انخراط اليمن في الحرب.. تهديد مباشر للتوازنات الاستراتيجية في الخليج والشرق الأوسط

8 مارس 2026

سعيد الزياني ـ دين بريس
يمكن القول إن ترقب دخول اليمن في الحرب يتجاوز في دلالته مسألة انضمام جبهة جديدة إلى الصراع، لأنه يطرح اختبارا حقيقيا لطبيعة التوازنات الإقليمية الراهنة:

هل ما يزال اليمن ملفا داخليا مؤجل الحسم، أم أنه أعيد تموضعه ضمن هندسة الردع الإيرانية بوصفه منصة إسناد استراتيجية فاعلة في المجال الممتد من الخليج إلى شرق المتوسط؟

تميل المؤشرات الحديثة إلى ترجيح الاحتمال الثاني بدرجة معينة، غير أن هذا الترجيح يظل مشروطا بفارق تحليلي أساسي، يتمثل في أن الحوثيين يتحركون باعتبارهم فاعلا مسلحا يمتلك قدرا من الاستقلال في القرار، ويعيد ضبط سلوكه وفق معادلة توازن بين مكاسب الانخراط الإقليمي وكلفة الاستنزاف العسكري والسياسي داخليا وخارجيا.

ويظهر أن الحوثيين، إلى حدود الساعة، على الرغم من تلويحهم سابقا باستئناف العمليات في حال اندلاع حرب أمريكية أو إسرائيلية على إيران، لم ينتقلوا بعد إلى الفعل العسكري المباشر، بل يواصلون اعتماد مقاربة قوامها “الصبر الاستراتيجي” وتأجيل الانخراط المباشر في الحرب.

ويفرض هذا السلوك تبني قراءة استراتيجية تتجاوز التفسير الانفعالي الذي يختزل التأخر في الانخراط في معنى العجز أو التراجع، ذلك أن الأدبيات الاستراتيجية المتعلقة بالفاعلين من دون دولة تفيد بأن الامتناع المؤقت عن استخدام القوة لا يشكل بالضرورة مؤشرا على الضعف، بل قد يعكس سلوكا عقلانيا يندرج ضمن إدارة التوقيت، والتحكم في إيقاع التصعيد، وتوزيع الضغط على الخصم وفق حسابات المردودية والكلفة.

وهذا هو المعنى الذي تميل إليه التحليلات الحديثة، ذلك أن الحوثيين يدركون أن قيمتهم الاستراتيجية لا تكمن في فتح جبهة تقليدية واسعة داخل اليمن، وإنما في امتلاكهم قدرة ردعية غير متماثلة عبر البحر الأحمر، فموقعهم الجغرافي المتحكم في باب المندب، مقرونا بسجلهم السابق في استهداف الملاحة، وبقدرتهم على تشغيل الصواريخ والطائرات المسيرة، يتيح لهم أداة تأثير تفوق بكثير وزنهم الاقتصادي والديمغرافي، وتمنحهم قابلية لإرباك حسابات خصومهم إقليميا ودوليا.

ولهذا يمكن الذهاب إلى أن أحد أبرز الارتدادات الإقليمية المرجحة للحرب على إيران يتمثل في احتمال استئناف الحوثيين هجماتهم على الملاحة التجارية في البحر الأحمر، ما داموا لا يزالون يحتفظون بقدرات تمكنهم من استهداف السفن التجارية والأصول العسكرية على حد سواء.

ومن هذه الزاوية تحديدا يتكشف البعد الاستراتيجي الأشد خطورة، ذلك أن دلالة دخول اليمن في الحرب تكمن أساسا في ما قد يفضي إليه من ضغط جيو ـ اقتصادي واسع، فالتزامن بين التوتر في باب المندب والاضطراب في هرمز يعني أيضا إعادة رسم بنية المخاطر التي تؤطر حركة التجارة الدولية، وتدفقات الطاقة، وكلفة التأمين، وشبكات النقل البحري.

وأظهرت تقارير حديثة أن الحرب حول إيران عطلت حركة السفن والطائرات، ورفعت تكاليف الشحن، وألحقت أضرارا تتجاوز النفط والغاز إلى سلاسل الإمداد والأسعار العالمية، بينما أكد محللون أن مجرد احتمال تجدد الهجمات الحوثية في البحر الأحمر كاف لتأخير عودة شركات الشحن إلى مسار السويس.

ويفيد ذلك بأن اليمن، في حال دخوله الحرب، لن يؤدي دور الحاسم العسكري بقدر ما سيؤدي دور مضاعف “الكلفة الاستراتيجية”، وتكتسي هذه الفكرة أهمية مركزية في التحليل، لأن الجماعات المسلحة غير المتكافئة لا تحتاج إلى امتلاك قدرة الحسم الميداني حتى تنتج أثرا استراتيجيا، بل يكفيها أن تستنزف خصومها عبر رفع كلفة الانخراط، وحمل الفاعلين الدوليين والاقتصاديين على إعادة تقدير المخاطر وتعديل السلوك.

وقد أبرزت تحليلات حديثة أن شركات التأمين البحري ألغت أو شددت تغطية مخاطر الحرب في الخليج والمياه المجاورة مع اتساع النزاع، وأن مئات السفن علقت أو أعادت التمركز، وهو ما يكشف كيف يمكن لتهديد بحري محدود نسبيا أن يولد نتائج اقتصادية عالمية غير متناسبة مع حجم القوة المستخدمة.

غير أن هذا المنطق لا يعني أن قرار الحوثيين بالانخراط في الحرب قرار يسير أو يتم بصورة تلقائية، فالجماعة تدرك أن الانتقال من مستوى التهديد إلى مستوى الفعل قد يفتح عليها موجة أشد من الضربات الأمريكية والإسرائيلية، وقد يبدد أيضا ما راكمته من مكاسب سياسية داخل اليمن خلال المرحلة الماضية.

ويزداد هذا التقدير تعقيدا في ظل هشاشة الوضع الداخلي، واحتمال عودة المواجهة مع الحكومة المعترف بها دوليا، في سياق ما تزال تطبعه التوترات الجنوبية والانقسامات المستمرة، ولذلك فإن أي انخراط حوثي واسع في الحرب الإقليمية قد يعيد تدويل الساحة اليمنية، ويقوض ما تبقى من فرص التهدئة القائمة.

وهذا ما يجعل فرضية “التصعيد المقنن” أرجح من فرضية “الانخراط الشامل”، فحتى الآن، لم يقدم الحوثيون على تنفيذ هجمات انتقامية ضد الولايات المتحدة أو إسرائيل، رغم حدة مواقفهم المعلنة وكثافة خطابهم التصعيدي، وهو ما يمنح هذا الغياب دلالة لافتة في الحساب الاستراتيجي للجماعة.

وبعبارة أخرى، يبدو أن الحوثيين يسعون إلى الإبقاء على التهديد كأداة ضغط استراتيجية قائمة بذاتها، من دون التسرع في تحويله إلى فعل ميداني قبل اللحظة التي يقدرون أن كلفته أصبحت مبررة، وهي اللحظة التي يغدو فيها وجود إيران نفسه عرضة لتهديد مباشر.

وإذا انتقلنا إلى زاوية ميزان القوى الإقليمي، فإن دخول اليمن في الحرب سيعيد، على الفور، تعريف معادلة أمن الخليج، وبالخصوص وانه سبق للسعودية أن وجهت إلى إيران تحذيرا من استهداف أراضيها أو بنيتها التحتية الحيوية، ولوحت بإمكان الرد إذا استمرت الهجمات، وذلك في لحظة إقليمية شديدة الحساسية تتداخل فيها المواجهة المباشرة مع أنماط الحرب بالوكالة.

ومن الناحية الاستراتيجية، فإن أي تهديد صادر من اليمن من شأنه أن يضاعف مستوى القلق في الخليج، لأن باب المندب يشكل جزء من البنية الجيوستراتيجية التي تكمل هرمز أو توفر له بديلا نسبيا في تأمين تدفقات التجارة والطاقة، وإذا وضع المضيقان معا تحت الضغط، فإن هامش المناورة أمام دول الخليج يضيق، وتتزايد حاجتها إلى مظلات الحماية الدولية، كما ترتفع الكلفة السياسية والاستراتيجية لأي تموضع حيادي.

أما على المستوى العملياتي، فإن مكمن الخطورة في قدرات الحوثيين لا يرتبط فقط بحجم ترسانتهم، بل بالكيفية التي يوظفون بها هذه القدرات، فقد راكموا خلال السنوات الماضية خبرة معتبرة في استنزاف المجال البحري، وفي استخدام المسيرات والصواريخ بوصفها أدوات لإرباك الخصم وتعطيل حساباته نفسيا واقتصاديا.

ولهذا شددت بعض التقارير (Sana’a Center) على أن الجماعة “في وضع جيد للمساعدة إذا اختارت ذلك”، مستندة إلى سجلها السابق في الهجمات المنسقة على الشحن التجاري وقدرتها على الوصول إلى إسرائيل بطائرات مسيرة وصواريخ، ومعنى ذلك أن فاعلية الحوثيين تتجلى في قدرتهم على إنتاج انطباع دائم بانعدام الأمان في الممرات البحرية.

وتأسيسا على ما سبق، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

أولا: سيناريو الضغط الرمزي، وفيه يكتفي الحوثيون بخطاب تصعيدي وعمليات محدودة قابلة للاحتواء، هدفها تثبيت الحضور السياسي من دون استدعاء رد شامل.

ثانيا: سيناريو الاختناق البحري، وهو الأكثر خطورة والأرجح استراتيجيا، حيث تستأنف الهجمات على السفن أو تكثف التهديدات البحرية بما يرفع التأمين ويعطل العبور ويجعل اليمن عنصرا مباشرا في الاقتصاد الحربي العالمي.

ثالثا: يتمثل السيناريو الأشد تصعيدا في انخراط الحوثيين في مشاركة مكثفة داخل الحرب، عبر المساهمة في إشعال جبهة الخليج، سواء من خلال مهاجمة السعودية أو تهديد أهداف خليجية أخرى، بالتوازي مع اضطلاع إيران بالقصف الصاروخي المباشر، وتنبع خطورة هذا السيناريو من كونه يدفع الصراع إلى مستوى أعلى من التدويل والاضطراب، ويجعل أمن الخليج والمنطقة ككل عرضة لهزة استراتيجية واسعة.

تميل المؤشرات الراهنة إلى ترجيح السيناريو الثاني بوصفه الأكثر احتمالا، في حال قررت الجماعة تجاوز خطاب الردع اللفظي والانتقال إلى ممارسة فعلية على الأرض.

لذلك لا يبدو السؤال الأدق هو: هل سيدخل اليمن الحرب؟ وإنما: ما مستوى الانخراط الذي قد يذهب إليه الحوثيون، وفي أي توقيت سيختارونه، وكيف سيوازنون بين ما قد يحققونه من مكسب إقليمي وما قد يتكبدونه من خسارة محلية.

وحتى الآن، يبدو أن الجماعة حريصة على إبقاء هذه الورقة في حالة كمون ضاغط لأطول مدى ممكن، لأن وزنها الاستراتيجي يتعاظم وهي ما تزال احتمالا قائما، أكثر مما يتعاظم إذا دفعت مبكرا إلى ساحة الفعل واستهلكت.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

حين تتحول الحرب إلى “نبوءة”..

عمر العمري تشير الشكاوى المتداولة من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، بشأن تبرير الحرب على إيران بخطاب ديني يستحضر النصوص المقدسة، إلى منزلق بالغ الخطورة يتمثل في تحويل الحرب من قرار سياسي خاضع للحساب والمساءلة إلى مهمة مقدسة محصنة ضد النقد. وأوردت إحدى هذه الشكاوى المنشورة أن قائدا عسكريا افتتح إحاطة خاصة بالجاهزية القتالية بحث عناصر […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...