بين التوظيف الأيديولوجي والاختراق الاستراتيجي: قراءة في سيكولوجية الحش والولاء
علي البلوي
تعد العلاقة بين المعتقد الديني والمنظومة السياسية من أكثر القضايا تعقيداً في الأنثروبولوجيا السياسية، حيث يبرز مفهوم “التخدير” هنا ليس كوصف للمقدس في ذاته، بل كآلية سيكولوجية تُستخدم لتسكين الوعي النقدي وتوجيه السلوك الجمعي نحو غايات محددة.
من الناحية العلمية، يعتمد “الإسلام السياسي” على سيكولوجية الجماعة التي تذيب الفردانية لصالح “الهوية الحركية”، مما يخلق حالة من الاغتراب عن الدولة الوطنية لحساب كيانات أيديولوجية عابرة للحدود.
هذا التحول لا يحدث في فراغ، بل يستند إلى استراتيجيات “القوة الحادة” التي تسعى للتسلل إلى النسيج الثقافي وتفكيك الثوابت الوطنية من الداخل عبر التشكيك في مشروعية الدولة وقدرتها على تحقيق الخلاص النفسي والمادي.
تاريخياً، رصدت الدراسات الاستراتيجية تقاطع هذه الحركات مع مصالح قوى دولية، حيث يمثل النموذج البريطاني مثالاً كلاسيكياً في إدارة “الخلافات البينية” واستخدام التيارات الدينية كعازل أو أداة ضغط لتمرير أجندات جيوسياسية دون الحاجة للتدخل العسكري المباشر.
سيكولوجياً، يعتمد هذا الخطاب على تقنيات “التأطير” التي تضع الموقف الوطني في خانة “الجدال” و”وجهات النظر”، مما يسلب الوطن صفته كمرجعية وجودية عليا ويحوله إلى مجرد خيار سياسي قابل للتفاوض.
إن إضعاف الانتماء الوطني يمثل جوهر “استراتيجية الإنكار” التي تستهدف الحصانة الذاتية للمجتمعات، حيث يغدو الفرد أكثر قابلية للتأثر بالبروباغندا الخارجية حين يفقد بوصلته الوطنية.
ومن المنظور العلمي، فإن مواجهة هذه الظواهر تتطلب تعزيز الوعي السياسي وتفكيك البنى المعرفية التي تربط بين الانصياع الأيديولوجي وبين الفضيلة، مع التأكيد على أن الدولة الوطنية هي الإطار الوحيد القادر على تحويل التعددية إلى عامل قوة بدلاً من كونها ثغرة لاختراقات المشاريع الخارجية.
إن الانتقال من “تخدير الشعوب” إلى “يقظة المجتمعات” يتوقف على قدرة العقل الجمعي على تمييز الفارق الجوهري بين الإيمان كقيمة روحية وبين تسييس الدين كأداة للهيمنة والتبعية.
التعليقات