بيت الله الحرام: نداء الإيمان ومهوى الأنام
د. صلاح الدين المراكشي
إمام وخطيب ومؤطر ديني بفرنسا
يقول ربُّ العالمين في محكم التنزيل ( إنَّ أوَّلَ بيتٍ وُضع للناس للذي ببكَّة مباركًا وهدىً للعالمين فيه آياتٌ بيِّناتٌ مقامُ إبراهيمَ ومن دخله كان آمنًا ولله على الناس حجُّ البيت من استطاع إليه سبيلًا ومن كفر فإن الله غنيٌّ عن العالمين) آل عمران : 96-97. ومرادُ الله تعالى من هذه الآية الكريمة أن أول بيتٍ جُعل في الأرض لعبادة الله هو بيتُه الحرام بمكة المكرمة، مهبطُ الوحي، تلك البقعة التي اصطفاها الله واختارها من بين سائر الأرض، لتكون موضع بيته العتيق، والذي تولّى رفع قواعده وإعلاء بنيانه نبيُّه إبراهيم بمعية ولده إسماعيل عليهما الصلاة والسلام، كما قال تعالى ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم) البقرة : 127. هذا البيت العتيق الذي يفد إليه الحجاج من شتّى أقطار الأرض؛ من إفريقيا وآسيا وأمريكا وأوروبا وأستراليا وغيرها من القارات على اختلاف ألسنتهم وتباين ألوانهم، يجمعهم شعارٌ واحد وكلمةُ توحيدٍ واحدة : “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك”.
وقد استجابوا لنداء إبراهيم عليه السلام حين أمره الله تعالى بقوله ( وأذِّن في الناس بالحج يأتوك رجالًا وعلى كل ضامر يأتين من كل فجٍّ عميق) الحج : 27. فقال إبراهيم عليه الصلاة والسلام – كما جاء في كتب التفاسير –: يا رب، وكيف أُسمِع الناس؟ هكذا نظر إلى حاله فحكم بأن القدرة البشرية قاصرة عن إيصال هذا النداء إلى جميع الناس، غير أن قدرة الله تعالى نافذة لا يحدّها شيء. فقال: الله له: ” يا إبراهيم، عليك النداء وعلينا البلاغ ” فقام عليه الصلاة والسلام – وقيل: على حجر، وقيل: على الصفا، وقيل: على جبل أبي قبيس – فنادى: ” أيها الناس، إن الله قد كتب عليكم الحج فحجّوا ” فأسمع الله صوته إلى من في الأرحام ومن في الأصلاب، ممن قد كُتب لهم الحج منذ ذلك الوقت وإلى ما قبل قيام الساعة؛ حين ينتهي هذا التكليف في آخر الزمان. وبعد هذا البيان لمكانة هذا البيت العتيق، وعِظم النداء الإلهي إلى الحج، تتجلّى لنا عظمة هذه العبادة في ميزان الشرع، إذ لم تقتصر الشريعة على الأمر بها، بل رغّبت فيها أعظم ترغيب، وبيّنت ما أعدّه الله لأهلها من الفضل والثواب.
فقد وردت في فضائل الحج نصوص وآثار كثيرة تُرغِّب في أدائه وتُبشِّر بعظيم ثوابه فمن ذلك قول رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: ” الحجاج والعمار وفد الله، إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم” [ الطبراني في الأوسط 6/247 ] ” والله عز وجل يباهي بالحجاج في صعيد عرفات ملائكته، فيقول: “عبادي جاءوني شعثًا غبرًا من كل فجٍّ عميق، يرجون رحمتي، فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل، أو كقطر المطر، أو كزبد البحر لغفرتها، أفيضوا عبادي مغفورًا لكم ولمن شفعتم له” [ الطبراني في الكبير والبزار وابن حبان وهو في صحيح الترغيب 1112 ] ويقول صلى الله عليه وسلم : “الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة” [ البخاري 1773 ومسلم 1349 ] وقد تعددت أقوال العلماء في بيان معنى الحج المبرور وعلاماته؛ فقيل: هو الحج الذي لا يشوبه رياء ولا سمعة، وقيل: هو الذي يُؤدَّى على وجهٍ تامٍّ مستوفيًا أركانه وشروطه، وقيل: هو الذي يُصان فيه الحاج من الإثم والرفث والفسوق، وقيل: هو ما كان من مالٍ حلال، وقيل أيضًا: هو الحج المقبول عند الله تعالى وقيل: أن يعود الحاج وقد تحسّنت حاله، واستقامت أخلاقه، وزادت عبادته، وظهر أثر الطاعة في سلوكه ومعاملاته.
وفي هذا المقام، يبرز جانبٌ آخر يوقظ في النفوس الشوق ويهزّ المشاعر نحو تلك الديار المباركة؛ فكلما تأملنا حجاج بيت الله الحرام على التلفاز وهم يؤدون مناسكهم، امتلأت القلوب حنينًا وشوقًا إلى تلك البقاع الطاهرة، ولا غرابة في ذلك، فقد جعلها الله تعالى مهوى أفئدة المؤمنين، تتعلق بها القلوب وتأنس بها الأرواح، كلما أقبل موسمها أو ذُكرت على الألسنة حديثها. وهي ثمرة دعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ( ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) إبراهيم : 37. وفي هذا السياق، ومع ما يبعثه مشهد الحجاج من شوقٍ في القلوب، نُسجّل كذلك بأسفٍ أن بعض الناس قد يجوب عددا من البلدان في أسفار سياحية ويرصد لها الأموال الكافية وينفق فيها بسخاء، ثم يغفل عن أعظم الرحلات وأشرفها : حجِّ بيت الله الحرام. فأيُّ غفلةٍ هذه، وأيُّ تفريطٍ في أعظم تجارةٍ مع الله تعالى؟! كما أن بعض الناس قد يغفل عن دقة التعبير حين يُسأل : كم كلّفكم الحج؟ فيبادر قائلاً: “خسرنا كذا وكذا من المال” !؛ وهذا لفظٌ لا يليق بمقام هذه العبادة العظيمة؛ إذ إن الحج ليس خسارة!، بل هو ربحٌ حقيقيٌّ عظيم للعبد في دنياه وأخراه، بما يترتب عليه من مغفرة الذنوب ورفعة الدرجات. والأولى والأدب الأكمل أن يقول: نسأل الله القبول، لما في ذلك من حسن الأدب مع الله تعالى وتعظيم شعائره.
وأما إذا كان السؤال على وجه العموم عن تكلفة الحج، فلا حرج في ذكر تقديرٍ تقريبي يُستفاد منه، دون أن يتحول الحديث إلى تفصيلٍ عن النفقة الشخصية أو تصويرها بصورة الخسارة، فإن المقصود بيان الفائدة لا إظهار التكاليف. فليتأمل كلُّ واحدٍ منا نفسه، وليتساءل: لِمَ لا أكون مع هؤلاء الحجاج؟ وما الذي يحول بيني وبين أداء هذا الركن العظيم؟ فإن كان المانع قلة المال فليتوجه إلى الله بطلب الغنى، وإن كان تقصيرًا فليدعُه سبحانه بالهداية والتوفيق، وإن كان بخلًا أو تسويفًا فليستعذ بالله من ذلك ويسأله العافية. وأمرٌ آخر مهمٌّ يجدر التنبيه عليه في هذا المقام، كلُّنا يعلم أن الحج من فرائض الإسلام وأحد أركانه العظام، ولكن قد يغيب عن أذهان بعض شبابنا هذا المعنى، فيظن أنه لا يجب إلا على كبار السن ممن بلغوا 60 أو 70 سنة ونحو ذلك، وهذا والله فهمٌ مغلوط ينبغي تصحيحه وتقويمه؛ فالحج واجبٌ متى ما توفرت شروطه من الإسلام والبلوغ والاستطاعة.
ينبغي حينئذٍ للمسلم المبادرة إلى أدائه وعدم التأخير متى تيسرت له أسبابه، فقد قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم : “تعجلوا إلى الحج فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له” [ أحمد 2864 ] أي ما قد يعترضه من صوارف الحياة وشواغلها وموانعها، فقد يمرض الصحيح، ويفتقر الغني، وتطرأ الحاجات فتمنع الإنسان من أداء هذا الركن العظيم. فاللهم تقبّل من الحجاج حجهم، وأعنهم على أداء مناسكهم يا رب العالمين، ويسّره لنا ولجميع المسلمين، آمين. والحمد لله رب العالمين.
التعليقات