السيادة العربية في مواجهة إرث التهميش والتتريك
علي البلوي
تتجلى الحقيقة التاريخية في أن الصراع العربي مع السلطة في أواخر العهد العثماني لم يكن صراعاً دينياً أو مذهبياً، بل كان مواجهةً وجودية ضد الفكر الطوراني الإقصائي الذي تبناه حزب الاتحاد والترقي، هذا الحزب الذي حوّل الدولة من كيان جامع إلى أداة لخدمة القومية التركية المتطرفة، ممارساً سياسة “التتريك” التي استهدفت طمس الهوية العربية ولغتها في الدواوين والتعليم والمحاكم.
ولم يتوقف الأمر عند الغزو الثقافي، بل امتد إلى تهميش اقتصادي وتنموي متعمد؛ فالدولة العثمانية حتى في عز قوتها لم تعتنِ بالبلاد العربية، بل ظلت هذه الحواضر مجرد وسيلة لتحصيل الضرائب والإتاوات لتمويل خزائن المركز، وحُرمت من التعليم ومن تعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، بينما كانت مشاريع النهضة تُحصر في ولايات الأناضول.
وتضاعف هذا الأمر مع فرض قيادات عسكرية تركية قومية سامت العرب سوء العذاب، وتعاملت معهم بمنطق السخرة والتبعية، وهو ما بلغه التوحش مداه مع سياسة “السفربرلك”، حيث سِيق الشباب العرب قسراً إلى جبهات القوقاز والبلقان ليموتوا برداً وجوعاً في حروب لا تعنيهم، بينما كانت محاصيلهم تُصادر لتمويل آلة الحرب الطورانية، مما تسبب في مجاعات فتكت بمئات الآلاف في بلاد الشام والحجاز وأفرغت قرى بأكملها من سكانها.
وإن المتأمل في مسار التاريخ يدرك أن بقاء الدولة العثمانية حتى مطلع القرن العشرين لم يكن بفضل قوتها الذاتية، بل بفضل الدعم البريطاني والأوروبي الذي كان يهدف لمنع قيام مشروع عربي نهضوي قوي، كمشروع محمد علي باشا، ومنع روسيا القيصرية من الوصول للمياه الدافئة، مما يعني أن استمرار الهيمنة التركية آنذاك كان رهينة توازنات دولية وليس استحقاقاً حضارياً.
وهنا تكمن خطورة الخطاب الذي يروّج له بعض “الحالمين” اليوم، الذين يحاولون تجميل تلك الحقبة أو استنساخها تحت شعار “القوة الإسلامية القائدة”؛ فهذا الطرح ليس مجرد سوء فهم للتاريخ، بل هو معاداة صريحة لكل طموح عربي يسعى لاستعادة المركز والمرجع العربي الإسلامي الأصيل، وانتقاص واضح من مكانة الأمة وقدرتها على قيادة نفسها، بل إن هؤلاء يعملون – بوعي أو دون وعي – ضمن أجندات دولية تهدف بالأساس إلى الحيلولة دون نشوء قوة عربية قائدة ومستقلة عبر رهن الإرادة العربية لمشاريع إقليمية عابرة للحدود.
إن نقدنا اليوم لعودة أي نزعات هيمنة تركية معاصرة ينطلق من هذا الوعي التاريخي؛ فالعرب يرحبون بالعلاقات مع تركيا كدولة صديقة وجارة قوية على قاعدة الاحترام المتبادل وتصحيح أخطاء القوميين الأتراك الذين اعتبروا العرب “فضاءً خلفياً”. إن تصحيح المسار الحالي يجب أن يُبنى على اعتراف تركيا بالسيادة العربية الكاملة والابتعاد عن منطق “العثمانية الجديدة” الذي يحاول تجميل حقبة التهميش الطوراني بعباءة دينية مخادعة.
نحن نمد يد التعاون لتركيا الصديقة، لكننا نتمسك بالفرق الجوهري والمصيري بين الصديق الإقليمي والشقيق العربي؛ فمصر تظل العمق والشقيقة الكبرى التي تقاسمنا التاريخ والمستقبل، بينما تظل العلاقة مع أنقرة رهينة احترامها لخصوصيتنا وتجاوزها لعقدة الفوقية العرقية، لضمان أن تظل منطقتنا للعرب أولاً، كقوة قائدة ومركز قرار مستقل بعيداً عن أي محاولات لاستنساخ مرارات الماضي أو القبول بالوصاية تحت أي مسمى.
إن مشروع اردوغان متناقض وقومي تركي بزي اسلاموي وهو ساع لبناء تحالف الطورانية الثقافية مع الناطقين بالتركية ويحاول عبر تحالفات سرية مع الاخوان المسلمون مد النفوذ تحت غطاء العثمانية الجديدة وإعادة الخلافة.
التعليقات