المصلحة وعلاقتها بتدبير الشأن العام

5 مارس 2026

د. حمزة مولخنيف
إن مفهوم المصلحة من المفاهيم المركزية في الفكر السياسي والقانوني، بل هو من المفاهيم التي تعبر عن جوهر التدبير العمومي ذاته؛ إذ لا معنى لسلطة سياسية أو نظام حكومي إذا لم يكن الغرض منه تحقيق مصالح الناس وصيانة حقوقهم وتوفير شروط العيش الكريم.

وقد عرفت الفلسفات السياسية المختلفة هذا المفهوم بصور متعددة؛ فأَرِسطو تحدث عن الخير العام باعتباره غاية المدينة الفاضلة، مؤكدا أن السياسة هي علم تدبير شؤون الجماعة لتحقيق السعادة. والسعادة هنا ليست مفهوما فرديا محضا، بل هي سعادة جماعية مرتبطة بالنظام العادل الذي يتيح لكل فرد أن يحقق إمكاناته ضمن إطار اجتماعي منسجم.

وفي السياق الإسلامي نجد أن مفهوم المصلحة قد احتل مكانة بارزة في علم أصول الفقه، حيث اعتبره العلماء أحد المقاصد الكبرى للشريعة. فالشريعة في منظورهم، جاءت لجلب المصالح ودرء المفاسد. وقد أكد الغزالي أن مقصود الشرع من الخلق خمسة: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. وهذه الكليات الخمس تشكل الإطار العام للمصلحة التي ينبغي أن توجه التشريع والتدبير السياسي. فالتدبير العام ليس مجرد إدارة تقنية لشؤون الدولة، بل هو ممارسة أخلاقية وقانونية تستهدف حماية هذه الكليات وتحقيق التوازن بينها.

إن الفكر السياسي الغربي قد تعامل مع المصلحة باعتبارها أحد المحركات الأساسية للسلوك السياسي. وقد رأى نيكولا ميكيافيللي أن السياسة مجال مستقل عن الأخلاق التقليدية، وأن الحاكم ينبغي أن يتصرف بما يحقق بقاء الدولة واستقرارها، حتى لو اضطر إلى اتخاذ إجراءات قد تبدو قاسية أو غير أخلاقية بمعايير فردية.

هذه الرؤية أثارت جدلا واسعا، إذ اتهمت بالمغالاة في تبرير الوسائل باسم الغايات. غير أن القراءة المتأنية لموقف ماكيافيلي تكشف أنه كان يسعى إلى فهم الواقع السياسي كما هو لا كما ينبغي أن يكون، وهو ما جعله من مؤسسي علم السياسة الحديث.

أما في الفكر الإسلامي فإن التعامل مع المصلحة كان أكثر ارتباطا بالمنظومة الأخلاقية والقيمية. فالمصلحة ليست مجرد نفع مادي أو فائدة آنية، بل هي ما يحقق الخير العام وفق ضوابط الشرع. وقد ميز العلماء بين المصلحة المعتبرة شرعا، وهي التي يشهد لها النص أو المقاصد العامة، والمصلحة الملغاة التي يعارضها النص، والمصلحة المرسلة التي لم يرد فيها نص خاص، ولكنها تحقق مقصود الشارع. وهذا التفصيل يعكس وعيا عميقا بأن التدبير العام لا يمكن أن يقوم على اعتبارات نفعية محضة، بل يجب أن يستند إلى منظومة قيمية تضمن العدالة والإنصاف.

ويمكن استحضار تجربة التاريخ الإسلامي التي شهدت نماذج متنوعة من التدبير السياسي. فقد كان بعض الخلفاء والحكام يسعون إلى تحقيق المصلحة العامة من خلال سياسات إصلاحية، بينما انزلق آخرون إلى الاستبداد أو الانحراف عن مقاصد الحكم.

ويذكر ابن خلدون في مقدمته الشهيرة أن الدول تمر بدورات من القوة والضعف وأن العصبية الاجتماعية تلعب دورا محوريا في قيام الدول وسقوطها. وهذه الرؤية التاريخية تبرز أن المصلحة ليست مفهوما ثابتا، بل هي مرتبطة بالسياقات الاجتماعية والسياسية التي تتغير عبر الزمن.

إن تدبير الشأن العام في العصر الحديث يطرح تحديات جديدة تتطلب إعادة النظر في مفهوم المصلحة. فالدولة الحديثة لم تعد مجرد جهاز لإدارة الأمن والدفاع، بل أصبحت مسؤولة عن تقديم خدمات متعددة تشمل التعليم والصحة والبنية التحتية والرعاية الاجتماعية.

وهذا التحول يفرض على صناع القرار أن يتعاملوا مع المصلحة بمنظور شامل يأخذ في الاعتبار الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فالمصلحة الاقتصادية على سبيل المثال، لا يمكن فصلها عن المصلحة الاجتماعية؛ إذ إن النمو الاقتصادي الذي لا ينعكس على تحسين مستوى المعيشة قد يؤدي إلى تفاقم الفوارق الاجتماعية وإثارة التوترات.

كما أن تدبير الشأن العام في عصر العولمة يفرض تحديات إضافية، حيث أصبحت السياسات الوطنية مرتبطة بتطورات عالمية تؤثر على الاقتصاد والسياسة والثقافة. فالمصلحة الوطنية لم تعد مفهوما منعزلا، بل هي جزء من شبكة معقدة من العلاقات الدولية التي تتطلب التعاون والتنسيق. ويصبح مفهوم المصلحة المشتركة في هذا السياق أساسا لبناء علاقات دولية تقوم على الاحترام المتبادل وتحقيق المنافع المتبادلة.

غير أن التعامل مع المصلحة في التدبير العام لا يخلو من إشكالات. فمن جهة، قد يؤدي التركيز المفرط على المصلحة إلى تبرير سياسات غير عادلة أو إقصائية. ومن جهة أخرى، قد يتم توظيف مفهوم المصلحة لأغراض سياسية ضيقة تخدم فئة معينة على حساب المصلحة العامة. لذلك فإن تحقيق التوازن بين المصلحة العامة والمصالح الخاصة يعد من أهم تحديات الحكم الرشيد.

وقد أكد مفكرون سياسيون معاصرون أن الحكم الرشيد يقوم على مبادئ الشفافية والمساءلة والمشاركة. فالشفافية تضمن أن تكون قرارات السلطة معلنة ومفهومة، والمساءلة تتيح للمواطنين مراقبة أداء المسؤولين، والمشاركة تضمن إشراك المجتمع في صنع القرار. وهذه المبادئ تشكل إطارا مؤسسيا يحد من الانحرافات ويعزز الثقة بين الدولة والمجتمع.

وفي الفكر الإسلامي نجد أن مبدأ الشورى يمثل تجسيدا لفكرة المشاركة في التدبير العام. فالشورى ليست مجرد آلية استشارية، بل هي تعبير عن احترام إرادة الجماعة وإشراكها في اتخاذ القرارات. وقد اعتبر العلماء أن الشورى من الواجبات التي تحقق المصلحة العامة وتمنع الاستبداد. وهذا يبرز أن التدبير السياسي في المنظور الإسلامي يقوم على التوازن بين سلطة الحاكم وحقوق المجتمع.

إن العلاقة بين المصلحة وتدبير الشأن العام علاقة جدلية؛ فالمصلحة هي الغاية والتدبير هو الوسيلة. وإذا انحرف التدبير عن تحقيق المصلحة فقد فقد مشروعيته. ومن هنا تأتي أهمية بناء مؤسسات قوية وقوانين عادلة تضمن أن تكون السلطة في خدمة المجتمع لا العكس. فالدولة ليست غاية في ذاتها، بل هي أداة لتحقيق الخير العام.

إن مفهوم المصلحة يشكل حجر الزاوية في أي نظام سياسي يسعى إلى تحقيق العدالة والاستقرار. غير أن تحقيق المصلحة ليس مهمة سهلة، بل يتطلب رؤية استراتيجية تستند إلى المعرفة والخبرة والقيم. فالتدبير العام ليس مجرد إدارة للموارد، بل هو ممارسة أخلاقية وسياسية تهدف إلى بناء مجتمع متوازن يتيح للجميع فرصا متساوية في الحياة الكريمة. وهذا يتطلب من صناع القرار أن يكونوا على وعي بأن السلطة مسؤولية قبل أن تكون امتيازا، وأن المصلحة العامة هي المعيار الذي يقاس به نجاح السياسات.

إن التاريخ يعلمنا أن الدول التي نجحت في تحقيق التوازن بين المصلحة العامة والحرية الفردية هي التي استطاعت أن تستمر وتزدهر. أما الدول التي غلبت فيها المصالح الضيقة أو الاستبداد، فقد واجهت أزمات عميقة أضعفتها. إن المستقبل يتطلب إعادة التفكير في مفهوم المصلحة بحيث يصبح أداة لبناء عالم أكثر عدلا وإنسانية، لا مجرد شعار سياسي.

إن المصلحة في الفكر الفقهي والسياسي ليست مفهوماً عرضياً أو طارئاً، بل هي من المفاهيم المؤسسة التي يقوم عليها بناء الجماعة السياسية وتدبير شؤونها. فالشأن العام – بوصفه مجالاً لإدارة الموارد وتنظيم العلاقات الاجتماعية وتوزيع السلطة – لا يستقيم إلا إذا كان موجهاً نحو تحقيق مصالح الناس ودفع الأضرار عنهم.

وقد تنوعت المقاربات الفكرية حول هذا المفهوم؛ فمن جهة الفقه الإسلامي برزت نظرية المقاصد التي جعلت المصلحة روح التشريع، ومن جهة الفلسفة السياسية الحديثة تشكلت تصورات متعددة حول الخير العام والعدالة الاجتماعية. وفي كلا السياقين يظل السؤال المركزي هو: كيف يمكن تحقيق المصلحة دون أن تتحول إلى ذريعة للاستبداد أو أداة لتبرير هيمنة فئة على أخرى؟.

لقد أدرك الفكر الإسلامي منذ وقت مبكر أن التشريع لا يمكن أن يكون غاية في ذاته، بل هو وسيلة لتحقيق مقاصد عليا. فالشريعة – في منظور العلماء – جاءت لحفظ الضروريات التي لا تقوم حياة الإنسان إلا بها. وقد لخص الغزالي هذه الضروريات في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.

وهذه الكليات تشكل الإطار المرجعي الذي يقاس به أي حكم أو سياسة؛ فما يحققها يعد مصلحة، وما يهددها يعد مفسدة. ومن هنا كان الاجتهاد الفقهي مرتبطاً بالسياق الاجتماعي والتاريخي، إذ لا يكفي الاكتفاء بالنصوص بمعزل عن فهم الواقع. فالفقه – في جوهره – هو فهم النص في ضوء المقاصد لا مجرد تطبيق حرفي للأحكام.

غير أن المصلحة ليست مفهوماً فقهيا محضا؛ فهي تمتد إلى المجال السياسي والقانوني. فالدولة الحديثة تقوم على فكرة العقد الاجتماعي الذي يربط بين السلطة والمجتمع. فالمواطنون يتنازلون عن جزء من حرياتهم للدولة مقابل أن توفر لهم الأمن والخدمات وتحمي حقوقهم.

وهذا التعاقد الضمني يعني أن شرعية السلطة مرهونة بقدرتها على تحقيق المصلحة العامة. فإذا عجزت عن ذلك فقدت مبرر وجودها. وقد عبر الفلاسفة السياسيون عن هذه الفكرة بصيغ مختلفة؛ فأَرِسطو رأى أن المدينة الفاضلة هي التي تحقق الخير المشترك، وأن السياسة علم تدبير هذا الخير. فالإنسان – في نظره – كائن سياسي بطبيعته ولا يمكنه تحقيق كماله إلا ضمن جماعة منظمة.

وقد حذر الفكر السياسي الحديث من الانزلاق إلى تصور مثالي للمصلحة. فقد أشار نيكولا ميكيافيللي إلى أن السياسة مجال تحكمه الضرورة والصراع، وأن الحاكم قد يضطر إلى اتخاذ إجراءات لا تتوافق مع الأخلاق التقليدية من أجل الحفاظ على الدولة. هذه الرؤية أثارت جدلاً واسعاً؛ إذ اتهم ماكيافيلي بتبرير الغاية بالوسيلة.

غير أن القراءة المتأنية لأفكاره تكشف أنه كان يسعى إلى فهم الواقع السياسي كما هو لا إلى شرعنة الاستبداد. فالسياسة – في منظوره – تتطلب براغماتية معينة، لكنها لا تعني التخلي عن المبادئ بالكامل. وهنا تبرز إشكالية التوازن بين المصلحة والعدالة؛ فالمصلحة إذا انفصلت عن العدالة تحولت إلى قوة عمياء، وإذا تجاهلت الواقع أصبحت مجرد خطاب أخلاقي لا أثر له.

ففي السياق الإسلامي تطورت نظرية المقاصد لتقدم حلا لهذه الإشكالية. فالمصلحة ليست أي نفع عارض بل هي ما ينسجم مع مقاصد الشرع. وقد ميز العلماء بين ثلاث مراتب: المصلحة المعتبرة التي يشهد لها النص أو المقاصد، والمصلحة الملغاة التي يعارضها النص، والمصلحة المرسلة التي لم يرد فيها دليل خاص لكنها تحقق خيراً عاماً.

وهذا التصنيف يعكس وعياً بأن التشريع يجب أن يكون مرناً بما يكفي للتعامل مع المتغيرات، لكنه في الوقت ذاته مقيد بالقيم الأساسية التي لا يجوز تجاوزها. فالمصلحة التي تبرر انتهاك حقوق الإنسان أو إهدار العدالة ليست مصلحة حقيقية، بل هي انحراف عن المقاصد.

إن تدبير الشأن العام في العصر الحديث يواجه تحديات جديدة تتعلق بالعولمة والتكنولوجيا والتحولات الاقتصادية. فالدولة لم تعد فاعلاً وحيداً في المجال العام، بل أصبحت جزءاً من شبكة معقدة من العلاقات الدولية. وهذا يفرض إعادة التفكير في مفهوم المصلحة الوطنية بحيث لا ينفصل عن المصالح العالمية.

فالأزمات البيئية والاقتصادية لا تعترف بالحدود السياسية؛ ما يحدث في دولة ما قد يؤثر على دول أخرى. وهنا تبرز أهمية التعاون الدولي لتحقيق المصلحة المشتركة. فالسيادة لم تعد تعني الانغلاق، بل القدرة على المشاركة الفاعلة في النظام العالمي.

وفي المجال القانوني تشكل المصلحة أحد المعايير الأساسية للتشريع. فالقوانين لا توضع عبثاً، بل لتحقيق تنظيم الحياة الاجتماعية وضمان الحقوق. غير أن القانون إذا تجمد عند حرفيته قد يفقد قدرته على مواكبة الواقع. لذلك كان الاجتهاد القضائي وسيلة لتطوير القانون بما ينسجم مع تغير الظروف.

فالقاضي لا يطبق النصوص بشكل آلي، بل يفسرها في ضوء روح القانون ومقاصده. وهذا يبرز العلاقة الوثيقة بين القانون والأخلاق؛ فالقانون بدون قيم يتحول إلى أداة قمع، والأخلاق بدون قانون تصبح مجرد نصائح.

وفي الفكر السياسي يرتبط مفهوم المصلحة بفكرة الشرعية. فالسلطة التي لا تستند إلى قبول المجتمع تفقد شرعيتها حتى لو كانت قانونية. فالشرعية ليست مجرد مسألة إجرائية، بل تتعلق بمدى استجابة السياسات لتطلعات المواطنين. وقد أكد علماء السياسة أن الاستقرار السياسي لا يتحقق بالقوة وحدها بل بالرضا العام.

فالدولة التي تهمل مصالح مواطنيها تواجه مخاطر الاضطرابات. وهذا يضع على عاتق الحكومات مسؤولية تحقيق التوازن بين المصالح المختلفة؛ فالمجتمع ليس كتلة واحدة بل يتكون من فئات لها مصالح قد تتعارض. والتدبير الرشيد هو الذي يوفق بينها دون ظلم.

أما في الفقه الإسلامي نجد أن مبدأ الشورى يمثل تجسيداً لفكرة المشاركة في اتخاذ القرار. الشورى ليست مجرد آلية استشارية، بل هي تعبير عن احترام إرادة الجماعة. وقد اعتبر العلماء أن الحكم الذي يتجاهل الشورى يفتقد جزءاً من مشروعيته.

وهذا ينسجم مع الفكرة الحديثة للديمقراطية التي تقوم على مشاركة المواطنين في صنع السياسات. غير أن الديمقراطية ليست مجرد انتخابات؛ فهي منظومة قيم تشمل احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون. فإذا تحولت الانتخابات إلى أداة لتكريس الاستقطاب أو شراء الأصوات، فإنها تفقد معناها. وتأتي أهمية بناء مؤسسات قوية تضمن نزاهة العملية السياسية.

إن العلاقة بين المصلحة وتدبير الشأن العام علاقة جدلية؛ فالمصلحة هي الهدف والتدبير هو الوسيلة. وإذا انفصلت الوسيلة عن الهدف، فقدت قيمتها. فالتدبير الذي يركز على الإجراءات دون النظر إلى النتائج يصبح بيروقراطية جامدة، والتدبير الذي يركز على النتائج دون احترام القواعد يتحول إلى فوضى. لذلك فإن الحكم الرشيد يقوم على مبدأي الكفاءة والعدالة. فالكفاءة تعني القدرة على تحقيق الأهداف بأقل تكلفة، والعدالة تعني توزيع المنافع والأعباء بشكل منصف.

إن المصلحة ليست مفهوماً أحادياً، بل هي شبكة من العلاقات التي تشمل الأبعاد الفقهية والسياسية والقانونية والفلسفية. ففي الجانب الفقهي ترتبط المصلحة بالمقاصد التي تهدف إلى حفظ الضروريات وتحقيق الخير العام.

وفي الجانب السياسي تعبر المصلحة عن الشرعية التي تستمدها السلطة من رضا المجتمع. وفي الجانب القانوني تشكل المصلحة معياراً للتشريع وتفسير القوانين. وفي الجانب الفلسفي تثير المصلحة أسئلة حول طبيعة الخير والعدالة والعلاقة بين الفرد والجماعة.

إن تدبير الشأن العام في العصر الحديث يتطلب رؤية متكاملة تجمع بين هذه الأبعاد. فلا يكفي التركيز على الجانب الاقتصادي دون الاهتمام بالعدالة الاجتماعية، ولا يمكن الاهتمام بالحرية الفردية على حساب المصلحة العامة. فالمجتمع السليم هو الذي يحقق التوازن بين حقوق الأفراد وواجباتهم. وهذا التوازن ليس حالة ثابتة، بل هو عملية مستمرة تتطلب الحوار والمراجعة. فالتدبير السياسي ليس علماً دقيقاً، بل هو فن يتطلب الحكمة.

وقد علمنا التاريخ أن الأمم التي نجحت في تحقيق هذا التوازن هي التي استطاعت أن تتقدم. فالدول التي احترمت حقوق مواطنيها وبنت مؤسسات قوية حققت استقراراً وازدهاراً. أما الدول التي غلبت فيها المصالح الضيقة أو الاستبداد، فقد واجهت أزمات عميقة. إن المصلحة ليست مجرد مفهوم نظري، بل هي معيار عملي يقاس به نجاح السياسات. فالحكم الذي لا يحقق المصلحة العامة يفقد مبرر وجوده.

ويبقى السؤال معلقاً بإلحاح: كيف تُنال المصلحة في عالم سريع التحوّل متقلّب الشروط والسياقات؟ ليست الإجابة يسيرة ولا تختزل في تدبير تقني عابر، بل تنبثق أولاً من الإقرار بأن الشأن العام أمانة مشتركة تتقاسم الدولة والمجتمع أعباءها ومسؤولياتها. فالدولة مهما امتلكت من أدوات وسلط، تعجز عن تحقيق الخير العام بمعزل عن وعي المجتمع ومشاركته، كما أنّ المجتمع مهما بلغت حيويّته لا يستغني عن مؤسسات الدولة وتنظيمها وضبطها.

ومن هذا التداخل العضوي تتأسّس ضرورة الشراكة والتكامل لا على سبيل الترف السياسي، بل بوصفها شرطاً لقيام المصلحة ذاتها. فالمصلحة ليست امتيازاً لفئة ولا غنيمة لطرف، بل هي حقّ عام يتقاسمه الجميع، ويستوجب إرادة سياسية صادقة، ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، وتأصيلاً أخلاقياً يحرس المقاصد ويهدي الوسائل.

إن الفقه الإسلامي بما يحمله من تراث مقاصدي، والفلسفة السياسية بما تقدمه من رؤى حول العدالة، والقانون بما يوفره من إطار تنظيمي، كلها أدوات يمكن أن تسهم في بناء نظام تدبير يحقق المصلحة. غير أن هذه الأدوات لا تكفي وحدها؛ فلا بد من وعي اجتماعي يقدر قيمة المشاركة والمسؤولية. فالشأن العام ليس مجالاً للنخبة فقط، بل هو شأن الجميع. ومن هنا فإن بناء مجتمع واعٍ هو الخطوة الأولى نحو تدبير رشيد.

إن المصلحة وتدبير الشأن العام يشكلان ثنائية لا تنفصم. فالمصلحة هي الغاية التي يسعى إليها التدبير، والتدبير هو الوسيلة التي تحقق المصلحة. وإذا اختل أحدهما اختل النظام كله. لذلك فإن التفكير في المصلحة ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة عملية. فهو يوجه السياسات ويحدد الأولويات ويضمن أن تكون السلطة في خدمة المجتمع. وهذا هو جوهر الحكم الرشيد الذي تسعى إليه الأمم.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

حين تتحول الحرب إلى “نبوءة”..

عمر العمري تشير الشكاوى المتداولة من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، بشأن تبرير الحرب على إيران بخطاب ديني يستحضر النصوص المقدسة، إلى منزلق بالغ الخطورة يتمثل في تحويل الحرب من قرار سياسي خاضع للحساب والمساءلة إلى مهمة مقدسة محصنة ضد النقد. وأوردت إحدى هذه الشكاوى المنشورة أن قائدا عسكريا افتتح إحاطة خاصة بالجاهزية القتالية بحث عناصر […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...