حائك السجاد ورجل الصفقات: صدام منهجين على طاولة مفاوضات إسلام آباد

12 أبريل 2026

سعيد الزياني ـ دين بريس
تتيح مفاوضات إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران قراءة أعمق للبنية الذهنية التي دخل بها كل طرف إلى الطاولة، ولطبيعة الأدوات التي اختارها، وللرؤية التي حكمت فهمه للصراع نفسه.

لقد جسدت هذه المفاوضات صداما بين منهجين متباينين في فهم العملية التفاوضية، منهج يتعامل معها بوصفها مسارا ممتدا من الصراع الاستراتيجي، يقوم على التدرج وطول النفس والصبر المركب (صبر حائك السجاد)، ومنهج آخر ينظر إليها كأداة لانتزاع مكاسب سريعة عبر الضغط السياسي والرمزي وفرض وتيرة التفاوض (عقلية رجل الصفقات).

وظهر هذا الاختلاف في المنهج بوضوح في تكوين الوفدين، وفي اللغة التي استخدمها كل جانب بعد انتهاء الجولة دون اتفاق.

بدا الوفد الإيراني أقرب إلى تمثيل دولة تفاوض عبر مؤسساتها المتراكمة، وليس عبر شخصيات عابرة أو أسماء اختيرت فقط لقربها من رأس السلطة، فقد حضر عباس عراقجي بصفته وزيرا للخارجية وأحد أكثر الوجوه الإيرانية خبرة في الملف النووي والعلاقة المعقدة مع الغرب، وهو دبلوماسي شارك في مسارات تفاوضية سابقة، وتكوينه الأكاديمي في العلوم السياسية منح أداءه بعدا تحليليا واضحا في فهم الزمن التفاوضي، وفي توزيع الأوراق، وفي إدارة التدرج.

ويشير حضور شخصيات مثل محمد باقر قاليباف، بما تمثله من ثقل سياسي وأمني ومؤسسي، إلى أن طهران قاربت جولة إسلام آباد باعتبارها جزء من بنية صراع نفوذ ممتد، مما استلزم ضبطا متوازنا بين التعبير الدبلوماسي، والتشدد السياسي، والوعي الدقيق بحدود المرونة الممكنة.

ولا يمكن عزل هذا التكوين الإيراني عن طبيعة الدولة الإيرانية نفسها، فهي دولة بنت، خلال عقود من العقوبات والضغوط والاشتباك مع الولايات المتحدة، مدرسة تفاوض تقوم على الصبر الاستراتيجي، وعلى تفكيك الملفات إلى مستويات، وعلى تجنب الانتقال السريع من الموقف إلى التنازل.

ووفق هذا المنظور، يدرج التفاوض ضمن عملية تراكمية، إذ يخضع لاعتبارات الداخل والخارج ويتحدد داخل تصور شامل لموازين الردع والسيادة والدلالة الرمزية، ولهذا اتسم الوفد الإيراني بقدر أكبر من الاستعداد لتحمل الفشل المرحلي، وبمرونة أعلى في التعايش مع الامتداد الزمني للمفاوضات، لأن معيار النجاح لديه يتمثل في منع الخصم من تكريس منطقه التفاوضي بوصفه الإطار الوحيد الممكن.

وعلى عكس من ذلك، قدم الوفد الأميركي صورة مختلفة في بنيته وفي منطقه العملي، فالحضور البارز لشخصيات مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر أعطى انطباعا بأن الإدارة الأميركية اعتمدت، إلى حد بعيد، على رجال يدورون في فلك الرئيس ترامب، ويأتون من عالم الأعمال والعلاقات الشخصية وصناعة الترتيبات السياسية السريعة، أكثر مما يأتون من السلك الدبلوماسي التقليدي أو من المدارس المتخصصة في التفاوض مع الخصوم المعقدين.

هذا لا يعني انعدام الخبرة تماما، لأن كوشنر كان له دور سابق في اتفاقات أبراهام، كما أن صلة هؤلاء المباشرة بمركز القرار تمنحهم وزنا فعليا، إلا أن هذا النمط من التمثيل يكشف أن واشنطن اختارت مرة أخرى عقل الصفقة، أي العقل الذي يميل إلى الاختصار، وإلى اختبار النيات بسرعة، وإلى تصور التفاوض باعتباره مسارا ينتهي بعرض نهائي واضح، إما أن يقبل أو يرفض.

في العادة، لا تتولى الأوساط القادمة من عالم الأعمال إدارة مفاوضات من هذا المستوى بالكفاءة نفسها التي تتيحها النخب الدبلوماسية المحترفة والمتخصصة، لأن التفاوض الدولي في ملفات تتصل بالنووي والردع والعقوبات والسيادة البحرية لا يخضع لمنطق الصفقة التجارية، فموضوعه لا يقتصر على تبادل مصالح محدودة داخل قواعد مستقرة وواضحة، وإنما يتعلق بإدارة أزمة مركبة تتشابك فيها الأبعاد القانونية والأمنية والرمزية والتاريخية.

وكلما كان الطرف المقابل صاحب ذاكرة تفاوضية طويلة، ومهارة عالية في امتصاص الضغط، ازدادت الحاجة إلى مفاوض يفهم بنية الدولة الخصم، لا إلى وسيط (سمسار) يراهن على سرعة الإنجاز أو على الكاريزما الشخصية أو على قربه من الرئيس.

انعكس هذا الفارق البنيوي في الطريقة التي تحدث بها الطرفان بعد انهيار الجولة، ذلك أن الرواية الأميركية جاءت حاسمة ومباشرة، إذ قيل إن واشنطن قدمت أفضل عرض نهائي، وإن إيران رفضت الاستجابة لمطلب جوهري يتعلق بعدم تطوير سلاح نووي.

تشير هذه اللغة إلى تصور تفاوضي يقوم على تحديد نقطة مركزية، ثم اختبار استعداد الطرف الآخر للحسم عندها.

أما الوراية الإيرانية، فقد قدمت ضمن إطار أوسع وأكثر تشعبا، إذ لم تحصر الخلاف في مطلب أميركي واحد، وإنما ربطته بحزمة مترابطة من القضايا، شملت ما وصفته بالمطالب الأميركية المفرطة، وملف مضيق هرمز، والأصول الإيرانية المجمدة، فضلا عن مسألة التوازن في بنية العملية التفاوضية نفسها.

ويعكس هذا التباين وجود نمطين مختلفين في إدراك الخلاف، أحدهما يميل إلى تركيزه في نقطة حاسمة قابلة للحسم السريع، والآخر يعيد إدراجه ضمن شبكة أوسع من الترابطات، حيث يتداخل التعريف بالمطالب مع ترتيب الأولويات وحدود التفاوض وشروطه.

وإذا جاز تلخيص الفارق في عبارة واحدة، فيمكن القول إن إيران دخلت إلى إسلام آباد بعقل الدولة، فيما دخلت الولايات المتحدة بعقل الصفقة: عقل الدولة يراكم الخبرة، ويعطي قيمة للوقت، ويتعامل مع التفاوض بوصفه جزء من بنية القوة الوطنية، وعقل الصفقة يفضل السرعة، ويبحث عن نقطة اختراق سريعة، ويضع ثقته في مركز القرار وفي قدرة الضغط على إنتاج استجابة فورية.

ولا يبدو أن هذا التباين كان تفصيلا ثانويا، لأن كثيرا من أسباب التعثر لا تعود فقط إلى تضارب المصالح، وإنما إلى التناقض في فهم معنى التفاوض نفسه، وفي تقدير الزمن اللازم له، وفي تحديد ما إذا كانت الطاولة مساحة لتصفية ملف واحد، أو ساحة لإعادة ترتيب ميزان علاقة كاملة بين خصمين.

في نظري، كشفت الجولة عن حدود النهج الأميركي الحالي في إدارة مفاوضات شديدة التعقيد عبر شخصيات تحسن التحرك السياسي السريع، لكنها لا تملك دائما العمق المؤسسي والخبرة التخصصية التي تتطلبها مواجهة من هذا النوع.

بينما أكدت أن إيران ما زالت تراهن على نخبة تفاوضية تشكلت داخل سياق الصراع الطويل، وتعرف كيف تحول الوقت نفسه إلى أداة من أدوات التفاوض.

وعندما يجلس طرف يفكر بمنطق التراكم والاحتمال والصبر، في مواجهة طرف يفكر بمنطق العرض النهائي والقرار العاجل، فإن احتمال التعثر يصبح نتيجة منطقية، لأن الفجوة الحقيقية لا تكون فقط في المطالب، وإنما في البنية الذهنية التي تنتج هذه المطالب وتديرها وتحدد سقوفها.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

هل انتصرت إيران؟

عمر العمري لا جدوى من الإغراق في الجدل حول من انتصر في الحرب التي دارت بين إيران وخصومها، لأن العبرة الحقيقية بعد انقضاء الحروب لا تكون بكثرة الادعاءات، وإنما بمن يخرج منها حاصدا للمكاسب والمغانم.. الأكيد أن إيران خرجت من هذه الهدنة (لاتزال هشة)، في محصلتها النهائية، متقدمة في الميزان الاستراتيجي، لأن خصومها لم ينجحوا […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...