حقوق الإنسان بين الخصوصية والكونية: قراءة الدكتور محمد الناصري في أفق التوازن القيمي
أحمد المهداوي ـ كاتب صحفي
في سياق فكري يتسم بتصاعد الجدل حول مرجعية حقوق الإنسان ومآلاتها، تبرز قراءة الدكتور محمد الناصري، أستاذ الفكر الإسلامي بجامعة السلطان مولاي سليمان بالمغرب، باعتبارها محاولة علمية رصينة لإعادة طرح السؤال الحقوقي ضمن أفق يجمع بين الخصوصية الثقافية والبعد الكوني. إنها قراءة لا تكتفي بتشخيص الأزمة، بل تسعى إلى تفكيك جذورها الفكرية والفلسفية، واستكشاف إمكانات التجاوز.
وبالعودة إلى بدايات قضية حقوق الإنسان نجد أنها قضية ضاربة في القدم غير أنها في كل مرة تعود بلبوس جديد، فهي ليست وليدة العصر الحديث، بل هي قضية قديمة قدم الإنسان ذاته، على أن معالجتها عبر العصور لم تخلُ من إشكالات ارتبطت بتباين التصورات حول ماهية هذه الحقوق، وحدودها، ومن المخاطَب بأدائها، ومن المستحق لها، فبين الفلسفات الوضعية والتصورات الدينية، وبين المرجعيات الفردانية والجماعية، ظل مفهوم الحقوق في حالة تشكل دائم.
اليوم، يتجاوز الحديث عن حقوق الإنسان نطاق التنظير إلى مستوى الشعارات والالتزامات الدولية، إذ أضحت الحريات الأساسية معيارًا في تقويم الأنظمة السياسية، ومؤشرًا في قياس مدى تطور المجتمعات، بل إن احترام هذه الحقوق بات محددًا في رسم العلاقات الدولية، وفي تقييم النمو الاقتصادي والاجتماعي للدول.
غير أن هذا الحضور الكثيف للخطاب الحقوقي لم يمنع بروز أزمة عميقة في جوهر المفهوم، أزمة تتجلى –كما يشير الدكتور الناصري– في الانفصال المتزايد بين المنظومة الحقوقية الحديثة وجذورها القيمية، ولا سيما المرجعية الدينية التي شكلت تاريخيًا أحد أهم مصادر تكريم الإنسان.
وبين الخطاب الحقوقي والهيمنة تتجلى مفارقة العصر في أن ارتفاع منسوب الحديث عن الحقوق يقابله اتساع رقعة الانتهاكات، سواء في سياق الصراعات الدولية أو في ممارسات الهيمنة السياسية والاقتصادية، إذ باسم الدفاع عن القيم الكونية، تُمارَس أحيانًا سياسات إقصائية، ويُعاد تشكيل المفاهيم بما يخدم موازين القوى.
من هنا تبرز الحاجة، في تصور الدكتور الناصري، إلى إعادة الاعتبار للقيم الدينية بوصفها طاقة تحريرية لا أداة وصاية؛ فالأديان، في جوهر رسالاتها، جاءت لتكريم الإنسان وتحريره من العبوديات المتعددة، وترسيخ مبدأ المساواة باعتباره أساسًا لكل حق.
إن استحضار البعد الديني لا يعني الانغلاق أو رفض المنجز الإنساني الحديث، بل يعني تأصيله ضمن رؤية أخلاقية تحميه من الانزلاق إلى النسبية المطلقة أو التوظيف السياسي.
وإذا كان مبدأ الكرامة الإنسانية يشكل حجر الزاوية في المواثيق الدولية، فإن الرسالات السماوية سبقت إلى تأكيده بوصفه معطىً تأسيسيًا في علاقة الإنسان بخالقه وبالآخرين، فالإنسان، في المنظور الديني، ليس مجرد فرد في بنية اجتماعية، بل كائن مكرَّم ذو بعد روحي وأخلاقي، ومسؤول عن أفعاله في إطار من الحرية المنضبطة بالقيم.
ومن ثم فإن الحديث عن حقوق الإنسان في الأديان لا يُفهم باعتباره دفاعًا عن خصوصية منغلقة، بل باعتباره إسهامًا في إثراء النقاش الكوني حول الأسس الفلسفية للحقوق، فالقيم الكبرى –كالعدل، والحرية، والمساواة، وصون الكرامة– تمثل قواسم مشتركة يمكن أن تشكل أرضية حوار بين المرجعيات المختلفة.
غير أن الإشكالية الكامنة بين الخصوصية والكونية رسمت لفكرة “العالمية” في مجال حقوق الإنسان أبعاداً أثارت، ولا تزال، نقاشًا واسعًا، فقد رأت بعض الثقافات في الطرح الكوني تهديدًا لخصوصياتها الحضارية، بينما اعتبره آخرون ضرورة أخلاقية لضمان حد أدنى من الكرامة الإنسانية المشتركة.
تُبرز قراءة الدكتور الناصري أن الإشكال لا يكمن في مبدأ الكونية ذاته، بل في الكيفية التي يُفهم بها ويُمارَس؛ فالكونية، إذا تحولت إلى تعميم لنموذج ثقافي واحد، فإنها تفقد بعدها الإنساني وتتحول إلى أداة فرض، أما إذا انطلقت من الاعتراف بتعدد المرجعيات، ومن الحوار بين الثقافات، فإنها تصبح فضاءً للتكامل لا للصراع.
من هنا يتأسس تصور توفيقي يرى أن الخصوصية ليست نقيضًا للكونية، بل شرطًا من شروطها؛ إذ لا يمكن بناء عالمية حقيقية دون احترام التنوع الثقافي والديني، شريطة ألا يُتخذ هذا التنوع ذريعة لتبرير انتهاك الكرامة الإنسانية.
وفي مناشدته لأفق توازني تتمظهر أزمة حقوق الإنسان اليوم، في جوهرها، بالنسبة للدكتور الناصري في كونها أزمة مرجعية ومعنى، فبين خطاب كوني يسعى إلى التعميم، وخصوصيات تخشى الذوبان، يظل الإنسان –موضوع الحقوق وغايتها– في حاجة إلى رؤية تعيد إليه اعتباره كقيمة مركزية.
وتدعو قراءة الدكتور الناصري إلى تجاوز الثنائية الحادة بين الخصوصية والكونية، عبر استحضار البعد القيمي والديني في صياغة خطاب حقوقي متوازن، يحفظ المشترك الإنساني دون أن يلغي التنوع؛ إنها دعوة إلى حوار حضاري صادق، يُعيد للحقوق بعدها الأخلاقي، ويجعل من الكرامة الإنسانية أساسًا لا مساومة فيه، ومن المسؤولية المشتركة أفقًا للعمل المشترك.
ويخلص الدكتور محمد الناصري في نقده الاختزال المادي لحقوق الإنسان إلى مساءلة الأساس الفلسفي الذي حصر حقوق الإنسان في أفقٍ ماديٍّ صرف، معتبراً أن هذا الاختزال أفرز توترًا في المفهوم وأدخل الحقوق في جدلٍ مرجعيٍّ لم يُحسم بعد، فالفلسفة المادية، وإن أسهمت في بلورة صيغ قانونية حديثة، إلا أنها –في نظره– لم تستطع أن تمنح الحقوق عمقها القيمي والأخلاقي الضامن لاستمرارها وفاعليتها.
وفي سعره إلى ضرورة التأصيل المرجعي القيمي يؤكد الدكتور الناصري بأن تفعيل البعد الديني لا يعني الانغلاق أو مصادرة المكتسبات الإنسانية، بل يعني إعادة تأسيس الحقوق على قاعدة كرامة الإنسان بوصفها معطًى أصيلًا في الرؤية الدينية، فالدين هنا ليس بديلًا عن الصياغة القانونية، بل هو إطارٌ قيميٌّ يمدّها بالمعنى والضبط الأخلاقي، ويُسهم في تصحيح الانحرافات الناتجة عن الفهم الأداتي أو النفعي للحقوق.
وفق هذه القراءة، فإن عالمية حقوق الإنسان لا تتحقق بإلغاء الخصوصيات الثقافية والدينية، بل بالبحث عن المشترك الإنساني بينها، إذ المرجعيات السماوية –ومنها المرجعية الإسلامية– تزخر بمبادئ تؤكد العدل، ورفض الظلم، وصون الكرامة، وهي مبادئ قادرة على الإسهام في تعزيز الخطاب الحقوقي عالميًا، لا من موقع التبعية، بل من موقع الإغناء والمراجعة.
ويرى الدكتور الناصري أن الأزمات النفسية والاجتماعية المعاصرة تكشف حدود التصور المادي المحض، وتدلّ على حاجة الإنسان إلى بعدٍ روحيٍّ وأخلاقيٍّ يعيد التوازن إلى منظومة الحقوق، ومن ثمّ فإن إدماج المرجعية الدينية المشتركة يُعدُّ مسارًا لتصحيح الاختلالات، وتوجيه الخطاب الحقوقي نحو خدمة الإنسان في كليته، لا في بعده المادي فقط.
وفي زمن تتشابك فيه المصالح وتتعاظم فيه التحديات، يبدو الرهان الحقيقي هو بناء عالمية منفتحة، تنصت لخصوصيات الشعوب، وتستند إلى قيم العدل والمساواة، حتى تظل حقوق الإنسان وعدًا أخلاقيًا حيًا، لا مجرد شعار يُرفع في المحافل ويُغيَّب في الواقع
ومن ثم تُبرز قراءة الدكتور محمد الناصري أن مستقبل حقوق الإنسان رهينٌ بحوارٍ حضاريٍّ جادٍّ يُعيد وصل القانون بالقيم، ويجعل من المرجعيات الدينية عنصرَ دعمٍ وتفعيلٍ لا عنصرَ صراعٍ أو تعارض؛ فالعالمية الحقيقية –في تصوره– ليست فرض نموذجٍ واحد، بل بناء أفقٍ إنسانيٍّ جامع، تتكامل فيه الخصوصيات ضمن رؤيةٍ أخلاقيةٍ مشتركة تحفظ للإنسان كرامته وحقوقه.
التعليقات