيرات عند تلاوته لورده.

طرابلس، الاثنين 9 مارس 2026م

 

 

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

حين تتحول الحرب إلى “نبوءة”..

عمر العمري تشير الشكاوى المتداولة من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، بشأن تبرير الحرب على إيران بخطاب ديني يستحضر النصوص المقدسة، إلى منزلق بالغ الخطورة يتمثل في تحويل الحرب من قرار سياسي خاضع للحساب والمساءلة إلى مهمة مقدسة محصنة ضد النقد. وأوردت إحدى هذه الشكاوى المنشورة أن قائدا عسكريا افتتح إحاطة خاصة بالجاهزية القتالية بحث عناصر […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...