بين الإيمان والممارسة: كيف نستعيد روح القيم الإسلامية في واقعنا المعاصر؟

23 فبراير 2026

الشيخ الصادق العثماني – أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية
لم يكن الإسلام، في جوهر رسالته الأولى، مجرد منظومة شعائر أو طقوس تؤدى في أوقات محددة، ولا مجرد تراث يُحفظ في الكتب أو يُستعاد في المناسبات، بل كان مشروعًا حضاريًا متكاملًا، يهدف إلى بناء الإنسان أخلاقيًا، وتنظيم المجتمع عدلًا، وتوجيه التاريخ نحو قيم الخير والكرامة والحرية والمسؤولية. غير أن الواقع الذي تعيشه كثير من المجتمعات الإسلامية اليوم يكشف عن مفارقة مؤلمة: حضور واسع للدين في الخطاب والوجدان، وغياب ملموس له في السلوك والمؤسسات والعلاقات اليومية.

هذه المفارقة لا تعني ضعف الإسلام ذاته، ولا قصور تعاليمه، فالدين الذي صنع جيلًا أقام حضارة ممتدة من الأندلس إلى الهند، لا يمكن أن يكون عاجزًا بطبيعته. إن الخلل الحقيقي يكمن في تحوّل الدين، في الوعي الجمعي، من قوة محركة للحياة إلى رصيد ثقافي موروث، يُكرَّر لفظيًا دون أن يُترجم عمليًا، ويُحتفى به عاطفيًا دون أن يتحول إلى مسؤولية أخلاقية وسلوكية.

لقد أدرك كبار المفكرين هذه الإشكالية منذ قرون. فقد نبّه أبو حامد الغزالي إلى خطر التدين الشكلي الذي يقتصر على المظاهر، ويغفل إصلاح القلب والعمل. وبيّن ابن خلدون في مقدمته الشهيرة أن الحضارات لا تنهار فجأة، بل تبدأ بالضعف حين تفقد منظومتها القيمية فاعليتها في الواقع. وفي العصر الحديث، عمّق مالك بن نبي هذا التحليل حين اعتبر أن أزمة المسلمين ليست في نقص الموارد، بل في تعطّل القيم وتحولها إلى شعارات فارغة.

إن جوهر المشكلة يتمثل في الفصل غير المعلن بين “الإيمان” و“الحياة”. فقد أصبح الدين، عند فئات واسعة، محصورًا في المسجد، أو في المناسبات الدينية، أو في طقوس فردية معزولة عن المجال العام. يصلي الإنسان، لكنه لا يتردد في الغش. يصوم، لكنه يظلم العامل الضعيف. يتحدث عن الأخلاق، لكنه يبرر الفساد والمحسوبية. هذا الانفصام ليس دليلًا على نفاق فردي فقط، بل مؤشر على خلل ثقافي عميق في فهم الدين ووظيفته.

لقد جاء الإسلام ليصنع إنسانًا متوازنًا، يجمع بين العبادة والمعاملة، بين الروح والعقل، بين الفرد والمجتمع. فالقرآن لم يُنزَل ليُتلى فقط، بل ليُطبَّق: في العدل، في الأمانة، في احترام الإنسان، في إتقان العمل، في حفظ الحقوق.

وحين يتحول القرآن إلى صوت جميل في المناسبات، دون أن يكون مرجعًا في القرارات والسلوك، يفقد رسالته التغييرية، ويصبح جزءًا من المشهد الفولكلوري لا من مشروع النهضة.

ومن أخطر مظاهر هذا التحول، أن الدين أصبح، في كثير من الأحيان، موضوعًا للحنين لا للبناء. نستحضر أمجاد الماضي، ونتغنى بعظمة الأجداد، ونقارن أنفسنا بهم بحسرة، دون أن نسأل: كيف صنعوا تلك الحضارة؟ وما القيم العملية التي التزموا بها؟ إن استحضار التاريخ دون استلهام روحه لا يصنع نهضة، بل يكرس حالة من العجز النفسي والرضا السلبي بالواقع.

لقد كانت الأجيال الأولى من المسلمين تفهم الدين بوصفه مسؤولية يومية. التاجر كان يرى في الصدق عبادة، والحاكم كان يعتبر العدل أمانة إلهية، والعالم كان يربط العلم بالعمل، والمجاهد كان يحمي القيم قبل أن يحمل السلاح. أما اليوم، فقد انقسمت الحياة إلى مجالات منفصلة: مجال ديني رمزي، ومجال دنيوي “واقعي” تحكمه المصالح، ولو على حساب الأخلاق. وهنا يكمن جوهر الأزمة.

إن هذا الانفصال لم يأتِ من فراغ، بل ساهمت فيه عوامل متعددة: الاستعمار الذي فكك البنية الثقافية للأمة، والأنظمة السياسية التي استعملت الدين أحيانًا كأداة للشرعية، والمؤسسات التعليمية التي فصلت المعرفة عن القيم، والإعلام الذي روّج لنموذج استهلاكي فارغ. ومع مرور الزمن، تشكل وعي مشوه يرى في الدين طقوسًا خاصة، لا مرجعية شاملة للحياة.

كما لعب الخطاب الديني نفسه دورًا في هذا التراجع، حين انشغل، في كثير من الأحيان، بالجزئيات والشكليات، وأهمل القضايا الكبرى: العدالة الاجتماعية، الكرامة الإنسانية، محاربة الفساد، بناء الإنسان المنتج، ترسيخ ثقافة المسؤولية. فحين يختزل الدين في مسائل هامشية، ويُغفل جوهره الأخلاقي والحضاري، يفقد تأثيره في الواقع.

لقد عبّر الشاعر والمفكر محمد إقبال عن هذه الأزمة حين دعا إلى إحياء “الذات الإسلامية” القادرة على الإبداع والتجدد، لا الاكتفاء بتقليد الماضي. فالإسلام، في نظره، ليس دين الجمود، بل دين الحركة والتجدد والاجتهاد. وكل حضارة تتوقف عن التجدد محكوم عليها بالانحسار.

إن تحوّل الدين إلى تراث جامد لا يعني كثرة الكتب والمواعظ، بل يعني غياب الفعل. فالمجتمع قد يكون مليئًا بالخطب والدروس، لكنه فقير في النزاهة والانضباط والعمل الجماعي. وقد يكون غنيًا بالشعارات الدينية، لكنه ضعيف في احترام القانون، وحفظ الوقت، وإتقان المسؤولية. وهذه الفجوة بين القول والفعل هي التي تُفرغ الدين من قوته الحضارية.

ومن الناحية النفسية، يولّد هذا الوضع حالة من التناقض الداخلي لدى الفرد المسلم. فهو يعيش بين ما يؤمن به نظريًا، وما يمارسه عمليًا. ومع الزمن، إما أن يتصالح مع هذا التناقض بتبريره، أو يفقد ثقته في جدوى القيم نفسها. وفي الحالتين، تكون الخسارة كبيرة: خسارة الصدق مع الذات، وخسارة القدرة على التغيير.

إن استعادة فاعلية القيم الإسلامية لا تبدأ من الشعارات، بل من إعادة بناء الوعي. نحتاج إلى فهم جديد-قديم للدين: فهم يجمع بين النص والواقع، بين الثابت والمتغير، بين الروح والمصلحة العامة. نحتاج إلى تربية تربط الصلاة بالصدق، والصيام بالرحمة، والزكاة بالعدالة الاجتماعية، والحج بوحدة الأمة، لا بمجرد الأداء الشكلي.

كما نحتاج إلى إعادة الاعتبار لمفهوم “العمل الصالح” بوصفه أساس التدين. فالعمل الصالح ليس فقط صلاة وصومًا، بل هو إتقان المهنة، وحفظ الأمانة، واحترام الآخر، والمشاركة في بناء المجتمع. وحين يصبح هذا الفهم سائدًا، يتحول الدين من عبء رمزي إلى طاقة إيجابية.

ولا يمكن تحقيق ذلك دون إصلاح المؤسسات: المدرسة، والجامعة، والمسجد، والإعلام. فهذه المؤسسات هي التي تصنع الوعي الجمعي. وإذا بقيت تكرس الانفصال بين القيم والواقع، فلن يتغير شيء. أما إذا نجحت في تقديم نموذج متكامل للإنسان المسلم: الواعي، المنتج، الأخلاقي، المنفتح، فستكون نقطة التحول الحقيقية.

إن الأمة اليوم لا تعاني من قلة المساجد، ولا من ندرة الكتب الدينية، بل تعاني من ندرة النماذج الصادقة. تعاني من قلة القادة الذين يجسدون القيم، وقلة المثقفين الذين يربطون الفكر بالعمل، وقلة المربين الذين يصنعون شخصية متوازنة. وحين يغيب النموذج، تصبح القيم مجرد خطب.

وفي الختام، يمكن القول إن أزمة المسلمين المعاصرة ليست أزمة دين، بل أزمة تديّن. ليست أزمة نصوص، بل أزمة تنزيل. ليست أزمة عقيدة، بل أزمة أخلاق وممارسة. وحين ندرك هذه الحقيقة بصدق، نكون قد قطعنا نصف الطريق نحو الإصلاح.

إن استعادة الدور الحضاري للإسلام تبدأ حين نعيده إلى مكانه الطبيعي: في السوق كما في المسجد، في السياسة كما في العبادة، في الأسرة كما في المدرسة، في الضمير كما في القانون. حينها فقط، يتحول الدين من ذاكرة تاريخية إلى قوة مستقبلية، ومن خطاب مكرر إلى مشروع نهضوي، ومن تراث محفوظ إلى حياة تُعاش.

فالإسلام لم يأتِ ليُحفظ في الصدور فقط، بل ليُترجم في السلوك، ويُبنى به الإنسان، وتُصنع به الحضارة. وكل محاولة للفصل بين الإيمان والعمل، أو بين القيم والواقع، ليست إلا خطوة أخرى نحو الركود .

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...