الخلايا الإرهابية في دول الخليج بعد التصعيد مع إيران

25 أبريل 2026

العميد الدكتور سعود الشَرَفات

مدير مركز شُرُفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب في عمان الأردن 

 

تشير المعطيات المتوفرة – من مصادر إعلامية مفتوحة – حول كشف خلايا إرهابية في دول الخليج العربي أعقاب التصعيد العسكري الأخير مع إيران إلى أن هذه العمليات لا يمكن تفسيرها بوصفها أحداثاً أمنية معزولة أو استجابات ظرفية، بل ينبغي فهمها ضمن إطار بنيوي أوسع يرتبط بالعقيدة الأمنية الإيرانية التي تطورت منذ عام 1979. فقد انتقلت هذه العقيدة تدريجياً من مفهوم “تصدير الثورة” بصيغته الأيديولوجية المباشرة إلى نموذج أكثر تعقيداً يقوم على إدارة النفوذ عبر شبكات غير تقليدية، تعمل في مستويات متعددة وتحت غطاءات مدنية أو اجتماعية. وضمن إرهاب منظم بإشراف دولي مباشر وخشن. وفي هذا السياق، يبرز دور الحرس الثوري الإيراني بوصفه الفاعل المركزي في بناء هذه الشبكات، لا سيما من خلال ذراعه الخارجية “فيلق القدس”، حيث اعتمد استراتيجية طويلة الأمد تقوم على إنشاء ما يمكن وصفه بـ”بنية تحتية خفية” داخل الدول المستهدفة، تُستخدم كاحتياط استراتيجي يمكن تفعيله عند الحاجة (Wehrey et al., 2009؛ Eisenstadt, 2019). ومن ثم، فإن الخلايا التي تم الكشف عنها في الخليج لا تمثل بالضرورة نشوءاً جديداً، بل تعكس في كثير من الحالات كشف أو تنشيط شبكات كامنة تم بناؤها عبر سنوات، وهو ما يفسر طابعها المنظم وارتباطاتها العابرة للحدود.

غير أن البعد البنيوي وحده لا يكفي لتفسير توقيت اكتشاف هذه العمليات الإرهابية أو التخطيط لتنفيذها ، إذ يتضح أن التصعيد العسكري الأخير شكّل عاملاً حاسماً في تفعيل هذه الشبكات أو كشفها. فقد دفعت المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين إيران إلى توسيع أدواتها الردعية، عبر تبني نمط مركّب يجمع بين القوة الصلبة والأدوات غير المباشرة، وهو ما يُعرف في الأدبيات الاستراتيجية بـ”الردع المركّب” (Tabatabai, 2020). وفي هذا الإطار، تصبح الخلايا الإرهابية الداخلية أداة ضغط فعالة، ليس فقط من خلال قدرتها على تنفيذ عمليات إرهابية ، بل أيضاً عبر ما تولده من حالة عدم يقين أمني، تجبر الدول المستهدفة على استنزاف مواردها ورفع مستوى التأهب. وتكتسب هذه الفرضية مصداقيتها من خلال الحالات الميدانية الحديثة، حيث أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة في أبريل 2026 تفكيك شبكة تضم 27 شخصاً كانت تخطط لعمليات تخريبية داخل الدولة، في مؤشر واضح على انتقال بعض هذه الخلايا من مرحلة الكمون إلى مرحلة الاستعداد العملياتي. وفي السياق ذاته، كشفت كل من قطر والبحرين في مارس 2026 عن خلايا مرتبطة بأنشطة الرصد والتجسس على مواقع حيوية، وهو ما يعكس مرحلة متقدمة من الإعداد الاستخباراتي، بينما أعلنت الكويت تفكيك عدة خلايا خلال فترة زمنية قصيرة كانت تقوم بعمليات تخابر وتحديد أهداف، بما يشير إلى اقترابها من مرحلة التنفيذ الفعلي. وتُظهر هذه الحالات مجتمعة نمطاً زمنياً متقارباً، يعزز فرضية وجود تفعيل متزامن أو رفع منسوب الجاهزية لهذه الشبكات في سياق الأزمة (تقارير صحيفة الشرق الأوسط، 2026؛ قناة الحرة، 2026).

وعند وضع هذه التطورات في إطار مقارن، يتضح أن ما يجري في الخليج يمثل تحوّلاً في نمط النفوذ الإيراني، وليس انحرافاً عنه. ففي بيئات مثل العراق ولبنان واليمن، اعتمدت إيران على نموذج “الوكالة المباشرة”، من خلال دعم فاعلين مسلحين علنيين مثل حزب الله أو الجماعات المسلحة المحلية (Juneau, 2016). إلا أن خصوصية البيئة الخليجية، التي تتميز بقوة الدولة وفعالية أجهزتها الأمنية، فرضت تكيّفاً في هذا النموذج، تمثل في الانتقال إلى ما يمكن تسميته بـ”الاختراق الشبكي الداخلي”، القائم على خلايا صغيرة، سرية، متعددة الوظائف، وقابلة للتفعيل عند الحاجة. ولا يعكس هذا التحول تراجعاً في القدرة، بل يدل على مرونة استراتيجية عالية، حيث يتم تعديل أدوات النفوذ بما يتناسب مع طبيعة البيئة المستهدفة. وتُظهر الحالات الحديثة أن هذه الخلايا لا تؤدي وظيفة واحدة، بل تعمل كمنصات مركّبة تشمل التمويل، والتجنيد، والرصد، والتخطيط، وهو ما يجعلها أداة مثالية في إطار ما يُعرف بالتصعيد “تحت العتبة” (Cordesman, 2020).

في ضوء ما سبق، يمكن القول إن ظاهرة الخلايا الإرهابية في الخليج بعد التصعيد مع إيران تمثل ربما اتجاه جديدا في ظاهرة الإرهاب في الشرق الأوسط نتاج تفاعل ثلاثة مستويات تحليلية متداخلة: مستوى بنيوي يرتبط بالعقيدة الأمنية طويلة الأمد، ومستوى تكتيكي يتصل بسياق التصعيد واستراتيجية الردع المركّب، ومستوى مقارن يعكس تحول نموذج النفوذ من الوكالة المباشرة إلى الاختراق الداخلي. وتكمن الخطورة الحقيقية في أن هذا النموذج لا يعتمد على حدث واحد أو شبكة محددة، بل يمتلك قابلية عالية لإعادة الإنتاج والتكيف، ما يجعله تهديداً مستداماً وليس ظرفياً. وهذا التهديد يتوقع أن يمتد إلى بيئات ودول أخرى خارج دول الخليج والعالم العربي والإسلامي في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية خاصة إذا طال أمد الحرب واستمر التصعيد العسكري في المنطقة.

وعليه، فإن مواجهة هذا النمط من التهديدات تتطلب مقاربات أمنية تتجاوز الحلول التقليدية، نحو استراتيجيات شاملة تدمج بين العمل الاستخباري الاستباقي، والتعاون الإقليمي، وتحليل الأنماط السلوكية للشبكات أو الخلايا أو حتى الأفراد ضمن نمط الذئاب المنفردة غير المكتشفة.

المراجع :

Wehrey, F., et al. (2009). RAND Corporation.

Eisenstadt, M. (2019). Washington Institute.

Tabatabai, A. (2020). Oxford University Press.

Cordesman, A. (2020). CSIS.

Juneau, T. (2016). International Affairs.

تقارير صحيفة الشرق الأوسط، 2026.

 

 

تقارير قناة الحرة، 2026.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

أي مغرب نحتاج بعد الحرب؟

عمر العمري تفرض الحرب المدمرة التي دارت خلال الأسابيع الماضية بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران و”حزب الله” من جهة أخرى، على المغرب، وهو يراقب من أقصى الغرب العربي هذا التحول العنيف في موازين الصراع، وقفة تأمل عميقة لاستخلاص العبر، ومراجعة الواقع الوطني، وتشخيص مجالات النقص والضعف، وصياغة عناصر القوة التي ينبغي بناؤها في […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...