تأملات حول تحديد يوم عيد الفطر في فرنسا
د. صلاح الدين المراكشي
إمام وخطيب ومؤطر ديني بفرنسا
نظرًا لما شهدته الساحة الإسلامية في فرنسا من اختلافات سابقة في ثبوت دخول شهر رمضان لعام 1447هـ / 2026م بين يومي الأربعاء والخميس، فقد يكون من الطبيعي ايضا احتمال أن ينعكس هذا التباين على تحديد يوم عيد الفطر.
وأمام هذا الواقع، حيث لا يزال الخلاف قائمًا حول الجهة الدينية التي يُعتمد إعلانها رسميًا وتحظى بإجماع المسلمين، وحرصًا على الحد من التشتت وتقليل أسباب الفرقة، فإنني شخصياً أميل إلى اعتماد منهج يسعى إلى تحقيق قدر من الوحدة ويحفظ انسجام المسلمين في أداء عباداتهم.
وانطلاقًا من هذا التوجه، أرى أن الأخذ برؤية الهلال في أول بلد ثبتت فيه الرؤية يُعد مسلكًا معتبرًا في هذه المرحلة، إلى حين تحقق وحدة أوسع بين الجهات الدينية المخولة في فرنسا. ويستند هذا التوجه إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: “صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته” لمن يرى من أهل العلم عموم هذا الخطاب لجميع المسلمين. وهذا لا يعني إغفال حديث ابن عباس وكريب رضي الله عنهما في هذه المسألة، كما في صحيح مسلم وغيره والذي يدل ايضا على اعتبار اختلاف المطالع، بما يفيد لكل بلد رؤيتهم؛ وهو قول معتبر عند أهل العلم ايضاً. غير أن واقع المسلمين في فرنسا اليوم في ظل تباين الآراء وعدم توحد الجهات الدينية على هذا الاختيار كما كان من قبل؛ يجعل العمل به حالياً متعذرًا في تحقيق المقصد الجامع.
وعليه، فإن الأخذ بعموم حديث “صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته” يحقق مقصدًا شرعيًا عظيمًا، يتمثل في لزوم الجماعة والسعي إلى توحيد الممارسة، لا سيما في ظل التنازعات القائمة.
كما أن هذا التوجه لا يقتصر على الالتزام بالنصوص الشرعية فحسب، بل يعكس أيضًا روح المسؤولية في تغليب مصلحة الإسلام والمسلمين، والسعي لتعزيز وحدة الصف. وهو دعوة للابتعاد عن أي اعتبارات ضيقة أو مصالح شخصية قد تُلبس لبوس الاجتهاد، لكنها في حقيقتها تبعدنا عن مقاصد الشرع في جمع الكلمة وتوحيد الصف، وتحافظ على ما يربط المسلمين بعضهم ببعض في وحدتهم.
أسأل الله أن يؤلف بين القلوب، ويجمع الكلمة، ويوحد صف المسلمين على الحق ويتقبل منا الصيام والقيام ويحشرنا في زمرة خير الأنام وعيدكم مبارك سعيد وكل عام وأنتم بخير.
التعليقات