النسق العقدي الأشعري وأثره في علم اللاهوت المسيحي

1 مارس 2026

د. حمزة مولخنيف
يقوم تاريخ الأفكار الدينية على جدلٍ عميق بين الثابت والمتحول، بين النص المؤسس والعقل المؤوِّل، بين مقتضيات الإيمان وضغوط البرهنة. وإذا كان علم الكلام في الحضارة الإسلامية قد نشأ بوصفه استجابةً عقليةً دفاعية لتحديات داخلية وخارجية، فإن النسق العقدي الذي تبلور في مدرسة أبي الحسن الأشعري لم يكن مجرد موقف مذهبي في صراع إسلامي-إسلامي، بل تحول إلى بنية فكرية ذات طاقة مفهومية عابرة للسياقات، أسهمت – مباشرة أو بواسطة – في إعادة تشكيل بعض أسئلة اللاهوت المسيحي في العصور الوسطى، خاصة في الفضاء اللاتيني الذي انفتح على التراث العربي عبر الترجمة والجدل.

إن الأطروحة التي يقوم عليها هذا المقال مؤداها أن الأشعرية بما هي نسق في فهم الصفات الإلهية، ونظرية في الفعل والقدرة وموقف من العقل والنقل، لم تكن مجرد لاهوت دفاعي داخل الإسلام، بل أنتجت مفاهيم ميتافيزيقية ومنطقية تسربت – عبر الوسائط الفلسفية والكلامية – إلى الدوائر اللاهوتية المسيحية، خصوصاً في مرحلة التفاعل اللاتيني مع الفكر العربي في طليطلة وصقلية، حيث جرى نقل نصوص فلسفية وكلامية أثرت في مناخ التفكير اللاهوتي الغربي. وليس المقصود هنا دعوى تأثير خطيّ مباشر بين شخصين أو مدرستين، بل الكشف عن تقاطعات بنيوية في بنية السؤال اللاهوتي، وعن أثر وسائط فكرية مثل أبي حامد الغزالي في إعادة ترتيب العلاقة بين العقل والوحي، وهو ما انعكس صداه في كتابات بعض اللاهوتيين المدرسيين، وفي مقدمتهم توما الأكويني، وإن على نحوٍ نقدي أو تحفّظي.

لقد نشأ النسق الأشعري في سياق صراع حاد مع الاعتزال، الذي رفع من شأن العقل حتى جعله حاكماً على النص في كثير من القضايا. وقد مثّل انتقال أبي الحسن الأشعري من الاعتزال إلى بناء موقف وسطي حدثاً مفصلياً في تاريخ الكلام، إذ أعلن – كما يروي ابن عساكر في “تبيين كذب المفتري” – تبرؤه من مقالات المعتزلة، وتأسيسه لمذهب “أهل السنة والجماعة” في مقابل “أهل البدع”. غير أن هذا التوصيف الجدلي يخفي بنية أكثر تعقيداً، فالأشعرية لم تلغِ العقل، بل أعادت تحديد مجاله ووظيفته، فصار العقل عندها خادماً للوحي لا حاكماً عليه، ومؤيِّداً للنص لا مؤسِّساً له استقلالاً.

وهنا يمكن فهم مركزية مسألة الصفات الإلهية في النسق الأشعري. فالقول بإثبات الصفات مع تنزيه الله عن التشبيه، ورفض التعطيل، قاد إلى صياغة دقيقة لمفهوم “الكلام النفسي”، الذي يميز بين كلام الله القائم بذاته وبين الألفاظ الحادثة الدالة عليه. هذا التمييز – الذي سيتطور لاحقاً عند أبي بكر الباقلاني وإمام الحرمين الجويني – يمثل محاولة لحل معضلة قديمة، كيف يكون الله متكلماً أزلاً دون أن يلزم من ذلك تعدد الحوادث في ذاته؟ إن هذه الإشكالية على اختلاف صياغتها كانت حاضرة بقوة في اللاهوت المسيحي، خصوصاً في الجدل حول طبيعة “الكلمة” (Logos) في الثالوث. وإذا كان السياقان مختلفين من حيث البنية العقدية فإن التشابه في البنية الإشكالية – أي كيفية التوفيق بين الأزلية والتعدد المفهومي – يفتح أفقاً للمقارنة والتأثير غير المباشر. لقد شدّد الأشاعرة على مبدأ التنزيه المطلق، حتى غدا قوله تعالى: «ليس كمثله شيء» أصلا مرجعيا حاكما لكل خطاب في باب الصفات، ومِعيارا ضابطا لما يجوز إطلاقه في حقّ الباري تعالى وما يمتنع.

وفي هذا السياق بلور أبو المعالي الجويني في كتابه الإرشاد تصوّرا كلاميا محكما في نفي الجهة والمكان عن الله، مقرّرا أن من اعتقد أنّ الباري تحويه جهة أو يحدّه مكان فقد وقع في التشبيه، إذ الجهة والمكان من لوازم الأجسام والمحدَثات، والقديم منزّه عن سمات الحدوث وأمارات الإمكان. وهذه النزعة التنزيهيّة الصارمة تتقاطع مع ما عُرف في التراث المسيحي باللاهوت التنزيهي (Apophatic theology)، كما تجلّى عند آباء الكنيسة الشرقيين، ولا سيّما غريغوريوس النزينزي، حيث يُقدَّم الله بوصفه متعاليا عن كل تحديد إيجابيّ يقيّده بمقولات العقل البشري أو بحدود اللغة.

فكما رأى الأشاعرة أنّ إثبات الصفات لا يجوز أن ينتهي إلى تجسيم أو تشبيه، كذلك ذهب أنصار اللاهوت التنزيهي إلى أنّ أصدق ما يقال في الله إنما هو بنفي ما لا يليق به، إذ كل وصف إيجابي يبقى قاصرا عن الإحاطة بسرّ الألوهية. ولا يُعدّ من قبيل المجازفة القول إنّ مناخ الترجمة والحوار والمناظرات التي جرت بين المسلمين والمسيحيين في المشرق والأندلس قد أتاح إمكان تلاقح المفاهيم وتبادل الرؤى حول حدود اللغة في التعبير عن المطلق، وحول الكيفية التي يمكن بها صون التنزيه من الوقوع في التعطيل أو الانزلاق إلى التشبيه، ضمن أفق جدليّ وفلسفيّ مشترك كان السؤال فيه عن الله سؤالا عن إمكان القول ذاته وحدوده. غير أن الأثر الأعمق للنسق الأشعري يتجلى في نظرية الفعل الإلهي والسببية. فالقول بالكسب كما بلوره أبو الحسن الأشعري وطوّره من بعده أبو إسحاق الإسفراييني، يقوم على التمييز بين خلق الله للفعل واكتساب العبد له.

إن هذا التصور يهدف إلى الجمع بين شمول القدرة الإلهية ومسؤولية الإنسان، لكنه يقود أيضاً إلى تصور خاص للسببية الطبيعية، وقد بلغ ذروته في نظرية “العادة” عند أبي حامد الغزالي، حيث يذهب في “تهافت الفلاسفة” إلى أن الاقتران بين الأسباب والمسببات ليس ضرورياً في ذاته، بل هو اقتران عاديّ أجرى الله العادة به. يقول الغزالي: “إن الاقتران بين ما يُعتقد في العادة سبباً وما يُعتقد مسبباً ليس ضرورياً عندنا”، وهو نصّ يكشف عن قطيعة واضحة مع التصور الأرسطي للعلية. هذا الموقف من العلية أثار جدلاً واسعاً في الفلسفة الإسلامية، ووجد صداه في الفكر اللاتيني عبر الترجمات، خاصة مع انتقال مؤلفات ابن رشد التي جاءت ردا على الغزالي في “تهافت التهافت”. لقد كان توما الأكويني مطلعاً على هذا الجدل، وقد دافع في “الخلاصة اللاهوتية” عن واقعية العلية الطبيعية، لكنه في الوقت ذاته أكد أن الله هو العلة الأولى التي لا تنازعها علة. إن المفارقة هنا أن اللاهوت المدرسي وهو يستعيد أرسطو، كان يتحرك في أفق سجال سابق بين الغزالي وابن رشد، أي بين تصور أشعري للسببية وتصور فلسفي عقلاني لها.

إن اللاهوت المسيحي لم يتلقَّ الأشعرية مباشرة، بل عبر وسيط فلسفي نقدي، غير أن حضور الإشكال ذاته – أي حدود الضرورة الطبيعية أمام القدرة الإلهية – يكشف عن أثر غير مباشر للنسق الأشعري في إعادة طرح السؤال.

لقد أشار بعض المؤرخين الغربيين مثل إتيان جيلسون، إلى أن الفكر المدرسي اللاتيني لم يتطور في عزلة، بل في حوار دائم مع الفلسفة العربية. ويرى جيلسون أن “العصور الوسطى اللاتينية مدينة للعرب بوساطة نقل أرسطو، وبإثارة مشكلات لم تكن مطروحة بالحدة نفسها قبل ذلك”. وإذا أضفنا إلى هذا أن كثيراً من اللاهوتيين المسيحيين في الأندلس والمشرق عاشوا في بيئة إسلامية، فإن إمكان التأثر بالجدل الكلامي ومنه الأشعري يصبح أقرب إلى المعقول.

إن البنية المنهجية للأشعرية – القائمة على استخدام الأدلة العقلية في نصرة العقيدة، مع إبقاء المرجعية النهائية للنص – قد وجدت نظيراً لها في المنهج المدرسي، حيث يجري عرض المسألة وذكر الاعتراضات ثم الجواب عنها في ضوء السلطة النصية (الكتاب المقدس وأقوال الآباء) مع الاستعانة بالتحليل العقلي. صحيح أن هذا المنهج تطور في سياق لاتيني خاص، لكنه يلتقي مع طريقة المتكلمين في بناء الحجاج. وقد لاحظ بعض الباحثين المعاصرين أن تقنية “السؤال والجواب” في المدارس اللاهوتية تشبه إلى حد بعيد بنية المناظرات الكلامية.

ومما يعزز فرضية التأثير غير المباشر أن الأشعرية بخلاف الاعتزال، لم تنظر إلى العقل بوصفه مصدراً مستقلاً للمعرفة الأخلاقية، بل رأت أن الحسن والقبح شرعيان، أي يتوقفان على الأمر والنهي الإلهيين. هذا التصور الذي صاغه بوضوح أبو بكر الباقلاني، يجد صداه في بعض تيارات اللاهوت المسيحي التي تؤكد أولوية الإرادة الإلهية في تأسيس القيم، وهو ما سيظهر لاحقاً في النزعة الإرادوية عند بعض المدرسيين المتأخرين. وليس المقصود هنا التطابق بل التقاطع في أفق السؤال: هل الخير خير بذاته أم بإرادة الله؟ إن هذا السؤال الذي شغل أفلاطون في محاورة “أوثيفرون”، عاد بقوة في العصور الوسطى الإسلامية والمسيحية معاً، وكان للنسق الأشعري دور بارز في بلورته داخل الإسلام، ومن ثم في نقله إلى دائرة الجدل الأوسع.

لقد كان لأبي حامد الغزالي شخصية مفصلية في هذا المسار؛ إذ جمع بين التكوين الأشعري العميق والانفتاح على الفلسفة ثم نقدها من داخلها. وقد اعترف غير واحد من الباحثين الغربيين مثل مونتغمري وات، بأن الغزالي كان من أكثر المفكرين المسلمين تأثيراً في الغرب اللاتيني، سواء عبر ترجمات جزئية لأعماله أو عبر الردود عليه. ومن خلاله تسربت عناصر من النسق الأشعري إلى النقاشات اللاهوتية حول المعجزة والقدرة الإلهية المطلقة وحدود العقل الطبيعي.

إن القول بأثر الأشعرية في اللاهوت المسيحي لا يعني بحالٍ إلغاء الفروق الجوهرية بين النسقين؛ فالثالوث والتجسد والخطيئة الأصلية، مفاهيم لا نظير لها في علم الكلام الإسلامي. غير أن الاشتراك في الهمّ الدفاعي وفي محاولة عقلنة الإيمان دون إخضاعه للعقل إخضاعاً كاملاً، أوجد أرضية مشتركة للحوار والتأثر. وقد كتب ابن خلدون في مقدمته أن علم الكلام “علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية”، وهو تعريف يمكن أن ينطبق – مع اختلاف المضامين – على اللاهوت المدرسي المسيحي. ومن هنا فإن دراسة النسق الأشعري لا تقتصر على تاريخه الداخلي، بل تمتد إلى أثره في الفضاء المتوسطي الذي كان مسرحاً لتفاعل حضاري عميق.

لقد كان القرن الثاني عشر الميلادي لحظة مفصلية في تاريخ الفكر الأوروبي، حيث نشطت حركة الترجمة في طليطلة وباليرمو، وانتقلت إلى اللاتينية نصوص فلسفية وعلمية وكلامية عربية. وقد كان لبيت الترجمة الذي نشأ بعد استرداد المدينة سنة 1085م دورٌ حاسم في نقل مؤلفات ابن سينا وابن رشد، كما انتقلت – وإن بصورة أقل – نصوص ذات طابع كلامي، سواء عبر الاقتباس أو التضمين في الردود الفلسفية. ويكفي أن نعلم أن بعض مؤلفات أبي حامد الغزالي عُرفت في الغرب اللاتيني تحت اسم “Algazel”، وأن خلاصات من آرائه في السببية والإرادة الإلهية كانت متداولة في الأوساط المدرسية.

لقد نبّه إتيان جيلسون إلى أن “المدرسية اللاتينية لم تولد في عزلة، بل في احتكاك حيّ مع الفلسفة العربية”، وهو احتكاك لم يقتصر على استعادة أرسطو، بل شمل أيضاً الجدل الدائر حوله في البيئة الإسلامية. إن اللاهوت المسيحي لم يقرأ الأشعرية بوصفها مذهباً إسلامياً خالصاً، بل بوصفها طرفاً في سجال أوسع حول العقل والضرورة والقدرة الإلهية. لقد كان الجدل بين الغزالي وابن رشد جزءاً من المناخ الفكري الذي استقبله الغرب، ولذلك فإن أثر النسق الأشعري في اللاهوت المسيحي غالباً ما جاء عبر “مرآة” رشدية أو سيناوية.

غير أن الاقتصار على الوسيط الفلسفي يحجب جانباً آخر من المسألة، وهو الحوار المباشر بين المسلمين والمسيحيين في المشرق والأندلس. فقد كان اللاهوتيون الشرقيون يعيشون في فضاء إسلامي، ويتقاسمون مع المتكلمين كثيراً من أدوات الجدل والمناظرة. وتشهد كتابات بعض اللاهوتيين السريان والملكيين على تأثرهم ببنية الحجاج الكلامي، سواء في ترتيب المسائل أو في استعمال الأدلة العقلية. إن مفهوم “الدفاع عن الإيمان بالعقل” لم يكن غريباً عن المسيحية، لكنه اكتسب في البيئة الإسلامية طابعاً جدلياً صارماً، فرضته المناظرات مع المعتزلة والفلاسفة، ثم مع اليهود والنصارى أنفسهم.

في هذا المنحى، تبرز مسألة القدرة الإلهية بوصفها أحد المحاور المركزية في البناء الأشعري. فقد قرّر الأشاعرة أنّ الله تعالى قادر على كل ممكن، وأنه لا يجب عليه شيء عقلاً، إذ الوجوب إنما يتصوّر في دائرة الممكنات التي تعتريها الضرورة أو الحاجة، أما الحقّ سبحانه ففعله مندرج تحت مشيئته النافذة وإرادته القديمة، لا تحت إلزام عقلي سابق عليها. ومن ثمّ أكّدوا أن أفعاله لا تُعلَّل بغرضٍ يفرض عليها من خارج، ولا تُقاس بمعايير تحكّمها طبائع الأشياء أو مقتضياتها الذاتية.

ويعبّر أبو بكر الباقلاني عن هذا المعنى بقوله إن الله “لا يجب عليه شيء عقلاً، بل كل ما يفعله فهو عدلٌ منه”، وهو تقرير يؤسس لأولوية المشيئة الإلهية على ما يتصوّره العقل من معقولياتٍ مستندة إلى العادة أو النظام الطبيعي. فالعدل هنا ليس معيارا سابقا على الفعل الإلهي، بل هو وصفٌ لاحقٌ له، يُستمدّ من صدوره عن إرادةٍ منزّهة عن النقص والاضطرار. وهذه النزعة التي تعلي من شأن القدرة الإلهية وتنزّهها عن القيود المسبقة تجد ما يقابلها، من حيث البنية المفهومية، في بعض تيارات اللاهوت المدرسي المسيحي، ولا سيما في التمييز بين “القدرة المطلقة” (potentia absoluta) و“القدرة المرتبة” (potentia ordinata) وعلى الرغم من أن هذا التمييز تبلور داخل سياق لاهوتي خاص، تحكمه إشكالات مغايرة، فإنه يلتقي مع الروح الأشعرية في تأكيد أن الفعل الإلهي لا يخضع لضرورة سابقة عليه، ولا يتقيّد إلا بما تعلّقت به المشيئة الإلهية وفق الحكمة التي لا يحيط بها عقلٌ بشري. لقد كان توما الأكويني أكثر تحفظاً في هذا الباب، إذ سعى إلى التوفيق بين القدرة الإلهية والنظام العقلي للعالم، مؤكداً أن الله لا يفعل ما يناقض حكمته. ومع ذلك فإنه لم ينكر إمكان المعجزة بوصفها خرقاً للنظام المعتاد، وهو ما يذكّر بنظرية “العادة” عند الغزالي. لقد رفض الغزالي الضرورة السببية، واعتبر أن النار لا تحرق بطبعها، بل بإحداث الله الاحتراق عند ملامسة النار للمحترق.

إن هذا التصور وإن بدا متطرفاً في نظر بعض المدرسيين، قد أسهم في زعزعة الاطمئنان المطلق إلى الضرورة الطبيعية، وفتح المجال أمام تأكيد تدخل الله المباشر في العالم. وقد لاحظ مونتغمري وات أن الغزالي كان من أوائل من بلوروا نقداً منهجياً للسببية الأرسطية، وهو نقد لم يكن معزولاً عن المناخ العام الذي استقبله الغرب اللاتيني. صحيح أن المدرسية لم تتبنَّ الموقف الأشعري بحرفيته، لكنها دخلت في حوار معه إما لتفنيده أو لتعديل أطروحاته. إن الأشعرية كانت حاضرة في اللاهوت المسيحي بوصفها “خصماً نظرياً” يسهم في تحديد الموقف المقابل. أما في مسألة الصفات الإلهية فإن التوازي بين الجدل الأشعري والجدل المسيحي حول الصفات والثالوث يفتح مجالاً أوسع للمقارنة.
لقد أكد الأشاعرة أن الصفات ليست عين الذات ولا غيرها، بل هي قائمة بها، وهو تعبير دقيق يروم حفظ الوحدة مع إثبات التعدد المفهومي. هذه الصياغة وإن لم تُنقل حرفياً إلى اللاهوت المسيحي فإنها تلتقي مع الجهود التي بذلها اللاهوتيون لتفسير العلاقة بين الجوهر والأقانيم في الثالوث دون الوقوع في التثليث العددي. إن التحدي المشترك هو ذاته: كيف يمكن للغة البشرية أن تعبّر عن حقيقة إلهية متعالية دون أن تُسقط عليها مقولات مخلوقة؟

لقد أشار ابن خلدون إلى أن علم الكلام “نشأ للذبّ عن العقائد”، وهو توصيف ينطبق أيضاً على اللاهوت المسيحي في سياق الردّ على البدع والانشقاقات. ومن هنا فإن التشابه لا يقتصر على بعض المفاهيم، بل يمتد إلى الوظيفة الاجتماعية للخطاب اللاهوتي. لقد كان كل من المتكلم واللاهوتي المدرسي يتحرك في فضاء صراعي، حيث يُطلب منه أن يبرر الإيمان في مواجهة اعتراضات عقلية أو هرطقات داخلية. غير أن أهم ما يمكن رصده في أثر النسق الأشعري هو إعادة ترتيب العلاقة بين العقل والوحي. لقد رفض الأشاعرة استقلال العقل التام لكنهم لم يُلغوه، بل اعتبروه أداة لإثبات صدق الوحي.

يقول إمام الحرمين الجويني إن أول الواجبات هو النظر المؤدي إلى معرفة الله، وهو تقرير يمنح العقل وظيفة تأسيسية في أصل الإيمان. هذا التوازن بين ضرورة العقل وحدوده يجد صداه في اللاهوت المدرسي، حيث يُعتبر العقل قادراً على إثبات وجود الله وبعض صفاته، لكنه يعجز عن إدراك أسرار الوحي كالثلث أو التجسد. لقد كان هذا التحديد المزدوج – إثبات ثم اعتراف بالعجز – من السمات المشتركة بين الكلام الأشعري واللاهوت المسيحي. وإذا كانت المصادر تختلف، فإن البنية المعرفية واحدة، عقل يثبت الأصل، ووحي يكشف التفصيل. ومن هنا فإن النسق الأشعري يمكن أن يُقرأ بوصفه نموذجاً لإدارة التوتر بين الإيمان والعقل، وهو توتر عابر للأديان.

ومع ذلك، ينبغي الحذر من المبالغة في دعوى التأثير. فالفروق العقائدية الجوهرية تظل قائمة، كما أن اللاهوت المسيحي كان يمتلك تقاليده الخاصة الممتدة من آباء الكنيسة إلى المدرسية. غير أن الاعتراف بالتقاليد الخاصة لا ينفي إمكان التأثر المتبادل في فضاء حضاري مشترك. لقد كانت الأندلس وصقلية والمشرق فضاءات تلاقٍ حيّ، حيث لم تكن الحدود الدينية حواجز صماء أمام انتقال الأفكار.

إن قراءة أثر الأشعرية في اللاهوت المسيحي تقتضي تجاوز منطق “الأصل والفرع”، واعتماد منطق “التفاعل والحوار”. فالأفكار لا تنتقل بوصفها وحدات صلبة بل تتبدل في سياق استقبالها، وقد تتحول إلى عنصر نقدي يحدد هوية المذهب المقابل. لقد أسهم النسق الأشعري في بلورة أسئلة حول القدرة والحرية والعلية واللغة الدينية، وهي أسئلة وجدت صداها في اللاهوت المسيحي، سواء في تبني بعض عناصرها أو في الردّ عليها.

إن الأشعرية لم تكن مجرد مدرسة كلامية في تاريخ الإسلام، بل كانت لحظة في تاريخ العقل الديني الوسيط بأسره. لقد أعادت تعريف حدود العقل وأكدت سيادة الإرادة الإلهية وبلورت تصوراً تنزيهياً للذات الإلهية، ووضعت نظرية في العلية هزّت الأسس الأرسطية. وكل هذه العناصر دخلت بشكل أو بآخر، في النسيج العام للنقاش اللاهوتي في العصور الوسطى.

إن دراسة النسق العقدي الأشعري وأثره في علم اللاهوت المسيحي تكشف عن حقيقة منهجية بالغة الأهمية، وهي أن تاريخ اللاهوت لا يمكن قراءته قراءةً منغلقة داخل حدود دين واحد أو تقليد واحد. لقد كان البحر المتوسط في العصور الوسطى فضاءً لتداول النصوص والأفكار، حيث تفاعلت العربية واللاتينية واليونانية والسريانية في شبكة معقدة من الأخذ والردّ. ففي هذا السياق، لا تبدو الأشعرية مجرد مذهب إسلامي، بل تبدو عنصراً فاعلاً في تاريخ أوسع للميتافيزيقا الدينية.

إن الأثر الذي تحدثنا عنه ليس أثراً بسيطاً أو مباشراً، بل هو أثر بنيوي وإشكالي، يتمثل في إدخال مفاهيم جديدة إلى دائرة النقاش، وفي إعادة صياغة أسئلة قديمة بلغة مغايرة.

لقد أسهمت الأشعرية في زعزعة التصور الأرسطي للضرورة، وفي تأكيد أولوية الإرادة الإلهية، وفي بلورة نظرية دقيقة في الصفات والكلام الإلهي. وهذه الإسهامات حين انتقلت عبر الترجمة أو عبر الجدل الفلسفي، أسهمت في تشكيل أفق اللاهوت المسيحي، سواء في قبوله أو في مقاومته لها. ولا تنحصر أهمية هذا المسعى في ادّعاء سبقٍ حضاري أو أسبقية مذهبية، بل تتجلّى في الكشف عن أن الحوار بين الأديان لم يكن دوما خطابا وعظيا أو تدبيرا سياسيا عابرا، وإنما كان في أعمق مستوياته حوارا فلسفيا متينا انصبّ على مسائل كبرى تمسّ طبيعة الله وبنية العالم وحقيقة الإنسان. فقد انخرط المتكلمون واللاهوتيون في نقاشات دقيقة حول حدود العقل وإمكان اللغة في التعبير عن المطلق وعلاقة الإرادة بالحكمة، وهي قضايا تؤسّس لما يمكن تسميته بالتراث الفكري المشترك في المجال الإبراهيمي.

إن استحضار هذا التاريخ المتشابك لا يراد به مجرد التذكير بوقائع الماضي، بل استثماره في بناء تصور أكثر نضجا للعلاقة بين الإسلام والمسيحية، قوامه الاعتراف بالتفاعل الخلاق والتأثير المتبادل، بدل الارتهان لمنطق القطيعة أو سرديات الانفصال التام. فإدراك مساحات التقاطع في الإشكالات والمفاهيم يفتح أفقا لحوارٍ معرفيّ معاصر، يتأسس على الوعي بتاريخ الجدال، وعلى تقدير الجهد العقلي الذي بُذل في سبيل صون التنزيه، وتحرير القول في الإلهيات من اختزالٍ تبسيطي أو تصادمٍ غير مُنتج.

لقد كتب ابن خلدون أن العلوم “تكثر بكثرة العمران”، وما العمران إلا التلاقي والتبادل. وإذا كان النسق الأشعري قد نشأ في سياق دفاعي، فإنه تجاوز سياقه ليصبح جزءاً من تراث إنساني أوسع. إن إعادة قراءته اليوم في ضوء أثره العابر للأديان تفتح أفقاً لتاريخ مقارن للاهوت يكشف عن وحدة الأسئلة في تعدد الأجوبة، وعن اشتراك العقول المؤمنة – على اختلاف مللها – في همّ البحث عن المعنى والحق.

وفي ضوء ما تقدّم، يتبين لنا أن النسق العقدي الأشعري لم يكن بنية مغلقة، بل كان لحظة دينامية في تاريخ الفكر، أثرت وتأثرت وأعادت صياغة العلاقة بين العقل والوحي في الإسلام، وأسهمت – مباشرة أو بواسطة – في تشكيل بعض ملامح اللاهوت المسيحي الوسيط. وإن الوعي بهذه الشبكة المعقدة من التأثيرات لا يثري فهمنا للتاريخ فحسب، بل يعمّق إدراكنا لوحدة التجربة الدينية في سعيها الدائم إلى الجمع بين الإيمان والتعقل، بين التنزيه والتعبير وبين المطلق وحدود اللغة البشرية.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...