خطة تسديد التبليغ: أنطولوجيا التواصل الديني الرشيد في الفضاء العمومي المغربي
حمزة مولخنيف
إن التأمل الجاد في مسارات الفعل التواصلي الإنساني يقود حتماً إلى كشف طبقات من المغزى تتجاوز الظاهر المباشر للتبادل اللغوي، لتنفتح على أسئلة الوجود والعلاقة والمعنى. فالكلمة ليست مجرد أداة عابرة لنقل المعلومات، بل هي كيان فاعل في ذاته، يحمل في طيات إمكانياته قوة التكوين والتشكيل، قدرة على أن يكون منشئاً للعمران أو مهندساً للروابط، قادراً على أن يكون ممسحةً للوجود أو معول هدم له.
هذا الثقل الوجودي للكلمة يتضاعف ويتعالى حينما ننتقل إلى فضاء الخطاب الديني، حيث تتحول الكلمة من مجرد دالّ على مدلول دنيوي، إلى حاملة لأبعاد المطلق والغيب، إلى قناة يتجلى عبرها المبدأ في قلب التاريخ.
هنا، يتحول التبليغ من مهنة أو وظيفة إلى مسؤولية وجودية وأخلاقية بالغة التعقيد، تطرح إشكالات فلسفية عميقة: كيف يمكن لجوهر ديني ثابت مطلق في مرجعيته، أن يتجسد في خطاب بشري نسبي، خاضع لشروط التاريخ واللغة والثقافة؟ كيف ينتقل هذا الخطاب من حيز المقدس المنغلق على نخبته المفسرة، إلى فضاء العموم المفتوح بكل تناقضاته وتعددياته ومستويات إدراكه؟ وأي مصير ينتظر الحقيقة الدينية عندما تتحول إلى سلعة خطابية في سوق الأفكار المزدحمة، حيث تتصارع الأصوات وتتشابك الدعايات؟
هذه الأسئلة لا تمثل هامشاً نظرياً، بل هي صميم الأزمة التي يعيشها الدين في العصر الحديث: أزمة تمثيله الخطابي في الفضاء العمومي. فالدين كمصدر للمعنى والقيمة، يواجه تحديين متزامنين: تحدي الاختفاء خلف أسوار الخصوصية الفردية، وتحدي التحول إلى أيديولوجيا سياسية صراعية. وفي قلب هذه المعضلة يقف سؤال التواصل: كيف يتحدث الدين عن نفسه للعالم؟ كيف يحافظ على قدسيته دون أن ينعزل، وكيف ينفتح على العالم دون أن يذوب فيه؟.
في خضم هذه الإشكالية التي تلامس صميم علاقة الدين بالعالم، تنبثق مبادرة خطة “تسديد التبليغ” التي يتبناها المجلس العلمي الأعلى في المملكة المغربية، لا كمجرد رد فعل إداري على فوضى خطابية عابرة، بل كتجسيد لفعل تأسيسي عميق. إنها محاولة واعية لبناء أنطولوجيا جديدة للتواصل الديني؛ أي أنها تسعى إلى تأسيس كينونة خاصة ومتميزة لهذا الخطاب في الفضاء العمومي.
والأنطولوجيا هنا لا تعني مجرد الوجود الفيزيائي، بل تعني تحديد ماهية هذا الخطاب وشروط إمكانه وعلاقته بالذات والموضوع، وغاياته المتعالية. مفهوم “التسديد” هو قلب هذه الأنطولوجيا، فهو لا يحيل إلى التصحيح البسيط أو المنع السلبي، بل إلى فعل قصدِيٍّ ديناميكي مستمر، يشبه فعل النحات الذي يضبط ضربات إزميله باستمرار مع تصور الجمال الكامن في المادة الخام.
إنه توجيه مسار الكلمة الدينية وضبط إيقاعها وتقويم انحرافاتها، لتستقيم على الجادة التي تحقق مقصدها الأصلي: الهداية والرحمة والصلاح. إنه الانتقال من التبليغ كعادة اجتماعية أو كفعل فردي عرضة للأهواء والجهل، إلى التبليغ كفعل مؤسسي رصين معقلن، يخضع لمعايير الحكمة العملية، ويتأسس على وعي دقيق بتفاعلية العلاقة بين النص والواقع وبين المبلغ والمتلقي وبين الثابت والمتغير.
وهذا التحول لا يمكن فهمه خارج سياقه الفلسفي الأوسع، حيث يمكن قراءته باعتباره محاولة لتجسيد ما أسماه يورغن هابرماس “العقل التواصلي” في الحقل الديني، عقل يسعى إلى تفاهم يعتمد على صحة القول وصواب الموقف وصدق النية. فالتسديد بهذا المعنى، هو محاولة لتحقيق شروط الحوار العقلاني في المجال الديني، دون أن يعني ذلك تبني النموذج العلماني الذي يفصل الدين عن العقل العملي. بل هو دعوة إلى عقلانية متصالحة مع الإيمان، تبحث عن لغة مشتركة بين الذات الإلهية والعالم البشري وبين النص الخالد والتاريخ المتحول.
إن هذا المشروع يمكن أن يُقرأ أيضاً من خلال منظور فلسفة اللغة عند لودفيغ فيتغنشتاين، خاصة في مرحلته الثانية حيث رأى أن معنى الكلمة هو استخدامها في سياق حياتي معين. فـ “تسديد التبليغ” هو محاولة لضبط استخدام الكلمات الدينية في “أشكال الحياة” المختلفة للمجتمع المغربي، بحيث لا تفقد هذه الكلمات صلتها بأصولها، ولا تنفصل عن واقع الحياة اليومية للناس.
إنه بحث عن نقطة التوازن بين الوفاء للغة الدينية التقليدية، وبين جعل هذه اللغة قادرة على التعبير عن تجارب بشرية معاصرة. وهذا يتطلب فهماً دقيقاً لأن “الألعاب اللغوية” التي يمارسها الخطاب الديني في المسجد تختلف عن تلك التي يمارسها في الإعلام أو في وسائل التواصل الاجتماعي، وأن لكل سياق قواعده وشروطه التي تحدد معنى الخطاب وفعاليته.
ومن هنا تأتي أهمية الجهد التواصلي المتسق الذي يبذله المشروع، فهو لا يهمل خصوصية كل سياق، بل يطور أدوات وخطابات تلائم كل فضاء، مع الحفاظ على وحدة الرسالة وجوهرها. إنه تفعيل للغة الدينية في الحياة المعاصرة، دون أن تفقد هويتها أو تنفصل عن منابعها الأصلية.
إن المغرب بحكمته التاريخية المتراكمة والتي تجسدت في الثوابت الوطنية المتمثلة في المذهب المالكي السمح، والعقيدة الأشعرية الوسطية، والتصوف السني الإحساني، تحت قيادة أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله، قد أدرك أن حماية الحقل الديني ليست حرباً دفاعية على تخوم الهوية فحسب، بل هي بالأساس عملية بناءة تأسيسية من الداخل. فحصانة الدين تنبع من صحة خطابه، وسلامة خطابه تنبع من دقة تبليغه.
ومن هذا المنطلق، يتجلى “تسديد التبليغ” كاستراتيجية وجودية تهدف إلى سد الفجوة المتزايدة – في عصر العولمة والفضائيات المفتوحة – بين الدين كنص مؤسس وتراث متراكم، والدين كصورة ذهنية وسلوك ممارس في الواقع المعيش.
إنه اعتراف صريح بأن الدين، في بعده الاجتماعي الحي، هو ظاهرة تواصلية بالدرجة الأولى، وأن فشل التواصل أو انحرافه يعني، شئنا أم أبينا، تشويهاً للحقيقة الدينية ذاتها في أذهان الناس. لذا، فإن هذا المشروع لا يقتصر على مراقبة المحتوى، بل يتعداه إلى هندسة الفعل التواصلي برمته: كيف يُقال؟ بأي لغة وبأي نبرة وبأي وسيط؟ وما هو السياق التاريخي والاجتماعي والنفسي الذي يغمر هذا القول؟ وما هي الغايات العملية المتوخاة منه؟
إنه تحول جذري من ثقافة الإلقاء العفوي الذي قد يرضي الواعظ دون أن يغير في الواقع شيئاً، إلى ثقافة إدارة المعنى الديني بمسؤولية وكفاءة، حيث يصبح التأثير الإيجابي الملموس في حياة الأفراد والجماعة هو المعيار الأعلى للنجاح. وهو ما يتوافق مع رؤية طه عبد الرحمن لفقه “التدبير” الذي يجمع بين الأصالة والمصلحة، وبين الوفاء للنص والانفتاح على المقاصد.
إن هذا الوعي بالبعد التواصلي للدين ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تراكم تاريخي طويل. فالمغرب منذ الدولة المرابطية والموحدية، طور تقليداً مؤسسياً قوياً للإشراف على الشأن الديني، ممثلاً في منصب “أمير المؤمنين” الذي يجمع بين السلطة السياسية والمرجعية الدينية.
هذه الصيغة التاريخية الفريدة مكنت المغرب من الحفاظ على استقرار ديني نسبي في منطقة تعج بالصراعات المذهبية والطائفية. و”تسديد التبليغ” هو التجسيد المعاصر لهذه الرؤية التاريخية، حيث يتم نقل المبدأ القديم “لحماية الدين” من مستوى الحماية السياسية إلى مستوى الحماية الثقافية والتواصلية. فكما كانت الدولة التاريخية تحمي حدود الدين من الأعداء الخارجيين، فإن الدولة الحديثة تحمي خطاب الدين من التشويه الداخلي، عن طريق تأطير وتوجيه عملية إنتاجه وتداوله.
وهذا التحول من حماية الحدود إلى حماية الخطاب يعكس تحولاً أعمق في فهم طبيعة التهديدات التي تواجه الدين في العصر الحديث، حيث لم تعد التهديدات عسكرية في الغالب، بل هي ثقافية ورمزية وفكرية. ومن هنا تأتي ضرورة هذا المشروع الحيوي، الذي يعيد تعريف مفهوم الحماية ليشمل الحماية الرمزية والمعنوية، حماية العقول والقلوب من التلوث الفكري والانحراف العقدي.
يستمد هذا المسعى مشروعيته وعمقه من كونه ليس قطيعة مع التراث، بل هو إحياء وتجديد لأحد أعمق مبادئه: مبدأ الضبط والتحري في النقل. فمنذ أن بدأت الأمة الإسلامية تدون علومها، وضعت شروطاً صارمة لقبول الرواية، واهتمت بإسناد الكلام إلى قائله، وحاربت الوضع والكذب. علم أصول الفقه كله قائم على فهم دقيق لآليات الخطاب الشرعي ودلالاته.
ما يفعله “تسديد التبليغ” هو نقل هذه الثقافة العلمية الدقيقة من حيّز النخبة والأرشيف، إلى ساحة الممارسة العامة والشاملة. إنه يجعل من منهجية المحدِّث في نقد الرجال والمتون، والأصولي في فهم النصوص، سلوكاً مؤسسياً يطبق على كل من يصعد منبراً أو يوجه خطاباً دينياً إلى الجمهور.
إنه محاولة لإعادة ربط ما انقطع بين سلطة العلم وصرامته المنهجية، وبين فن التأثير الخطابي والبلاغي، وبين الوعي السوسيولوجي بتحولات المجتمع. إنه يسعى لخلق شخصية المبلغ التي تجمع بين كونها “عالمة” بجوهر الدين، و”حكيمة” في طريقة إيصاله، و”واعية” بالعالم الذي تعيش فيه، وهي صورة تتجاوز ثنائية العالم المنعزل والداعية الشعبوي إلى نموذج المفكر الديني العام الذي يمتلك أدوات الاجتهاد في النص والواقع معاً.
وهنا يمكن أن نضيف بعداً مهماً من فلسفة الفعل عند حنة آرنت، التي ميزت بين العمل كفعل إبداعي، والفعل كتفاعل مع الآخرين في الفضاء العمومي. إن “تسديد التبليغ” يحول التبليغ من مجرد عمل فردي إلى فعل تواصلي عام، أي إلى ممارسة تحقق حضوراً في العالم المشترك، وتشارك في تشكيل الرأي العام، وتسهم في بناء المعنى الجماعي.
وهذا التحول من العمل إلى الفعل هو ما يجعل من التبليغ ممارسة سياسية بمعنى أرنتي للكلمة، أي ممارسة تتعلق بالحياة في المدينة وتنظيم الشأن العام. فالدين من خلال تبليغ مسدد، لا يقتصر على تلبية الحاجات الروحية الفردية، بل يصبح قوة فاعلة في الفضاء العمومي، تسهم في صياغة الهوية الجماعية وتوجيه السلوك الاجتماعي. إنه تحويل للدين من شأن خاص إلى قوة عامة بناءة، دون أن يفقد طابعه الروحي أو ينحدر إلى مستوى الأيديولوجيا السياسية الضيقة.
إن النظر إلى الخطاب الديني من خلال هذا المشروع يجعله كائناً له وجود مستقل وذاتية فاعلة. فبمجرد أن تتحول الفكرة الدينية إلى كلمات منطوقة أو مكتوبة، تتحرر جزئياً من قائلها، وتبدأ رحلتها الخاصة في الفضاء العمومي، حيث تتفاعل مع وعي المتلقين، وتصبح جزءاً من النسق الثقافي السائد، وتولد تأثيرات قد لا يحسب لها القائل ألف حساب.
هذا الوجود الخطابي يمكن أن يكون وجوداً نورانياً يزيد في هدى الناس وطمأنينتهم وتماسكهم، ويمكن أن يكون وجوداً ظلمانياً يزيد في حيرتهم وقلقهم وفرقتهم. وعليه، فإن تسديد هذا الخطاب هو ضرب من العناية الفلسفية والأخلاقية بهذا الكائن الخطابي، كي يتحقق وجوده على الوجه الأكمل الذي يخدم غايته الوجودية الأصلية.
إنه حماية للفضاء الرمزي المشترك من التلوث الخطابي، وهو دفاع عن قدرة الكلمة الدينية على أن تظل مصدراً للإلهام والوحدة، لا الخوف والتمزق. إنه في جوهره موقف إيجابي من اللغة الدينية، يرى فيها أداة جوهريّة لتحقيق الخير العام، وليس مجرد وعاء لنقل أفكار مجردة.
ويمكن هنا استحضار مفهوم بيير بورديو عن العنف الرمزي لا بمعناه السلبي، بل كاعتراف واعٍ بالسلطة التكوينية للخطاب. فـ “تسديد التبليغ” هو محاولة لضبط وتوجيه هذه السلطة الرمزية الدينية، وتحويلها من قوة قد تكون عشوائية أو هدامة إذا تُركت للصدفة أو الأهواء، إلى سلطة بناءة مُؤطرة أخلاقياً ومسؤولة اجتماعياً. فالبورديوية تذكرنا بأن الخطاب الديني ليس محايداً، بل هو يحمل قوة رمزية قادرة على ترسيخ علاقات الهيمنة أو تفكيكها، وعلى تعزيز التماسك الاجتماعي أو تقويضه.
والمشروع يبدو واعياً لهذه المسؤولية، فيحاول جعل هذه القوة الرمزية تعمل في اتجاه بناء الهوية الوطنية وتقوية النسيج الاجتماعي، بدلاً من أن تتحول إلى أداة للتفكيك والتمزيق. إنه يحول العنف الرمزي المحتمل إلى سلطة رمزية مشروعة، أي إلى سلطة مقبولة ومعترف بها لأنها تخدم الصالح العام وتتوافق مع القيم المشتركة.
إن المعرفة المؤهلة للتبليغ في هذا الإطار ليست هي المعرفة الحافظة للنصوص فحسب، بل هي المعرفة الفاهمة لها في إطار نسقها الكلي المقاصدي. إن الفرق بين العالم المجتهد والهاوي هو أن الأول يملك خريطة كلية للمعنى، يعرف موقع كل جزئية منها، وعلاقتها بالمقاصد الكبرى للشريعة: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. بينما الثاني قد يمتلك قطعاً متناثرة من المعلومات، يقدمها بمعزل عن هذا الإطار الكلي، مما قد يؤدي إلى تشويه الصورة.
ومن هنا فإن التسديد هو قبل كل شيء تسديد للمنطلق المعرفي وللمنهج في الفهم. إنه يرفض أن يكون التبليغ مجرد ترديد آلي، ويصر على أن يكون اجتهاداً مستمراً في فهم النص وفهم الواقع. إنه يحارب التقليد الخطابي الذي يكرر مقولات الماضي دون فهم لسياقاتها أو لحاجات الحاضر. وهو يحارب أيضاً الاجتهاد العشوائي غير المنضبط بضوابط العلم.
إنه يريد للمبلغ أن يكون مفكراً دينياً بمعنى الكلمة، قادراً على القراءة التأويلية للنصوص، والقراءة التحليلية للواقع، ثم الجرأة الإبداعية على صياغة خطاب وسطي، يوصل الحكمة بلغة العصر دون خيانة للأصول. وهذا يتطلب فهماً عميقاً لهرمينوطيقا النص الشرعي، مع انفتاح على العلوم الإنسانية الحديثة التي تدرس ظواهر المجتمع والدين.
إن هذا الجانب الابستمولوجي يمكن ربطه أيضاً بأفكار هانز جورج غادامر في الهرمينوطيقا الفلسفية، حيث يرى أن فهم النص هو دائماً حوار بين أفق المفسر وأفق النص، وأن هذا الحوار ينتج فهماً جديداً يتجاوز كلاً من الأفقين المنفصلين.
فـ “تسديد التبليغ” يمكن أن يُرى كمحاولة لتأطير هذا الحوار الهرمينوطيقي بين النص الديني والواقع المعاصر، بحيث لا يسيطر عليه أفق المفسر الفردي بأهوائه وانحيازاته، ولا يغيب فيه أفق النص ومقاصده، بل يتم في إطار مؤسسي يضمن توازناً بين الوفاء للأصل والإبداع في الفهم. إنه يحول عملية التأويل من ممارسة فردية عشوائية إلى ممارسة جماعية منضبطة، تخضع لمعايير الحوار العقلاني والمسؤولية الاجتماعية.
وإذا أردنا أن نتعمق أكثر في الجانب المعرفي، يمكننا أن نستحضر تصور ميشيل فوكو عن أنظمة الخطاب التي تنتج المعرفة وتنظم ممارسات السلطة. فالمشروع يمكن أن يُفهم كمحاولة لبناء نظام خطابي جديد للخطاب الديني في المغرب، نظام له قواعده وشروطه الخاصة وآلياته لإنتاج المعرفة الدينية المشروعة وتداولها.
هذا النظام الجديد لا يلغي التعدد، بل ينظمه ضمن أطر تضمن عدم انزلاق الخطاب إلى مناطق التطرف والعنف. إنه يحدد ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله، وما يعتبر خطاباً شرعياً وما يعتبر انحرافاً ليس بطريقة قمعية، بل بطريقة بناءة تعتمد على التأهيل والتوجيه والإقناع.
لقد كان المغرب عبر تاريخه الطويل، حريصاً على ضبط الشأن الديني وإخضاعه لمرجعية مؤسسية واضحة. ويمكن تتبع هذا الاهتمام إلى عصور مبكرة، حيث كان العلماء المغاربة من أشد المدافعين عن ضبط الرواية وصحة النقل. فمدرسة الحديث في المغرب، ممثلة في علماء مثل القاضي عياض وابن عبد البر وغيرهم، طورت منهجية دقيقة في نقد الرواية والتحري في النقل.
وهذا المنهج العلمي الصارم هو الذي حمى المغرب من كثير من البدع والروايات الضعيفة التي انتشرت في مناطق أخرى من العالم الإسلامي. إن “تسديد التبليغ” هو استمرار لهذا التقليد العلمي الرصين، لكن بنقلة من مستوى ضبط النقل إلى مستوى ضبط الخطاب. فكما كان الأسلاف يضبطون سند الرواية ومتنها، فإن المشروع المعاصر يضبط سياق الخطاب ومضمونه وغاياته. إنه تحول من علم الحديث إلى علم الخطاب الديني المعاصر، مع الحفاظ على نفس الروح النقدية والمنهجية الدقيقة.
وقد تجسّد هذا الاهتمام التاريخي في مؤسسات علمية عريقة، من أبرزها جامعة القرويين، التي ظلّت عبر قرون طويلة مركزا للإشعاع العلمي والفكري في المغرب وفي رحاب العالم الإسلامي. ولم تكن هذه الجامعة العتيقة فضاءً لتلقّي العلوم الشرعية فحسب، بل شكّلت إطارا مؤسسيا لإنتاج المعرفة الدينية وتأطير تداولها في المجتمع. وكان العلماء المتخرّجون منها يستحضرون إلى جانب التحصيل العلمي، وعيا عميقا بمسؤولية تبليغ المعرفة الدينية ونقلها إلى العموم بما يراعي مقاصدها وسياقاتها.
ويمكن النظر إلى مفهوم «تسديد التبليغ» بوصفه امتدادا معاصرا لهذا الدور التاريخي، حيث تتوسّع دائرة العناية بالخطاب الديني من الإطار التعليمي التقليدي إلى إطار مؤسسي وطني أشمل، يُعنى بتنسيق الجهود وتوجيه الخطاب الديني على نطاق أوسع، بما يخدم الصالح العام ويعزّز الاستقرار المعرفي والديني.
كما اتّسم النظام السياسي التقليدي في المغرب بعلاقة تكاملية بين السلطتين السياسية والدينية، حيث اضطلع السلطان بصفته أميرا للمؤمنين بمسؤولية رعاية الشأن الديني.
وقد وفّر هذا التصوّر إطارا مؤسسيا منظّما للخطاب الديني، عمل في كنفه السادة العلماء والخطباء والوعّاظ ضمن منظومة تقوم على الرعاية والتنسيق والضبط العام. وكان الوعي حاضرا بأن الخطاب الديني عنصر من عناصر النظام العام، يتطلّب عناية خاصة وتدبيرا جماعيا. ويأتي «تسديد التبليغ» اليوم ليجسّد هذا المعنى في صيغ معاصرة، حيث تستثمر المؤسسات العلمية الحديثة آلياتٍ جديدة، كالتكوين المستمر والمتابعة والتقويم، بما ينسجم مع متطلبات العصر، مع الحفاظ على روح المرجعية المؤسسية التي ميّزت التجربة المغربية.
وعندما ننزل من سماء الفلسفة والتاريخ إلى أرض الواقع المغربي، نجد أن تجسيدات هذا المشروع ونواتجه الإيجابية ملموسة وحقيقية، تشهد له بالصلاح وتدعو إلى الاعتزاز. فالتحول الأبرز يتمثل في ذلك الانضباط الفكري والجودة البلاغية التي أصبحت سمة الخطاب في منابر الجمعة عبر المملكة. إن توحيد الخطبة أو بالأحرى توفير إطارها الموضوعي الموثوق، كان إجراء حكيماً جمع بين الحسنيين: ضمان سلامة المضمون من جهة، ومراعاة الحاجات المحلية من جهة أخرى.
لقد حمى هذا الإجراء جمهوراً واسعاً غير متخصص من زلل الآراء الشاذة أو التفسيرات المتطرفة التي قد ينزلق إليها خطيب جاهل أو متعصب. وفي الوقت نفسه، لم يكن هذا الإطار سجناً للخطيب المتمكن، بل كان منصة ينطلق منها ليشرح ويوضح ويضرب الأمثلة، مع بقائه في فضاء الضمانات الفكرية الأساسية.
لقد حول الخطبة من خطاب عرضي قد ينحصر في قضايا فرعية أو خلافية، إلى رسالة أسبوعية متكاملة، تتعامل مع الإنسان ككل: بعقله وروحه ووجدانه وهمومه المعيشية، فتعزز يقينه وتزكي أخلاقه وتنبهه لقضايا أمته وتذكره بواجباته الوطنية. وهذا الإنجاز العملي هو ترجمة لفكرة الخطاب المتوازن الذي يرفض أن يختزل الدين في بعد واحد، سواء كان طقسياً صرفاً أو سياسياً محضاً.
وقد كان لهذا المشروع الدور الحاسم في تحصين المناعة الفكرية للمجتمع المغربي، وخاصة في أوساط الشباب الذين هم هدف رئيسي للخطابات الجهادية المتطرفة التي تجتاح العالم. لقد عمل “تسديد التبليغ” كجهاز مناعي ذكي لا بالقمع وإنما بالإشباع والتوعية. لقد قدم البديل المعتدل الرصين والمقنع، فملأ الفراغ الذي تتسلل منه عادة أفكار التطرف.
إن الخطاب المتزن الذي يجمع بين العمق العلمي والواقعية والاعتدال، هو أقوى سلاح ضد خطاب التعصب والعنف. فالشاب عندما يجد إجابات مقنعة على تساؤلاته الدينية والوجودية من خلال قنوات رسمية موثوقة، فإنه يصبح أقل عرضة للإغراءات الخطابية المتطرفة التي تتغذى على الفراغ والإحباط.
لقد كان المشروع استباقياً وقائياً بامتياز، يبني حصوناً في العقول قبل أن تضطر الدولة لبناء حواجز في الطرقات. وفي هذا تمييز جوهري للنموذج المغربي؛ فبينما تعتمد بعض النماذج على منطق الرقابة القمعية والمنع المباشر، يذهب التسديد إلى جذر المشكلة، وهو الفراغ الفكري والروحي، فيعمل على ملئه بمضمون إيجابي. إنه تحول من سياسة الشرطي الذي يمنع الانحراف، إلى سياسة المهندس الذي يصمم الطريق السليم ويرشد إليه.
كذلك، فقد أعاد هذا المسعى الهيبة والحضور للمؤسسة العلمية الرسمية، ممثلة في المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية، كمرجعية شرعية وطنية لا منازع لها. في زمن دكاكين الفتوى الافتراضية والشيوخ المزيفين على وسائل التواصل، أصبحت الحاجة إلى صوت شرعي موثوق يجمع بين سلطة العلم ومسؤولية الدولة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
إن “تسديد التبليغ” هو إعادة تأسيس لمركزية العالم الراسخ، في مواجهة فوضى اللامركزية الخطابية التي يسببها الإنترنت. إنه تذكير بأن الكلمة الدينية مسؤولية تثقل كاهل صاحبها أمام الله وأمام التاريخ، قبل أن تكون وسيلة لجمع المتابعين أو تحقيق الشهرة.
وقد أسهم هذا في تعميق ثقة المواطن في علماء بلده، ورأى فيهم حصناً واقياً له ولأسرته من الضلالات. لقد أعاد المشروع الاعتبار لمفهوم السلطة الدينية المؤهلة في زمن يسوده تشتت السلطات وتهافت الأدعياء.
بل إن من أعظم إنجازات المشروع هو نجاحه في صياغة خطاب ديني متكامل، لا يرى في الدين طقوساً جامدة منعزلة عن الحياة، ولا ينفصل عن هموم المجتمع المصيرية. لقد أصبح الخطاب الديني المغربي بفضل هذا التسديد خطاباً شاملاً: يغذي الروح بالتذكير بالله والآخرة، ويصلح المجتمع بالحث على العدل والاستقامة والإحسان، وينمي الفرد بالحض على العلم والعمل، ويحمي الكيان بالتربية على حب الوطن والانتماء إليه.
إنه خطاب لا يفصل بين العبادة والعمران، وبين التنسك والتعامل، وبين التوجه إلى الله وخدمة الخلق. إنه تحقيق عملي لرؤية الإسلام الكلية التي تجعل من الدين نظاماً للحياة، لا مجرد شعائر لأوقات محددة. وهو خطاب يعيد تعريف التدين ليكون قوة فاعلة في إصلاح الذات والمجتمع معاً، متجاوزاً النزعات الفردية المتطرفة والنزعات الاجتماعية العلمانية في آن واحد.
لقد أظهر المشروع مرونة عالية ووعياً استثنائياً بأهمية الوسيط، فلم يقصر التسديد على المساجد فحسب، بل امتد ليشمل الإذاعة والتلفزيون، وخاصة المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي. لقد تم إنتاج مواد دينية عالية الجودة بلغة عصرية جذابة، لتخاطب الجيل الجديد في عالمه الافتراضي.
هذا الانفتاح على أدوات العصر مع الحفاظ على الجوهر، هو دليل على أن المشروع لا يخشى الحداثة، بل يتعامل معها بذكاء، ليقدم نموذجاً دينياً واعياً ومعاصراً، يمكنه منافسة الخطابات الأخرى في السوق الرمزية العالمية.
إنه اعتراف بأن معركة الأفكار اليوم تخاض على جبهات متعددة، وأن الصوت الديني الوسطي يحتاج إلى أن يكون حاضراً وقوياً وجذاباً في كل وسائل الاتصال الحديثة، ليؤدي دوره التوجيهي في خضم الضجيج المعلوماتي الهائل.
يقوم المشروع على إطار مؤسسي متكامل يضمن تنظيم وتوجيه الخطاب الديني بشكل متواصل ومنهجي. ويعمل على توفير الإرشاد والتوجيه للفاعلين والقيمين في المجال الديني، مع إتاحة الفرصة لتطوير خطابهم بما يتناسب مع خصوصيات الجماعات المحلية وسياقاتها المختلفة.
ويعتمد المشروع على متابعة مستمرة وتقييم دوري، بما يساعد على تعزيز جودة الخطاب واستجابته لمتطلبات المجتمع المغربي، مع المحافظة على المبادئ العامة للوسطية والاعتدال. ويتيح هذا الإطار المؤسسي تحقيق استمرارية فعالة للخطاب الديني وضمان ملاءمته للظروف المعاصرة، بعيدا عن الطابع الفردي العشوائي، ومؤكدا على الطابع المؤسسي المنظم للعمل الديني.
ومن المهم هنا إجراء مقارنة سريعة ووجيزة مع نماذج أخرى في العالم الإسلامي للتعامل مع الخطاب الديني. فبعض الدول اعتمدت النموذج القمعي الصرف، الذي يحظر أي خطاب ديني خارج الإطار الرسمي، دون تقديم بديل جذاب. وقد أدى هذا في كثير من الحالات إلى دفع الخطاب الديني إلى السرية والتحول إلى خطاب معارض عنيف.
ودول أخرى تركت الحبل على الغارب للخطاب الديني، فانفجرت سوق الخطابات المتطرفة والمتنافسة، مما أدى إلى تفتيت النسيج الاجتماعي وتغذية الصراعات الطائفية. أما النموذج المغربي في “تسديد التبليغ” فيمثل طريقاً ثالثاً: فهو يجمع بين التأطير المؤسسي والتوجيه المركزي من جهة، والتشجيع على الاجتهاد والإبداع ضمن الأطر العامة من جهة أخرى. إنه نموذج التوجيه الذكي الذي يعتمد على الإقناع أكثر من الإكراه، وعلى البناء أكثر من المنع.
ويمكن ملاحظة أن بعض التجارب في مجال الخطاب الديني شهدت محاولة ربطه بشكل مباشر بمشاريع سياسية، ما أدى إلى تسييس محتواه واختزاله أحيانا في أبعاد أيديولوجية ضيقة. في المقابل، يهدف النموذج المغربي المنظم للخطاب الديني إلى الحفاظ على استقلاليته، بحيث يظل خادما للقيم الوطنية والمصلحة العامة، مع التركيز على البعد الأخلاقي والروحي والاجتماعي للخطاب، بعيدا عن الانحياز المباشر إلى أي أجندة سياسية. إذ يعزز هذا التوجه القدرة على تقديم خطاب متوازن يواكب احتياجات المجتمع ويعكس روح الوسطية والاعتدال.
إن مستقبل المشروع يكمن في قدرته على تطوير ديناميكية داخلية تتجاوز ثنائية المركز والمحيط إلى نموذج الشبكة التفاعلية التي تجمع بين ضمان الوحدة الفكرية وتشجيع التنوع الإبداعي في الأساليب والمواضيع. كما يتطلب تعميق البحث الأكاديمي المرافق له، من خلال دراسات سوسيولوجية وأنثروبولوجية تقيس تأثيره الحقيقي في مختلف الشرائح الاجتماعية، وفي مختلف المناطق.
وربما يكون التطور الأعظم هو تحويله من مشروع دولة إلى قضية مجتمع يتبناها المثقفون والعلماء والشباب كمشروع هوياتي حضاري، لا كمجرد سياسة حكومية. وهنا تبرز فرص عظيمة للتطوير، منها تعزيز مشاركة الشباب في إنتاج المحتوى الديني الجذاب والمعاصر، وتوسيع دائرة الحوار مع مختلف مكونات المجتمع، والاستثمار أكثر في الإنتاج الرقمي المؤثر الذي يخاطب الأجيال الجديدة.
إن “تسديد التبليغ” هو أكثر من مشروع مؤسسي؛ إنه رؤية فلسفية وحضارية متكاملة. إنه محاولة جادة لتأسيس أنطولوجيا للتواصل الديني تقوم على الحكمة والاعتدال والمسؤولية. إنه يحول الخطاب الديني من مصدر محتمل للقلق والانقسام، إلى عامل فعّال للاستقرار والوئام والبناء. وهو تعبير عن محبة ثلاثية: محبة للدين فتُصان حقيقته، ومحبة للناس فتُصان عقولهم وقلوبهم، ومحبة للوطن فتُصان وحدته وسكينته.
إنه تجسيد للمسؤولية التاريخية التي يتحملها المغرب، تحت قيادة أمير المؤمنين حفظه الله، في تقديم نموذج للتدين الراشد الواعي، القادر على أن يكون نوراً في زمن التشويش، وثباتاً في زمن التيه. وهو مشروع مفتوح على المستقبل، يدعو إلى مزيد من الإبداع في الشكل والمضمون، وتعزيز مشاركة الشباب، وتعميق الحوار مع كل مكونات المجتمع.
إن التساؤل الأعمق الذي يثيره هذا المشروع الطموح يبقى إيجابياً: إلى أي مدى يمكن لهذا النموذج أن يكون مصدر إلهام للعالم الإسلامي؟ وكيف يمكن لهذه التجربة الفريدة أن تقدم إجابة عملية عن سؤال التعايش بين الدين والحداثة؟
نجاح خطة “تسديد التبليغ” في تحقيقها للأمن الروحي والنسيجي لا ينبغي أن يحجب عنا النظر إلى آفاقه العالمية، حيث يمكن لهذا النموذج أن يكون قدوة للدول التي تعاني من صراعات دينية وطائفية. إنه يمثل إمكانية لعيش الدين في الفضاء العمومي الحديث دون أن يفقد قدسيته ودون أن ينغلق على نفسه، ودون أن يتحول إلى أداة صراع.
إن خطة “تسديد التبليغ” تمثل واحدة من أهم التجارب المعاصرة في العالم الإسلامي لإدارة الاختلاف الديني وحماية المجال الرمزي من التلوث. إنه نموذج يستحق الدراسة والتقويم والتطوير، لأنه يقف على الأرضية الصلبة للجمع بين الأصالة والمعاصر وبين السلطة والحرية، وبين الوحدة والتنوع.
إنه يمثل إجابة عملية عن سؤال كيفية عيش الدين في الفضاء العمومي الحديث دون أن يفقد قدسيته، ودون أن ينغلق على نفسه، ودون أن يتحول إلى أداة صراع. وهو بهذا المعنى، لا يخدم المغرب وحده، بل يقدم للعالم الإسلامي وللعالم أجمع نموذجاً للحكمة العملية في التعامل مع الشأن الديني، تلك الحكمة التي تجمع بين عمق الإيمان ورشادة العقل، وبين قوة المبدأ ومرونة الوسيلة.
وهذا هو عين الحكمة وعين التوفيق الذي نرجوه لهذه المسيرة الجليلة، مسيرة تسديد الكلمة لتصيب مقاصدها، وتوجيه الخطاب ليكون نوراً يهدي ورحمة تعم وصلاحاً ينتشر في الأرض كلها.
إنه مشروع يحمل في طياته بذرة مستقبل مشرق للتدين الواعي في عالم متغير، مستقبل يكون فيه الدين مصدر وحدة لا فرقة، وسلام لا صراع، وبناء لا هدم. وهذا وحده إنجاز عظيم يستحق كل ثناء وتقدير.
التعليقات