السعودية والانخراط في الترتيبات الاقليمية
علي البلوي. كاتب أردني
في مطلع عام 2026، يشهد الشرق الأوسط تحولاً جيوسياسياً عميقاً تقوده المملكة العربية السعودية كقاطرة للاستقرار الإقليمي، حيث تتبلور ملامح نظام دولي جديد يعتمد على “مربع القوى” المتمثل في الرياض والقاهرة وأنقرة وإسلام آباد.
هذا الحراك الرباعي يتجاوز بروتوكولات التعاون التقليدية ليصل إلى مرحلة الهندسة الاستراتيجية الشاملة، حيث تمثل زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الرياض والقاهرة في فبراير 2026 نقطة الارتكاز لهذا التحول؛ إذ تحمل هذه الزيارة أبعاداً تتجاوز تطبيع العلاقات إلى تدشين محور جيوسياسي يهدف إلى سد الفراغات الأمنية وبناء مظلة ردع اقتصادية وعسكرية مستقلة.
ففي الرياض، لم يعد اللقاء بين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس أردوغان مجرد جولة ديبلوماسية، بل هو محطة حاسمة لتفعيل “اتفاق الدفاع الاستراتيجي الثلاثي” الذي يضم باكستان كضلع ثالث، بهدف دمج القدرات التقنية والعسكرية التركية بالثقل المالي والسياسي السعودي، مدعوماً بالعمق النووي لباكستان، مما يخلق كتلة حرجة قادرة على فرض توازنات جديدة بعيداً عن التدخلات الدولية التقليدية وقطع الطريق أمام مخططات التفتيت والتقسيم في المنطقة.
هذا التنسيق العالي يمتد ليشمل القاهرة، التي يزورها أردوغان في رحلة متصلة لترسيخ دور مصر كعمق استراتيجي وصمام أمان في الملفات الأمنية المعقدة، من تأمين الملاحة في البحر الأحمر إلى إدارة التهديدات في القرن الإفريقي والسودان.
وتأتي تحركات الفريق أول عبد الفتاح البرهان وزياراته المكثفة للسعودية ومصر ودول الخليج وتركيا كدليل على وجود إرادة رباعية موحدة لحماية الدولة الوطنية السودانية، ومنع تحولها إلى ساحة لحروب الوكالة، وضمان استقرار الممرات الملاحية الدولية.
إن نجاح السعودية في ترسيخ هذه التحالفات القوية يعكس رؤية المملكة لعام 2026، التي تقوم على مبدأ أن الاستقرار السياسي هو الضمانة الوحيدة للازدهار الاقتصادي؛ فالمشاريع التنموية العملاقة في المنطقة لن تؤتي ثمارها دون وجود “مظلة أمنية” صلبة يشترك في حملها الجيوش الأقوى في المنطقة والبيوتات السياسية الأكثر تأثيراً.
ويستند هذا التحرك نحو ترتيب البيت الإقليمي إلى أرضية صلبة من القدرات السعودية الذاتية التي أثبتت نجاعتها في السنوات الأخيرة؛ فالمملكة تتمتع اليوم بقدرة مالية هائلة تحولت من مجرد فوائض نفطية إلى أداة استثمارية عابرة للقارات عبر صندوق الاستثمارات العامة، مما جعل الرياض بوصلة الاستثمار العالمي وقوة تفاوضية تضاهي القوى العظمى وتؤثر مباشرة في قرارات مجموعة العشرين.
وأمنياً وعسكرياً، انتقلت المملكة إلى مرحلة السيادة التصنيعية والردع المتقدم، حيث تجاوز توطين الصناعات العسكرية مستويات قياسية في 2026، مما جعل القوات المسلحة السعودية قوة ضاربة تضمن أمن ممرات الطاقة العالمية كباب المندب ومضيق هرمز. كما أن النجاعة السعودية في الأمن الاستباقي ومكافحة الإرهاب والريادة في الأمن السيبراني جعلت من تجربتها نموذجاً يُحتذى به، معززةً ثقلها في صياغة الاستراتيجيات الأمنية الدولية.
سياسياً، تبنت المملكة ديبلوماسية “القطب المستقل”، حيث نجحت في موازنة علاقاتها مع واشنطن وبكين وموسكو، دون الانخراط في سياسة المحاور، مما منحها مصداقية كمتحدث رسمي باسم مصالح المنطقة ووسيط موثوق في الأزمات الكبرى.
إن تكامل هذه القوى الاقتصادية والعسكرية والسياسية مع الحراك الرباعي يؤسس لمرحلة الاعتماد المتبادل، حيث تجد أنقرة وإسلام آباد والقاهرة في الرياض شريكاً استراتيجياً موثوقاً، مما يحول المنطقة إلى كتلة قوية متكاملة ومستقلة في قرارها السيادي، وقادرة على صياغة مستقبلها بقرار نابع من مصالح شعوبها بعيداً عن الوصاية أو التجاذبات الدولية.
التعليقات