النسق العقدي الأشعري وحضوره في الحوار الديني بين ضفتي المتوسط
د. حمزة مولخنيف
ليس الحديث عن النسق العقدي الأشعري مجرد استعادة لتاريخ فرقة كلامية في سياق سجالات القرون الوسطى، ولا هو مجرد تنقيب في بنية مذهبية انغلقت على نفسها داخل حدود الجغرافيا الإسلامية، وإنما هو نظرٌ في أحد أكثر الأنساق العقدية الإسلامية قدرةً على التشكل التاريخي، وعلى التوسط بين مقتضيات النقل وأحكام العقل، وعلى بناء لغة مشتركة يمكن أن تُستثمر في فضاء الحوار الديني بين ضفتي المتوسط؛ ذلك الفضاء الذي ظلّ منذ العصور الوسطى إلى اليوم، مسرحا للتجاور والتجاذب وللتنافر والتلاقح بين الإسلام والمسيحية واليهودية، في سياقات سياسية وثقافية متغيرة.
لقد نشأ المذهب الأشعري في لحظة مفصلية من تاريخ الفكر الإسلامي، لحظة احتدام الصراع بين النزعة العقلية المعتزلية وبين الاتجاه النصي الذي مثّله أهل الحديث، فكان ظهوره – كما يقول أبو الحسن الأشعري – خروجا من ضيق الاعتزال إلى سعة “أهل السنة والجماعة”، لا بمعنى الانكفاء على ظاهر النص، بل بمعنى إعادة تأسيس علم الكلام على قاعدةٍ جديدة تُزاوج بين البرهان والبيان. وقد نقل عنه ابن عساكر قوله: “أقول بما يقول به أهل الحديث”، غير أنّ هذا القول لم يكن إلغاءً للجدل العقلي، بل إعادة توجيه له، بحيث يُستثمر العقل في خدمة النص لا في محاكمته.
وقد وصف البيهقي الأشعري بأنه “نصر السنة بالحجة والبرهان”، وهي عبارة تُلخّص طبيعة التحول الذي أحدثه هذا النسق؛ إذ لم يعد الدفاع عن العقيدة قائما على التوقيف المجرد، بل على إقامة الدليل العقلي الذي يُقنع المخالف ويُحاور الخصم بلغته. ومن هنا كانت الأشعرية في بنيتها العميقة استعدادا للحوار لأنها لم تُلغِ العقل ولم تُسلّمه سلطانا مطلقا، بل جعلته آلةً لضبط الفهم، وحدّدت له مجاله ووظيفته.
وإذا كان المتوسط منذ القرن الثالث الهجري فضاءً للتفاعل بين عوالم متعددة، فإن النسق الأشعري تخلّق في هذا المناخ المركب، ثم امتدّ من بغداد إلى الشام ومصر والمغرب والأندلس، ليصبح كما قال تاج الدين السبكي، “عقيدة السواد الأعظم من الأمة”. وقد بالغ السبكي في الدفاع عن هذا النسق حتى جعل مخالفيه قلّةً لا يُعتدّ بها، غير أن الأهم من ذلك هو إدراكه لوظيفته الجامعة، إذ رأى في الأشعرية إطارا يُمكن أن تنتظم فيه المدارس الفقهية المختلفة، وأن تُصاغ ضمنه لغة عقدية مشتركة تتجاوز الخصوصيات المذهبية.
إن حضور الأشعرية في المغرب والأندلس – وهما ضفّة المتوسط الإسلامية الغربية – كان حضورا كثيفا ومؤسسا. فقد تبنّتها دول ورعتها مؤسسات علمية، وصاغ بها فقهاء ومتكلمون تصوراتهم للعالم والإنسان والإله. ويكفي أن نستحضر قول ابن خلدون في “المقدمة” حين اعتبر أن علم الكلام الأشعري هو “المعتبر عند أهل السنة”، وأنه “صار علما يُدرّس في الأمصار”، ليُدرك المرء أن الأمر لم يكن مجرد رأي عقدي، بل نسقا مؤسساتيا متجذرا في بنية التعليم والقضاء والإفتاء.
ولم يكن هذا الحضور منغلقا على ذاته، بل كان منخرطا في جدلٍ عابرٍ للمتوسط. ففي الأندلس حيث احتك المسلمون بالمسيحيين واليهود، ظهرت الحاجة إلى لغة كلامية قادرة على مجادلة الخصم لا بلغة السيف بل بلغة البرهان. وقد كان للمتكلمين الأشاعرة دورٌ في هذا السياق، سواء في الدفاع عن عقيدة التوحيد في مواجهة التثليث، أو في مناقشة قضايا الصفات الإلهية، أو في الرد على الشبهات الفلسفية.
إن النسق الأشعري في بنيته النظرية، يقوم على جملة من المبادئ التي تجعل منه مؤهلاً للحوار. فهو يُقرّ بوجود حقائق عقلية أولى، ويجعل من النظر العقلي طريقا إلى معرفة وجود الله، كما صرّح بذلك الأشعري نفسه في “اللمع”، ويُقرّ بإمكان الاستدلال على الصانع بحدوث العالم، وهو ما طوّره لاحقا أبو المعالي الجويني وأبو حامد الغزالي، حتى صار البرهان الكلامي على الحدوث أحد أعمدة الجدل الإسلامي المسيحي في العصور الوسطى.
وقد كتب الغزالي في “إلجام العوام عن علم الكلام” أن الكلام “صناعةٌ لحفظ عقيدة أهل السنة”، غير أنه في “الاقتصاد في الاعتقاد” مارس هذا الكلام بأقصى درجاته، مستثمرا المنطق الأرسطي في بناء الحجج. ومن هنا فإن الأشعرية لم تكن قطيعةً مع الفلسفة، بل إعادة توظيف لها في أفقٍ عقدي. وهذا التداخل بين الكلام والفلسفة هو الذي سمح لاحقا بفتح قنوات حوارٍ مع مفكري الضفة الشمالية من المتوسط، حيث كانت الفلسفة اليونانية قد أُعيد إحياؤها في سياق لاهوتي مسيحي.
لقد أدرك بعض المؤرخين الغربيين مثل مونتغمري وات، أن الأشعرية مثّلت “التيار السني الوسطي” الذي نجح في التوفيق بين العقل والنقل، وأنها أسهمت في استقرار الحياة الدينية والسياسية في العالم الإسلامي. وعلى الرغم من أن هذا التوصيف قد يحمل بعض التبسيط، إلا أنه يُبرز حقيقةً تاريخية مفادها أن الأشعرية لم تكن مجرد ردّ فعل على الاعتزال، بل كانت تأسيسا لنسقٍ مستقرّ قابلٍ للاستمرار.
وإذا انتقلنا إلى البنية المفهومية لهذا النسق، وجدنا أن مفهوم “الكسب” مثلا كما صاغه الأشعري، قدّم صيغةً وسطى بين الجبر والاختيار، صيغةً تُقرّ بخلق الله لأفعال العباد، مع إثبات قدرةٍ للعبد بها يتوجه الفعل إليه. وقد اعتبر الغزالي أن هذا المفهوم “أدقّ مسالك أهل السنة”، لأنه يحفظ التوحيد من جهة، ويصون المسؤولية الأخلاقية من جهة أخرى. وهذه الثنائية – التوحيد والمسؤولية – تمثل نقطة تماس مع النقاشات اللاهوتية المسيحية حول النعمة والحرية، وهي نقاشات كانت حاضرة بقوة في الفكر اللاتيني الوسيط.
إن الحوار الديني بين ضفتي المتوسط لم يكن دائما حوارا مباشرا، بل كان كثيرا ما يتمّ عبر وسائط معرفية؛ عبر ترجمة كتب، أو عبر احتكاكٍ في المدن المختلطة، أو عبر مناظرات رسمية وغير رسمية. وهنا، كان للغة الكلام الأشعري قدرة على تقديم الإسلام في صورةٍ عقلية برهانية، لا في صورةٍ وعظية خطابية فحسب. وقد أشار محمد عابد الجابري إلى أن علم الكلام في تطوره الأشعري مثّل “العقل المستقيل” حين انغلق على نفسه، غير أن هذا الحكم – على شدته – لا يُلغي أن هذا العقل كان في لحظاتٍ معينة عقلا مُحاورا ومجادلا.
وفي الضفة الجنوبية للمتوسط ولا سيما في المغرب، تبلور نموذجٌ خاص من الأشعرية، امتزج فيه الكلام بالتصوف والفقه المالكي، فصار النسق العقدي جزءا من هويةٍ دينية مركبة. وقد كان لهذا النموذج دورٌ في تشكيل خطابٍ ديني معتدل، استطاع في عصور مختلفة أن يُدير علاقةً متوازنة مع الآخر الديني. ويكفي أن نستحضر تجربة الأندلس في فتراتٍ من تاريخها، حيث عاش المسلمون والمسيحيون واليهود في فضاءٍ واحد، رغم ما شابه من توترات، لندرك أن النسق العقدي لم يكن عائقا بالضرورة أمام التعايش.
إن الأشعرية بما هي نسق تُميّز بين “القطعي” و”الظني”، بين ما هو من صلب العقيدة وما هو من فروعها، وهذه التفرقة تفتح أفقا للحوار، لأنها تُتيح إمكانية الاتفاق في بعض المساحات، دون التنازل عن الأصول. وقد قرر الجويني أن مسائل الصفات، وإن كانت من أصول الاعتقاد، فإن الخلاف في تفاصيلها لا يُخرج من الملة، وهو موقفٌ يدلّ على إدراكٍ نسبي لطبيعة الاجتهاد العقدي.
ولا يمكن فهم حضور الأشعرية في الحوار المتوسطي دون استحضار التحولات الحديثة، حيث أعيد إحياء هذا النسق في سياقاتٍ جديدة. ففي مواجهة الحداثة الغربية، وجد بعض المفكرين المسلمين في الأشعرية إطارا يُمكن أن يُعاد بناؤه لتمكين خطابٍ ديني عقلاني غير صدامي. وقد رأى بعضهم أن إعادة قراءة الغزالي والجويني والرازي تُتيح إمكاناتٍ لتطوير لاهوتٍ إسلامي معاصر قادرٍ على محاورة اللاهوت المسيحي والفلسفة الحديثة.
إن النسق العقدي الأشعري في عمقه ليس مجرد جملة من القضايا الكلامية، بل هو رؤيةٌ للعالم، تُؤكد تنزيه الله وتُثبت صفاته بلا تشبيه، وتُقرّ بحدود العقل وتُعلي من شأن الوحي، دون أن تُقصي النظر. وهذه الرؤية حين تُستثمر في سياق الحوار، تُقدّم نموذجا للاعتدال المعرفي؛ إذ لا تُطلق العقل بلا قيد، ولا تُغلقه بإحكام.
ولعلّ ما قاله فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير يُعبّر عن روح هذا النسق، حين قرر أن “الدليل العقلي الصحيح لا يُعارض النقل الصريح”، وأن التعارض إنما ينشأ من سوء الفهم. وهذه القاعدة يمكن أن تُمدّ إلى مجال الحوار الديني، حيث كثيرا ما ينشأ النزاع من سوء الفهم المتبادل، لا من استحالة التلاقي.
إن ضفتي المتوسط اليوم في حاجةٍ إلى خطابٍ ديني قادرٍ على الجمع بين الهوية والانفتاح، بين الثبات والمتجدد وبين الخصوصية والكونية. والنسق الأشعري بما يحمله من تراثٍ طويل في الجدل والحوار وبما يتضمنه من أدواتٍ عقلية، يمكن أن يكون أحد الموارد التي يُعاد تفعيلها في هذا السياق، لا بوصفه ماضياً يُستنسخ، بل بوصفه طاقةً فكرية قابلة لإعادة التأويل.
غير أن هذا التفعيل يقتضي قراءةً نقدية للتراث الأشعري نفسه، تُميز بين ما هو تاريخي ظرفي، وما هو مبدئي قابل للاستمرار. فالنسق الذي نشأ في سياق صراعٍ داخلي بين مدارس إسلامية، يمكن أن يُعاد توجيهه اليوم نحو أفقٍ حواري أوسع، حيث لا يكون الهدف إقصاء الخصم، بل بناء أرضية تفاهم.
إن الحديث عن النسق العقدي الأشعري وحضوره في الحوار الديني بين ضفتي المتوسط، هو حديث عن إمكانٍ تاريخي ومعرفي، عن قدرة تراثٍ كلامي على أن يُسهم في صياغة لغةٍ مشتركة، تُدرك الاختلاف دون أن تُلغيه، وتبحث عن الحقيقة دون ادعاء احتكارها، وتستند إلى يقينٍ إيماني دون أن تتنكر لمقتضيات العقل. وعند هذا الحدّ، يتكشف الأشعري لا بوصفه اسما في كتب الفرق، بل بوصفه رمزًا لمسارٍ طويل من الاجتهاد العقدي، ما يزال مفتوحا على إمكاناتٍ جديدة في زمنٍ تتقاطع فيه طرق المتوسط من جديد.
إذا كان النسق الأشعري قد تبلور في سياقٍ داخلي إسلامي، فإن مساره التاريخي سرعان ما تجاوزه إلى فضاءٍ أوسع، حيث أصبح جزءا من معادلة حضارية تتقاطع فيها المرجعيات اللاهوتية والفلسفية بين الضفتين. ولم يكن هذا العبور مجرد انتقال جغرافي، بل كان تحوّلا في وظيفة الخطاب العقدي نفسه؛ إذ لم يعد الكلام دفاعا عن عقيدةٍ في مواجهة خصمٍ داخلي فحسب، بل صار لغةً لعرض الإسلام في سياقٍ تتعدد فيه أنظمة الحقيقة.
لقد مثّلت الأندلس بما كانت عليه من تداخلٍ ديني وثقافي، مختبرا حيا لهذا التحول. ففي مدنها الكبرى، من قرطبة إلى طليطلة، لم يكن الجدل بين المسلمين والمسيحيين واليهود شأنا نظريا معزولا، بل كان جزءا من الحياة العامة. وقد احتاج هذا الواقع إلى نسقٍ عقدي قادرٍ على تقديم تصورٍ متماسك عن التوحيد والنبوة والمعاد، دون الوقوع في التبسيط الخطابي. وهنا برزت قيمة الكلام الأشعري بما هو جهاز مفاهيمي منظم، يُحسن التمييز بين الجوهر والعرض، وبين القديم والحادث وبين الواجب والممكن، وهي مفاهيم كانت أيضا حاضرة في اللاهوت المسيحي الوسيط، وإن بصيغٍ مغايرة.
إن الاشتراك في أدوات المنطق الأرسطي الذي انتقل إلى العالم اللاتيني عبر الترجمات، خلق أرضيةً معرفية مشتركة، حتى وإن اختلفت النتائج العقدية. وقد كان لتوظيف الأشاعرة للبرهان العقلي، كما نجد عند فخر الدين الرازي، أثرٌ في صياغة خطابٍ إسلامي قادرٍ على مخاطبة العقل الفلسفي لا بلغة الوعظ، بل بلغة الحجاج المنظم. ولم يكن الرازي مترددا في الاستفادة من الفلسفة، حتى قال عنه بعض معاصريه إنه “ملأ الدنيا وشغل الناس”، وهو وصف يدل على سعة مشروعه وجدليته.
وفي الضفة الشمالية، كان اللاهوتيون المسيحيون يعيدون بناء منظومتهم العقدية على ضوء الفلسفة اليونانية، كما يظهر عند توما الأكويني، الذي حاول التوفيق بين العقل والإيمان. ورغم الفروق الجوهرية بين النسقين، فإن ثمة تشابها في الرهان، كلاهما سعى إلى تأسيس الإيمان على قاعدة عقلية، دون أن يختزله فيها. وهذا التشابه لا يعني تطابقا، بل يُشير إلى إمكانية حوارٍ يتأسس على وعيٍ مشترك بدور العقل وحدوده.
لقد عُرف عن الأشاعرة تأكيدهم على تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات، مع إثبات الصفات على وجهٍ يليق به. وهذه الصيغة التي حاولت أن تتجنب التشبيه والتعطيل معا، وفّرت أرضيةً للتفكير في مسألة الصفات الإلهية في سياقٍ مقارن. فحين يناقش اللاهوت المسيحي مسألة “الكلمة” أو “اللوغوس”، يمكن للمتكلم الأشعري أن ينطلق من تمييزه بين الذات والصفات، ومن تقريره أن الصفات ليست عين الذات ولا غيرها على نحوٍ يُفضي إلى التركيب. هذا المستوى الدقيق من التحليل المفهومي يُمكّن من تفكيك مواطن الالتباس، حتى وإن ظلّ الخلاف قائما في الجوهر.
وقد أشار ابن خلدون إلى أن علم الكلام لم يكن مطلوبا لذاته، بل بقدر الحاجة إليه لدفع الشبهات. وهذا الوعي الوظيفي يمكن أن يُعاد توجيهه اليوم، بحيث يُفهم الكلام لا كصناعةٍ جدلية لإفحام الخصم، بل كأداةٍ لتوضيح الموقف، وتحرير محل النزاع وإقامة الجسور المفهومية. إن الانتقال من منطق الغلبة إلى منطق البيان هو أحد الشروط الضرورية لتحويل النسق العقدي إلى أداة حوار.
ولم يكن حضور الأشعرية في المجال المتوسطي مقتصرا على الجدل النظري، بل كان له أثرٌ في تشكيل أنماطٍ من التدين العام. ففي المغرب حيث اقترنت الأشعرية بالفقه المالكي والتصوف السني، تشكّل نموذجٌ ديني يميل إلى الوسطية، ويؤكد على الجماعة والانسجام الاجتماعي. وقد رأى بعض الباحثين المعاصرين أن هذا النموذج أسهم في إرساء قدرٍ من الاستقرار الديني، مما جعله قابلا للتفاعل مع السياقات الأوروبية الحديثة دون قطيعةٍ حادة.
إن استحضار تجربة أبي حامد الغزالي في نقد الفلاسفة، لا ينبغي أن يُفهم بوصفه إغلاقا لباب الحوار، بل بوصفه سعيا إلى ضبط حدود العقل الفلسفي حين يتجاوز مجاله. فقد ميّز الغزالي بين ما هو برهاني يقيني وما هو ظني، واعتبر أن تكفير الفلاسفة لا يطال إلا مسائل معدودة. وهذه الروح التمييزية يمكن أن تُستثمر في الحوار الديني، حيث لا يُختزل الآخر في جملةٍ من الأخطاء، بل يُنظر إليه في تعدده وتعقيده.
ومن اللافت أن بعض المفكرين الغربيين المعاصرين عادوا إلى دراسة الأشعرية، ليس بوصفها ظاهرة تاريخية منتهية، بل بوصفها نموذجا لفهم العلاقة بين القدرة الإلهية والنظام الكوني. وقد أثارت نظرية “العادة” عند الأشاعرة اهتماما في سياق النقاشات الفلسفية حول السببية. فالقول بأن العلاقة بين الأسباب والمسببات ليست ضرورية في ذاتها، بل هي اقترانٌ عادي بإرادة الله، يفتح أفقا لتصورٍ مغاير للحتمية الطبيعية. ورغم ما قد يُثار حول هذا التصور من إشكالات، فإنه يُظهر أن النسق الأشعري يملك قدرةً على الدخول في نقاشات فلسفية عابرة للثقافات.
إن الحوار الديني بين ضفتي المتوسط اليوم لا يمكن أن يتجاهل إرث القرون الماضية، بكل ما فيه من صراعٍ وتلاقح. غير أن استدعاء هذا الإرث ينبغي أن يكون استدعاءً نقديا، لا تمجيديا ولا تبخيسيا. فالنسق الأشعري كما أي نسقٍ تاريخي، تشكّل في شروطٍ معينة، وحمل معه آثار تلك الشروط. ومن هنا فإن إعادة تفعيله في السياق المعاصر تقتضي تفكيك بنيته وتمييز مقاصده وإعادة صياغته بلغةٍ تستجيب لتحديات العصر.
لقد كتب محمد عابد الجابري أن تجديد الفكر الديني يقتضي “إعادة بناء العقل العربي” على أسسٍ نقدية. ورغم اختلاف التقييمات لمشروعه، فإن دعوته إلى قراءة التراث قراءةً تاريخية تُسهم في تحريره من الجمود، يمكن أن تُستثمر في قراءة الأشعرية نفسها. فليس المقصود إعادة إنتاج صيغٍ مدرسية، بل استخراج الروح المنهجية التي قامت عليها، روح التوسط والحرص على الجماعة والاعتراف بدور العقل دون إطلاقه.
إن الضفة الشمالية للمتوسط شهدت تحولاتٍ عميقة منذ عصر الأنوار، حيث أعيد تعريف العلاقة بين الدين والعقل والدولة. وقد أدى هذا إلى بروز لاهوتٍ جديد يسعى إلى التوفيق بين الإيمان والحداثة. إن دخول النسق الأشعري في حوارٍ مع هذه التحولات يقتضي وعيا بالفروق السياقية، وبأن مفاهيم مثل “العلمانية” و”الحرية الدينية” لها تاريخٌ خاص. غير أن قدرة الأشعرية على التمييز بين الثابت والمتغير، وبين أصول الاعتقاد ومجالات الاجتهاد، يمكن أن تُوفر أرضيةً للتفاعل الإيجابي.
إن ما يميز النسق الأشعري في سياق الحوار، هو أنه لا يدّعي الإحاطة المطلقة بأسرار الذات الإلهية، بل يُقرّ بوجود “تشابهٍ لفظي” بين صفات الخالق والمخلوق مع اختلاف الحقيقة. وهذا الإقرار بحدود اللغة يمكن أن يُشكّل مدخلا للتواضع المعرفي، وهو شرطٌ أساسي لأي حوارٍ صادق. فحين يُدرك كل طرفٍ أن مفاهيمه عن الله محكومةٌ بحدود اللغة البشرية، يصبح أكثر استعدادا لسماع الآخر.
ولعلّ في قول الرازي إن “العقول قاصرةٌ عن إدراك كنه الذات”، ما يُلخص هذا البعد. إن الاعتراف بقصور العقل لا يعني إلغاؤه، بل وضعه في موضعه الصحيح. وهذا التوازن هو ما يحتاجه الحوار الديني في زمنٍ تتصاعد فيه النزعات الإقصائية، سواء باسم الدين أو باسم العقل.
إن الضفتين الجنوبية والشمالية، تشتركان اليوم في تحدياتٍ مشتركة، العنف باسم الدين، أزمة المعنى، تصاعد الشعبوية، وتفكك الروابط الاجتماعية. وفي مواجهة هذه التحديات، لا يكفي استدعاء الشعارات العامة عن “التعايش”، بل يلزم بناء خطابٍ لاهوتي عميق يُعيد التفكير في علاقة الذات بالآخر، وفي مفهوم الحقيقة ذاته. ويمكن للنسق الأشعري بما يحمله من تاريخٍ طويل في إدارة الخلاف داخل البيت الإسلامي، أن يُسهم في صياغة هذا الخطاب.
لقد تعلّم الأشاعرة عبر قرونٍ من الجدل أن الخلاف لا يعني دائما التكفير، وأن التنوع داخل إطارٍ جامع ممكنٌ بل واقع. وهذه الخبرة التاريخية يمكن أن تُنقل إلى مستوى أوسع، حيث يُفهم الاختلاف الديني بوصفه جزءا من التاريخ الإنساني، لا عارضا ينبغي إزالته. إن تحويل منطق “الفرقة الناجية” إلى وعيٍ أخلاقي بالتعدد، دون التفريط في القناعة الذاتية هو أحد التحديات الكبرى.
ويتضح جليا أن النسق العقدي الأشعري ليس مجرد صفحةٍ في تاريخ الفرق، بل هو تجربةٌ فكرية عميقة، سعت إلى تحقيق توازنٍ دقيق بين العقل والوحي، وبين التنزيه والإثبات، وبين الثبات والحركة. وقد مكّنه هذا التوازن من أن يكون حاضرا بأشكالٍ مختلفة في فضاء الحوار المتوسطي، سواء في العصور الوسطى أو في الأزمنة الحديثة.
إن استعادة هذا النسق اليوم لا تعني تحويله إلى أيديولوجيا رسمية ولا إلى شعارٍ سياسي بل تعني استلهام روحه المنهجية، وإعادة قراءته قراءةً تاريخية نقدية تُحرر إمكاناته الكامنة. فالحوار الديني بين ضفتي المتوسط لن يقوم على المجاملات السطحية، بل على اعترافٍ متبادل بالاختلاف وعلى بحثٍ صادق عن المشترك الإنساني، وعلى استعدادٍ لتصحيح الصور النمطية.
ولئن كان الأشعري قد خرج من عباءة الاعتزال بحثا عن جماعةٍ أوسع، فإن الحاجة اليوم هي إلى خروجٍ من ضيق الانغلاق إلى سعة الإنسانية المشتركة دون ذوبانٍ ولا استلاب. إن النسق الذي وُلد في سياق صراعٍ كلامي، يمكن أن يُعاد توجيهه ليكون أفقا للقاء، إذا ما أُحسن فهمه وتحريره من القراءات الجامدة.
ويظل النسق العقدي الأشعري بما هو بنيةٌ معرفية وروحٌ منهجية، موردا من موارد التفكير في مستقبل العلاقة بين الإسلام وأوروبا، بين الجنوب والشمال وبين الإيمان والعقل. وهو موردٌ لا يُغني عن غيره ولا يحتكر الحقيقة، لكنه يُقدّم مثالا تاريخيا على إمكان التوسط، وعلى أن الدفاع عن العقيدة لا يستلزم إغلاق باب الحوار، بل قد يكون في أسمى صوره دعوةً إلى تعميق الفهم وإلى بناء جسورٍ من العقل والاحترام عبر مياه المتوسط التي حملت عبر قرون صراعا وتبادلا، حربا وسلاما، انغلاقا وانفتاحا، وما تزال تحمل إمكانا جديدا للقاء إن توفرت الإرادة الفكرية والأخلاقية لذلك.
التعليقات