الفضاء العام بين الانفتاح وضبط الرمزية: مساءلة في ضوء حدث مراكش

23 أبريل 2026

محمد التهامي القادري

في سياق تتلاحق فيه الأحداث وتتسارع الوقائع وتتشابك دلالاتها وتتداخل إشاراتها، لم تعد بعض الوقائع تُدرج ضمن هامش العابر، بل غدت لحظات فارقة تكشف عمق الوعي الجماعي وتختبر دقّة الموازنة بين منطق الحرية ومقتضيات المسؤولية. وما جرى عند سور باب دكالة بمدينة مراكش يندرج ضمن هذا المنعطف الدقيق، حيث تتقاطع الرمزية الدينية مع الحساسية الوطنية في مشهد مشحون، يستدعي قراءة نقدية حازمة وموقفا صريحا واضحا لا يحتمل الالتباس ولا التأويل.

أمام هذا الواقع، فإن الصمت لم يعد خيارا مقبولا، ولا التلطيف البلاغي كافيا لاحتواء ما خلفه من صدمة في الوجدان العام. نحن هنا أمام سلوك فج في دلالته، مستفز في رمزيته، ومُربك في توقيته، لأنه لم يكتف بتجاوز حدود اللياقة الدينية في الفضاء المشترك، بل لامس – بصورة مباشرة – حساسية وطنية متأججة، وجرحا مفتوحا في الوعي الجمعي المتصل بما يجري في فلسطين الحبيبة. إن الاستنكار في هذه الحالة ليس موقفا عاطفيا عابرا، بل ضرورة أخلاقية ومجتمعية. فليس من المقبول أن يتحول الفضاء العام، بما يحمله من رمزية تاريخية وثقافية، إلى منصة لطقوس تُمارس خارج سياقها الطبيعي، وبكيفية ملغومة تُفهم – عن قصد أو عن غير قصد – كاستفزاز لمشاعر غالبية المواطنين. إن حرية المعتقد، وهي مبدأ أصيل، لا يمكن أن تُستدعى لتبرير ممارسات تصطدم بخصوصية المكان وتتناقض مع قواعد الاحترام المتبادل التي يقوم عليها العيش المشترك.

ولعل أخطر ما في هذه الواقعة ليس مجرد حدوثها في حد ذاته، بل ما تفتحه من منفذ لتطبيع رمزي زاحف، يتسلل عبر تفاصيل تبدو صغيرة، لكنه يراكم أثره في العمق. فحين تُمارَس طقوس ذات حمولة دينية وسياسية مركبة في فضاء عمومي حساس، فإن الأمر يتجاوز نطاق الفعل الفردي ليغدو رسالة عامة قابلة للتأويل والتوظيف، وهو ما يستدعي – تبعا لذلك – اتخاذ إجراء حازم وقوي يضمن عدم تكرار مثل هذه الانزلاقات مستقبلا، مع تثبيت توصيفها في إطارها الحقيقي حتى لا تُستثمر، مع مرور الزمن، كذريعة لإضفاء طابع الموروث أو الحق المشروع عليها في وعي الأجيال اللاحقة. إن الدفاع عن التعايش لا يعني القبول بكل شيء، كما أن الانفتاح لا يبرر التفريط في السيادة الرمزية للمجتمع على فضائه العام. فالمغرب، بتاريخه وتعدديته، قدم نموذجا فريدا في احتضان مكوناته المختلفة، بما فيها المكون اليهودي المغربي الأصيل، لكن هذا النموذج نفسه يقوم على التوازن والدقة، لا على الفوضى أو الاستفزاز أو خلط السياقات.

ومن هنا، فإن المسؤولية تقتضي مساءلة دقيقة لملابسات ما جرى: كيف سُمح بوقوع هذا الفعل في هذا المكان تحديدا؟… وأين كانت آليات الضبط التي يُفترض أن تحمي الفضاء العام من كل ما قد يخل بتوازنه؟

إن هذه الأسئلة ليست من باب الكماليات الفكرية أو الفضول الذهني، بل هي ضرورة حيوية تمس جوهر صون الثقة في المؤسسات، وضمان عدم تكرار مثل هذه الانزلاقات. إن ما حدث ليس مجرد واقعة تُروى، بل اختبار حقيقي لمدى تمسك المجتمع بثوابته وقدرته على صون توازنه في وجه التحولات والاختبارات. وبين الاستنكار المشروع والحفاظ على روح التعايش، يظل الرهان معقودا على وعي جماعي متبصر، يُدرك أن قوة الأوطان لا تُقاس فقط بما ترفضه، بل بكيفية إدارتها لما ترفضه أيضا.

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...