29 أغسطس 2025 / 10:34

الدراسات القرآنية بين القديم والحديث: أسماء الهلالي

محمد أومليل

متشبعة بالروح العلمية والرؤية الموضوعية ونسبية المعرفة وبأخلاقيات العلم، بالإضافة إلى برودة أعصابها وهدوئها ورزانتها أثناء الحوار ورقابتها الذاتية المشددة تجاه انتقاء ما يستحسن قوله مما لا يستحسن..، تبدو عليها الصرامة العلمية والشعور بالمسؤولية والاستقامة والجدية والكثير من الهم والوفاء والولاء للمعرفة والعلم؛ يظهر ذلك من خلال شحوبة وجهها ونحافة جسمها.

الأستاذة أسماء الهلالي من مواليد الستينيات القرن الماضي، ما زالت على قيد الحياة أطال الله عمرها ونفع بها العباد، باحثة تونسية أكاديمية متخصصة في علم تحقيق المخطوطات، وهو فرع من فروع علم المخطوطات يعنى بدراسة وتحقيق النصوص القديمة المكتوبة يدويا، حاصلة على شهادة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية، باحثة في مركز الاستشراق الألماني، مهتمة بالتاريخ المبكر للإسلام (يطلق عليه تاريخ أبيض خال من تدوين الكتب تاريخ تغلب عليه الثقافة الشفهية بحيث التدوين لم يبدأ إلى مرور ما يزيد عن قرن بعد وفاة الرسول)، أستاذة للدراسات الإسلامية بجامعة ليل بفرنسا، متنقلة ما بين فرنسا وبريطانيا وألمانيا.

اشتغلت، مدة ستة أشهر، على تحقيق مخطوطات “طرس صنعاء” (يتضمن الخط السفلي الباهت والخط العلوي الواضح والهدف تحقيق الأول لا الثاني) باليمن استجابة لطلب الأستاذ والباحث الفرنسي (كريستيان روبن) سنة 2012، وبعد انتهاء من هذا العمل الميداني الشاق تم نشر دراستها في كتاب من قبل معهد الدراسات الإسماعيلية بتعاون مع جامعة أكسفورد.

(تم اكتشاف “طرس صنعاء” في عام 1972 أثناء عملية ترميم الجامع الكبير في صنعاء باليمن، هي مجموعة من النصوص القرآنية المكتوبة على الرقوق تم اكتشافها بالصدفة فسمح لعلماء غربيين لدراستها. بالإضافة إلى مخطوطات أخرى بمصر وتركيا وأوزبكستان وفرنسا ولندن والفاتيكان وروسيا).

تحكي الأستاذة عن تلك التجربة: “دخلت إلى صنعاء سنة 2012 من أجل الاطلاع على المخطوطات القرآنية بغية تحقيق (طرس صنعاء)؛ كانت تجربة هامة جدا وضرورية من الناحية العلمية، تجربة متميزة جدا أضافت لي الكثير بما في ذلك التواضع المعرفي؛ كون المخطوط يبقى دائما لغزا لا يمكن الإحاطة بكل أسراره”(1).

“وقد أتبثت المخابر العلمية (حول طرس صنعاء) أنها تعود إلى الفترة ما بين 100 إلى 250 للهجرة”(2).

تلك المخطوطات تعد من ضمن أقدم المخطوطات القرآنية بدليل أنها مكتوبة بالخط الحجازي القديم، وليس بالخط الكوفي الذي ظهر بعد الخط الحجازي بقرون، بالإضافة إلى أنها بدون تنقيط وتشكيل وكل ما أضيف إلى القرآن من تحسينات.

من ضمن الفرضيات التي توصلت إليها الأستاذة أسماء الهلالي: “هذا النص (طرس صنعاء) يعد جزءا من حلقة التعليم تمرين إملاء ضمن إطار تعليمي وليس نصا قرآنا أصيلا. هذه هي الفرضية التي توصلت إليها، مستدلة على فرضيتها بما هو مكتوب في مستهل سورة التوبة (لا تقل باسم الله) في نظرها ذلك توجيه من قبل المعلم للتلميذ، بالإضافة إلى قرائن أخرى”(3).

كون ما تضمنه (طرس صنعاء) مخالف للقرآن المتداول بين المسلمين؛ ذلك ما تم التوصل إليه من قبل جميع الباحثين والدارسين ل (طرس صنعاء).

الفرضية التي توصلت إليها الأستاذة؛ ذلك ما افترضه الدكتور عبد المجيد الشرفي التونسي: “رجح عبد المجيد الشرفي أن يكون ضربا من التدريس على حفظ القرآن للتلاميذ المبتدئين وقع إخفاؤه خشية إتلافه أو من باب احترام قدسية القرآن “(4).

بالإضافة إلى عدة آراء كلها تصب في فرضية الأستاذة على أن (طرس صنعاء) ليس مصحفا أصليا للقرآن، إنما هي خاصة بتلاميذ يتعلمون القرآن، وبالتالي لا يخلو من أخطاء مخالفة للقرآن المتداول بين المسلمين.

رغم ذلك، يقوم الباحث في المخطوطات (محمد المسيح) بنفي تلك الفرضية ويصر على أن (طرس صنعاء) قرآن أصلي مخالف للقرآن المتداول بين المسلمين كي يؤكد أن القرآن متعدد وليس قرآنا واحدا، وبالتالي هو ليس من عند الله إرضاء لتوجهه الإلحادي.

من ضمن أقواله ضد الأستاذة: “موقف الأستاذة أسماء الهلالي نابع من العاطفة كونها مسلمة تدافع عن قدسية القرآن وحفظه من قبل الله”(5).

واقترح عليها بكل وقاحة معتقدا جازما أنه على الحق المبين والأستاذة على عكس ذلك: “لذا ينبغي أن تعترف بالخطأ وتعتذر لقرائها “(6).

والمفارقة الغريبة بين الناقد وبين الأستاذة؛ أن الناقد يتحدث بوثوقية جد عالية، والأستاذة تتحدث في حدود “فرضية” و”نسبية المعرفة”!

تقول: “هذه هي الفرضية التي توصلت إليها”.

“ينبغي أن نتواضع أمام لغز المخطوطات كونها تحمل أسرارا لا يمكن الإحاطة بمجملها، المخطوط يبقى لغزا من الصعب العلم به على وجه الدقة ولا يمكن أن نقدم فرضية قاطعة”(7).

الباحث محمد المسيح ينتقد كل ما يمنح مصداقية للقرآن، بما في ذلك (مخطوطات برمينجهام) كون تاريخها يعود إلى العهد النبوي، وفي المقابل يؤكد كل ما من شأنه التشكيك في أصالة القرآن وتاريخه وموطنه ومصداقيته، ومع ذلك يدعي العلمية والموضوعية!

القرآن الكريم، بالنسبة للمسلمين، يندرج ضمن أصول الإيمان بالغيب، فنحن المسلمين لم نكن من الشاهدين أثناء نزوله وتدوينه وجمعه، حتى وسائل العلم الحديثة لإثبات تأريخ القرآن لا تعطي نتائج قاطعة بنسبة مائة بالمائة، مثل (كربون 14)، بل النتائج نسبية في احتمال حدود قرن، لذا (كربون 14) يليق للمدة الزمنية الطويلة التي تعد بمئات القرون، مثل تأريخ البشرية الأولى التي يعود تاريخها إلى ستة ملايين السنين وما فوق؛ في هذه الحالة احتمالية حدود قرن لا تضر.

لا مجال للمقارنة بين الأستاذة أسماء وبين الناقد المتحامل؛ شتان بين من تعلم في دول متقدمة وضمن مجتمعات المعرفة، وبين من تعلم في دول متخلفة ومجتمعات يسودها الجهل المتعدد!

فك الله أسرنا من التخلف المكعب والجهل المتعدد.

المراجع:

-1، لقاء مع الدكتورة أسماء الهلالي حول طرس صنعاء، اليوتيوب.

-2، باحثة تونسية تكشف عن أقدم مخطوطة للقرآن في اليمن، مأرب برس.

-3، م س(1).

-4، م س(2).

-6،5، محمد المسيح، خطأ الدكتورة أسماء الهلالي في قراءة نص طرس صنعاء، اليوتيوب.

-7، م س(1).