تقرير: القوى العظمى في العالم تدرك حدودها
رشيد المباركي
تجادل صحيفة “وول ستريت جورنال” بأن الصراعات الأخيرة تكشف عن حدود مهمة لقوة حتى أقوى دول العالم. فعلى مدى عقود، كانت العلاقات الدولية تنظر إليها غالبا من منظور المؤرخ اليوناني القديم ثوسيديدس، الذي كتب أن “الأقوياء يفعلون ما يشاؤون، والضعفاء يعانون ما يجب عليهم”.
والحال أن الأحداث في أوكرانيا وإيران وغيرها تشير إلى أن الدول الأضعف باتت تمتلك قدرة أكبر على مقاومة الخصوم الأقوياء مما كان يعتقد. فعلى الرغم من تفوقها العسكري الساحق، لم تحقق الولايات المتحدة نصرا استراتيجيا حاسما على إيران، بينما واصلت أوكرانيا مقاومة روسيا، بل واستعادت زخمها رغم تراجع الدعم الأمريكي. ويعزى هذا التحول بشكل رئيسي إلى الانتشار السريع للتقنيات العسكرية، مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ الموجهة بدقة وأنظمة المراقبة المتقدمة. فهذه الأدوات أرخص بكثير من المنصات العسكرية التقليدية، وتمكّن الدول الصغيرة من إلحاق خسائر فادحة بالقوى الكبرى.
ويشير مسؤولون، مثل وزيرة خارجية لاتفيا بايبا برازي، إلى أن الابتكار التكنولوجي قد ضيّق الفجوة العسكرية بين القوى العظمى والدول الصغيرة، مما قلّل من فعالية القوة العسكرية وحدها. وتراقب دولٌ مثل الصين هذه التطورات عن كثب، إذ تقيّم التحديات المستقبلية، بما في ذلك احتمال نشوب نزاع حول تايوان. كما يؤكد قادة عسكريون أن حروب الغزو التقليدية باتت أكثر صعوبة. ويرى وزير الدفاع الإيطالي، جيدو كروسيتو، أن غزو واحتلال دولة ما يكاد يكون مستحيلا طالما بقي شعبها مستعدا للمقاومة. وبالمثل، يقول وزير الدفاع الهولندي، أونو إيشيلشيم، إنه إذا فشلت دولة قوية في تحقيق أهدافها بسرعة، فإن الصراعات تميل إلى أن تتحول إلى مأزق مكلف يصعب كسره. ونتيجة لذلك، لم يعد بالإمكان تحقيق أهداف مثل تغيير النظام أو الاحتلال طويل الأمد بمجرد القوة العسكرية.
تقارن الصحيفة بين صراعات اليوم وحروب سابقة كحرب فيتنام، والحرب السوفيتية في أفغانستان، واحتلال الولايات المتحدة للعراق. ففي تلك الحالات، حققت القوى الكبرى انتصارات عسكرية تقليدية في البداية، ثم أضعفت لاحقا بفعل حركات التمرد. في المقابل، تمنع التقنيات الحديثة القوى المهيمنة من تحقيق تلك الانتصارات الأولية أصلا. ولم تتمكن روسيا من الاستيلاء على كييف، فيما تجنبت الولايات المتحدة غزوا بريا لإيران نظرا للتكاليف والمخاطر الباهظة التي كانت ستترتب عليه. وأشارت الصحيفة إلى تداعيات ذلك على آسيا؛ حيث يدرس المحللون الصينيون دروس أوكرانيا وإيران، لا سيما فعالية الطائرات المسيّرة في ساحة المعركة. وفي الوقت نفسه، يخشى بعض المراقبين من أن تايوان قد تستخلص دروسا خاطئة من أوكرانيا بتقليص استثماراتها في بعض القدرات الدفاعية غير المتكافئة. ويرى الدبلوماسي السنغافوري السابق، بيلاري كاوسيكان، أن تجربة أوكرانيا تظهر أن على الدول الصغيرة أن تكون مستعدة للدفاع عن نفسها أولا قبل أن تتوقع دعما من حلفائها.
بالنسبة للقوى المتوسطة، مثل كندا والدول الأوروبية والديمقراطيات الآسيوية، فإنها تعزز علاقاتها فيما بينها بشكل متزايد للحد من اعتمادها على القوى الكبرى. وبينما لا تزال الدول القوية تتمتع بمزايا هائلة، ترى الصحيفة أن التكنولوجيا الحديثة، والمرونة الوطنية، والتعاون الدولي قد أتاحت فرصا أكبر للدول الصغيرة لمقاومة الهيمنة. والدرس الأوسع نطاقا هو أن القوة وحدها لم تعد تضمن النجاح، وأن طموحات القوى العظمى يمكن كبحها من قِبل خصوم مصمّمين مجهزين بأدوات حديثة وإرادة سياسية قوية.
التعليقات