بين الرياضة والاستراتيجيا والسياسة

19 يناير 2026

د. حمزة بن علي الكتاني

الرياضة ليست ترفا، الكثير منا منغرون بالدعايات التي تقول بأن الرياضة، من كرة قدم وغيرها، إنما هي رفاهية، وضياع وقت، غافلون عن كون الجسم السليم في العقل السليم، كما أن أكثر الشعوب تقدما، هي أتقنها للرياضات، وأكثرها عناية بها؛ من كرة قدم، ورماية (يدخل فيها التنس، والسكواتش، والبنغ بونغ وأمثالها)، وكمال الأجسام، والتسلق في الجبال والجدران، والمصارعة، وغيرها…الخ..

الذي يتقن تلك الألعاب يكون أقوى في الحروب، وفي التحديات الاجتماعية والعلمية، والسياسية، والتنمية الاجتمعية، وأكثر شجاعة في اتخاذ القرارات، وتدبير الأمور الخاصة والعامة…والكتب الحديثية مليئة بأنواع الرياضات التي مارسها النبي صلى الله عليه وسلم، أو مورست بمحضره، أو مارسها سلف الأمة وملوكها وقادتها، ويمكن مراجعة فصول من ذلك في كتاب: “التراتيب الإدارية، في الحكومة النبوية” للحافظ الشيخ عبد الحي الكتاني. رحمه الله تعالى.

والمنافسات الخاصة، أو الدورية سواء على مستوى الدولة أو الدول أو القارة أو العالم، هي منافسات تعطي تصورا لمدى تقدم المجتمع في تكوين الذات، وبناء الإنسان، فهي ليست ترفا وضياعا للوقت كما يفهمه من قصر عقله وذهنه، ويكفي أن تلاحظ أن غالب الدول التي تحكم العالم، وتهيمن عليه هي من يحصد أبناؤها أهم الميداليات في المنافسات العالمية؛ كالألعاب الأولمبية مثلا. ولذلك تجد أبناءهم وبناتهم، أقوى جسدا، وأشد فتوة وجمالا وبهاء.

من ناحية أخرى؛ فإن تلك المواسم تعتبر مناسبات للتعريف بالثقافات المتنوعة، وفتح أوراش للتجارة والاقتصاد، والعلاقات البينية، والدعاية للبلد المنظم، أو البلد المتفوق، أو الشركات والمؤسسات التي لها الصدارة في التنظيم، والإتقان في الإنتاج. وهو ما يعود بأرباح كثيرة للدول المنظمة، والفرق المتأهلة، ويعطيها سمعة عالمية، تستطيع البناء والاستثمار بها.

وقد اعتنى المغرب منذ سنوات بهذا الجانب، سواء عن طريق نشر ملاعب القرب في البلاد، والمساحات الرياضية في الشوارع والساحات، وانتشار الصالات الرياضية…وفي السنوات الأخيرة اشرأب المغرب لأن ينظم المنافسات العالمية الكبرى، وعلى رأسها كأس العالم لكرة القدم، وكأس إفريقيا لكرة القدم.

صرف المغرب أموالا هائلة في السنوات الأخيرة لبناء ملاعب كبرى، في مدن كبرى؛ كالرباط، وطنجة، ومراكش، وفاس، وأكادير، على أعلى مستوى ينافس بها أكبر ملاعب العالم وأكثرها تحضرا، وفي علمه؛ أن ما سيجنيه الاقتصاد المغربي من عقود تجارية واقتصادية، وشراكات جامعية وتنموية وحضارية، من وراء ذلك، يقدر بأضعاف ما خسره من أجل تلك الهياكل، سواء على المدى القريب والمدى البعيد.

وأول حفلة وأكبرها يستقبلها المغرب في هذا الاتجاه، هو: كأس إفريقيا، الذي ابتدأ منذ أواخر شهر دجنبر 2025م، فاستقبل المغرب منتخبات عشرات الدول الإفريقية، وآلافا من مشجعي تلك الدول، وقد هيأ لاستقبالهم البنية التحتية الفندقية، والطرقية، والمواصلات، والمطارات، وغير ذلك.

وبالفعل حل بالمغرب عشرات الألوف من المشجعين، بهروا بالمغرب سواء من ناحية البناء والعمران، والتقدم والحضارة والنظافة، كما بهروا باستقبال المغاربة الذين كانوا فرحين جدا بضيوفهم، أكرموهم، وابتهجوا بهم، واعتبروا تلك الأيام أعراسا من كل قلوبهم.

غير أن الصدمة الأولى كانت مع المشجعين الجزائريين، الذين كان احتفاء المغاربة بهم متميزا عن غيرهم، نظرا لقرب البلدين المتجاورين، وللاحتقان السياسي بينهما، فكأن المغاربة أرادوا أن يقولوا للجزائريين، نحن لا نبالي بالمشاكل السياسية، ونعتبركم أهلا وإخوة، وتمادى الأمر إلى أن فتحوا لهم بيوتهم، ورفضت العديد من المطاعم أخذ تعويضات منهم، وخرج المواطنون المغاربة يشجعون المنتخب الجزائري، حتى كانوا أكثر من المشجعين الجزائريين أنفسهم.

وقد ابلت الجزائر أولا بلاء طيبا، حتى وصلت للمنافسة مع غينيا الاستوائية، فبدأ المنظمون والسياسيون الجزائريون يتهمون المغرب أنه جعل الجزائر مع غينيا حتى تخسر وتخرج مبكرا، ولكن الجزائر انتصرت، وانتقلت للدوري الثماني، ثم الرباعي، فلعبت مع نيجيريا، وخسرت بهدفين نظيفين، وكان أداء المنتخب الجزائري ضعيفا، واستحوذ النيجيريون على المباراة من أولها لآخرها، وإذا بالجمهور الجزائري يقوم بأفعال شغب في الملعب المراكشي، ويشتم المغرب علنا، هو ومحللوه الرياضيون، ثم ما فتئ الإعلام الجزائري أن شن حملة مسعورة ضد المغرب، باعتبار أن المغرب رشى حكام المباراة…الخ، وبدأ المشجعون ينشرون فيديوهات من داخل المغرب، تسيء لسمعة البلاد ورموزها، علما أن المغرب مضيف فقط، وليس منظما، أما الجهة المنظمة؛ فهي الاتحاد الإفريقي، ولم يكن المغرب الطرف المنافس…وللأسف رأى المغاربة الذين استقبلوا الجزائريين بكل محبة وأخوة، من الجزائر مشجعين ورياضيين وصحفيين، كل بغضاء وعداوة، وحقد، أصاب المجتمع المغربي بصدمة حقيقية.

ثم حدث نفس الشيء مع المصريين، ففي مباراتهم مع ساحل العاج، كان جزء من الجمهور المغربي يشجعون ساحل العاج، والقسم الآخر يشجعون مصر، فانتهى الأمر إلى أن شتم المصريون الجمهور المغربي، وزاد ذلك بعد انتصارهم على ساحل العاج، وأصبح حملة إعلامية ضد المغرب، ترأسها المدرب المصري حسام حسن، فأطلق دعايات ضد المغرب بأنه مسؤول عن سوء التحكيم، وأنه متواطئ مع الحكام ضد المنتخب المصري، وأن الملاعب المغربية غير جيدة، وكذا فنادقها…الخ.

وزادت الحملة المصرية ضد المغرب عند هزيمة مصر أمام نيجيريا في نصف النهائي، وخرجت من المربع الذهبي، لتشن مصر ولاعبوها حملة مسعورة ضد المغرب، وهو الأمر الذي أدى إلى انتكاسة كبيرة لدى المجتمع المغربي الذي لم يتوقع أن يعامله أشقاؤه بذلك الجفاء والكراهية، حتى اضطرت الحكومة المصرية للتدخل في الموضوع، وتأنيب المدرب المصري على تجاوزاته.

ثم كانت ثالثة الأثافي مع السنغاليين، الذين يعتبرهم المغرب جزءا منه والمغاربة جزء من السنغال، وذلك في نهائي كأس إفريقيا، وكنا نقول: سواء ربحت المغرب أو السنغال، فسنفرح للجميع، كان ذلك من أعماق قلوبنا.

غير أن وقائع المباراة كانت صادمة، لن أتحدث عن عنف السنغاليين ضد اللاعبين المغاربة، ذلك العنف الذي تسبب في دماء وكسور للاعبين المغاربة، ونتجت عنه كروت صفراء عديدة للعابين السنغاليين. وكان من ذلك العنف؛ أن ألغى الحكم هدفا للسنغاليين في الشباك المغربية، بسبب جر ودفع عنيفين قام بهما أحد اللاعبين السنغاليين ضد المدافع المغربي. فاحتسب الحكم ضربة خطأ لصالح المنتخب المغربي.

غير أنه لم تمض دقائق، حتى استحق المنتخب المغربي ركلة ركنية ضد المنتخب السنغالي، وأثناء ذلك، عمد الدفاع السنغالي لأحد المهاجمين المغاربة في منطقة الجزاء، فألقاه أرضا. من هنا طالب المغاربة باحتساب ركلة جزاء، فاضطر الحكم للعودة إلى تقنية الفار، فوجدها ركلة جزاء مستحقة…ومن هنا بدأ المشكل.

المغرب كان يعاني من ضغط سياسي وإعلامي كبير، من طرف الجزائريين والمصريين وذبابهما الإلكتروني، وهو المنظم لكأس إفريقيا، وبالنسبة إليه المحافظة على سمعة المغرب كدولة، ونجاح المنافسات كحفل عالمي، أمر مهم جدا تنبني عليه سمعة المغرب، تلك السمعة التي بخسارتها؛ سيخسر كل استثماراته التي تعب لأجلها، وقد يخسر تنظيم كأس العالم أيضا، فأصبح وضع المغرب هنا حرجا جدا…إضافة إلى كون شقيق ملك المغرب، الأمير مولاي رشيد، بما يمثله من سيادة للدولة، حاضرا في الملعب، وهو حضور يمثل رمزية كبيرة للمغرب في الداخل والخارج.

آثر مدرب الفريق السنغالي أن يرفض قرار الحكم، ويدعو للفوضى، وينسحب من الملعب، كما أن الجمهور السنغالي بدأوا في تكسير الملعب، ومحاولة النزول لأرضية الملعبة لينتقموا من الحكام واللاعبين المغاربة، فحصل توتر كبير لدى أعلى جهة في الإدارة المغربية، ولدى إدارة الكاف نفسها، وكان المغرب أمام قرارين: إما أن يقبل انسحاب السنغال، أو أن ترجع السنغال، على أن تكون ضربة الجزاء شكلية، ويربح المغرب سمعته…وكذلك كان.

لا شك أن هذه الوضعية سيكون لها تأثير كبير على اللاعبين المغاربة، والجمهور المشجع، وهو ما ظهر جليا أثناء الشوطين الإضافيين، فقد انسحب لاعب مغربي لإعطابه من طرف السنغاليين، كما كان لاعب آخر (العيناوي) في حكم الخارج، بسبب إصابته الخطيرة في رأسه، ليلعب المغرب بتسعة لاعبين فقط، وتكون النتيجة خسارته بهدف نظيف.

ليس المشكل في خسارة المغرب، فالخسارة والربح نتيجتان متلازمتان للعب، وعلى اللاعب قبولهما، ولكن طريقة الخسارة، وما واكبها من أعمال لا تمت للروح الرياضية بصلة، جعلت من المغاربة عموما، لا المشجعين فقط، يشعرون بالضيم، والقهر، وينسحب جل المشجعين من الملعب، ويكون حفل الختام باهتا جدا، وحزينا وكئيبا…وهو واقع سيكون – لا شك – له ما بعده.

انتبه المغاربة ليجدوا أنهم لا إخوة حقيقيين لهم، ولا أصدقاء، ولم يكن لإحسانهم وإكرامهم لضيوفهم رد فعل إيجابي، كانوا محاطين بالحسد، والبغضاء، والحنق من جيرانهم، حتى الذين تربطهم بهم مصالح استراتيجية عميقة، مع ما تبع ذلك من شماتة الإعلام المصري والجزائري، الذي أعطى للعلاقات المغربية الجزائرية المصرية، صورة مظلمة، لا شك أنها أثرت على المجتمع برمته، وهي النتيجة المعاكسة تماما لما كنا نتمناه، ولا شك أن الإدارة المغربية كانت تتمناه، هذا الجرح الغائر أثر في الناس كثيرا، وأتمنى أن لا يستمر طويلا.

ما حصل؛ يعلمنا أن الدولة المغربية يجب أن تفكر في نفسها أكثر، في بناء الوطن، والمواطنين؛ تعليميا، واقتصاديا، وسياسيا، واستراتيجيا، وعسكريا، وأن لا تعول على الآخر إلا كمناطق نفوذ وهيمنة، أو مصالح مشتركة في إطار معين، وإلا؛ فما حك جلدَك مثلُ ظُفْرِك.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

الرياضة بمنطق السيادة..

عمر العمري تظهر التفاعلات التي تلت الحدث الرياضي الأخير بالمغرب انزياحا مقلقا في طريقة تمثل المجال الرياضي داخل بعض البيئات الإقليمية، إذ جرى تفريغ المنافسة من بعدها القيمي والتربوي، وتحويلها إلى ساحة إسقاط لصراعات سياسية وهوياتية، يعاد إنتاجها عبر تعبئة الجماهير واستثمار الانفعالات الجماعية، في مسار يفرغ الرياضة من معناها الأصلي ويقحمها في رهانات لا […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...