بنيوية الشتات الجيوسياسي وتهافت أسطورة “المركزية الإيرانية” كدرع للمنطقة
علي البلوي
تتبدى في الفضاء الرقمي العربي المعاصر ظاهرة سوسيولوجية لافتة، تتمثل في صياغة “ميثولوجيا سياسية” تمنح النظام الإيراني دور الحامي الأخير للجغرافيا العربية والتركية، وهي سردية تنهض على فرضية سريالية تزعم أن سقوط طهران يعني بالضرورة ضغوط على الرياض والقاهرة وأنقرة أمام المشروع الصهيوني.
إن هذا المتخيل “الهوليودي” لا يكتفي بتجاوز الحقائق الجيوسياسية الصلبة، بل يغفل في جوهره أن القوة الإيرانية، عبر أربعة عقود، لم تكن سوى “العامل المضعف” للبنية الدفاعية الإقليمية؛ فمن منظور التحليل البنيوي، نجد أن إيران مارست استراتيجية “تآكل الداخل” عبر تفكيك الجيوش الوطنية التقليدية واستبدالها بميليشيات عابرة للحدود، كما حدث في العراق وسوريا واليمن ولبنان، مما جعل المنطقة تاريخياً أكثر انكشافاً وهشاشة أمام أي طموح توسعي إسرائيلي.
ويذهب خبراء في مدرسة “الواقعية السياسية” إلى أن الدور الإيراني يمثل ما يوصف بـ “الاستنزاف البيني”، حيث استثمرت طهران في صراعات الهوية لتمزيق النسيج المجتمعي العربي، مما خلق حالة من “السيولة الأمنية” التي استفادت منها إسرائيل لتكريس تفوقها النوعي.
إن القراءة المتأنية للتاريخ القريب تكشف عن “تخادم وظيفي” غير مباشر؛ فإيران التي تدعي حماية المنطقة هي ذاتها التي شاركت في تفكيك الدولة العراقية وتسريح جيشها الذي كان يمثل حجر زاوية في التوازن الاستراتيجي، وهي التي حولت سوريا إلى ساحة مستباحة وهجرت نصف شعبها، وهي التي تواصل استنزاف دول الخليج عبر دفعها اضطرارًا نحو علاقة غير متوازنة مع واشنطن في اطار صراعها ومساوماتها مع امريكا .
ومن الناحية السوسيولوجية، فإن الركون لأسطورة “إيران الحامية” يعكس حالة من “الاستلاب السياسي” لدى بعض النخب، حيث يتم تناسي أن المشروع الإيراني، منذ حقبة الخميني، وضع العداء للمحيط الإسلامي والعربي في مرتبة تسبق العداء لإسرائيل في أولويات العقيدة السياسية، وهو ما يؤكده المحلل الاستراتيجي أنتوني كوردسمان في أبحاثه حول “توازن القوى في الخليج”، مشيراً إلى أن السلوك الإيراني يهدف لزعزعة استقرار “الدولة الوطنية” كشرط أساسي لفرض الهيمنة.
فكيف لكيان يغرق المنطقة بالمخدرات والميليشيات ويدعم الحركات الانفصالية في تركيا ويحاول زعزعة النظم القائمة في العديد من الدول العربية ، أن يكون هو السد المنيع؟
إن الحقيقة الجيوسياسية المرة هي أن إيران هي نقطة الضعف الأساسية التي استنزفت صلابة المنطقة، وأن استعادة التوازن الإقليمي تبدأ بإنهاء ظاهرة “اللادولة” التي صدرتها طهران، لا بالتمسك بأوهام سينمائية تدعي أن حامي الديار هو نفسه من أحرق أسوارها؛ فالقوة الحقيقية تكمن في استرداد فكرة “الدولة المركزية” القادرة على حماية حدودها وسيادتها بعيداً عن الوصاية الأيديولوجية أو الميليشياوية التي لم تجلب للمنطقة سوى التشرذم والارتهان للخارج.
التعليقات