الدين بين الحرية والوصاية: إلى متى نختزل الإيمان في المظاهر؟
كريمة العزيز
في زمن أصبح فيه الدين، عند البعض، أداة للحكم على الآخرين بدل أن يكون طريقا للهداية والتزكية، نجد أنفسنا أمام واقعٍ مؤلم تُزرع فيه الفرقة داخل العائلات وتُبنى فيه الأحكام على المظاهر لا على القلوب، فكيف يمكن لقناعة شخصية، كاختيار لباس معين، أن تتحول إلى سبب لتمزيق علاقات إنسانية كانت قائمة على الحب والاحترام؟ وكيف أصبح بعض الناس يعتقدون أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة، فيُصنفون الآخرين بين متدين وغير متدين فقط من خلال الشكل الخارجي؟
إن المرأة التي تختار ارتداء الحجاب تفعل ذلك انطلاقًا من فهمها وقناعتها، كما أن التي ترتدي لباس البحر لا يعني ذلك أنها بلا أخلاق أو بعيدة عن الدين، فالإيمان ليس مظهرًا بل علاقة داخلية عميقة بين الإنسان وربه، وقد قال الله تعالى: “لا إكراه في الدين”، وهي آية واضحة تؤكد أن الإيمان لا يُفرض ولا يُقاس بالإجبار أو الضغط، غير أن المشكلة لم تكن يومًا في الدين ذاته، بل في توظيفه واستعماله لأغراض أخرى، حيث ظهرت تيارات جعلت من الدين وسيلة للتأثير والسيطرة، فصار النقاش يدور حول جسد المرأة ولباسها بدل أن ينصبّ على القيم الحقيقية كالأخلاق والعلم والوعي، وأصبح البعض ينظر إلى المرأة في الفضاء العام، كالبحر مثلا، بنظرة اختزالية، وكأنها مجرد جسد أو موضوع للحكم، لا إنسان كامل له اختياراته وظروفه وفهمه الخاص.
هذا الانحراف في الفهم يعكس غياب التدبر الحقيقي، لأن الله لم يجعل أحدًا وصيًا على أحد، بل قال: “ولقد كرمنا بني آدم”، فالتكريم شامل لا يُنزع بسبب اختلاف في المظهر أو الفهم، وإذا تأملنا في قصص القرآن نجد أنها تعكس صراعات إنسانية تتكرر في كل زمان، ومن أبرزها قصة يوسف عليه السلام التي تُظهر كيف يمكن لمشاعر الغيرة بين الإخوة أن تتحول إلى ظلم وعدوان، حيث حسده إخوته لما رأوا من محبة أبيهم له فدفعهم ذلك إلى التآمر عليه وإلقائه في الجب، ليس لأنه أخطأ بل لأنهم لم يتحملوا تميّزه أو اختلاف مكانته، وهذه القصة تعكس واقعنا اليوم حيث قد تتحول الغيرة الفكرية أو الشعور بامتلاك الحقيقة إلى رغبة في إقصاء الآخر أو التقليل منه بدل فهمه واحترامه، كما أن قصصًا أخرى كقصة قابيل وهابيل تُظهر كيف يقود الحسد إلى العنف، وقصة أهل الكهف تُجسد صراع الإنسان مع ضغط المجتمع، وكلها رسائل تؤكد أن الصراع الحقيقي ليس في الدين بل في النفوس التي لم تتعلم التوازن والتسامح، إن القرآن دعوة للتفكر لا للوصاية وقد قال تعالى: “أفلا يتدبرون القرآن”، مما يعني أن لكل إنسان حق الفهم والتأمل حسب وعيه وتجربته، كما قال أيضا: “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، وهي قمة الحرية في الاختيار، لذلك فإن فرض تفسير واحد للدين على الجميع يتناقض مع جوهر الرسالة الإلهية التي تقوم على الرحمة والوعي، إلى متى سنستمر في مراقبة الناس بدل فهمهم؟ وإلى متى سنختزل الدين في مظاهر ونترك جوهره الأخلاقي والإنساني؟
إن المجتمعات لا تتقدم إلا حين تحترم اختلافاتها وتفصل بين الدين كقيمة روحية وبين استغلاله كأداة للسيطرة، ونحن في حاجة إلى إعادة الدين إلى مكانه الطبيعي كعلاقة شخصية تهذّب النفس وتوجّه السلوك لا كوسيلة لفرض السلطة على الآخرين، وأن نترك لأبنائنا مساحة لاكتشاف الحقيقة بأنفسهم لأن الإيمان الحقيقي لا يُلقّن ولا يُفرض بل يُبنى بالوعي والتجربة، فحين نفهم أن الاختلاف سنة من سنن الحياة سنكف عن ادعاء امتلاك الحقيقة وندرك أن الطريق إلى الله واسع يسع الجميع كلٌّ بحسب فهمه وقلبه.
التعليقات