الحضرة” في السياق الليبي: قراءة في أنساق وديناميات أداة أسهمت في تشكل الوعي

23 مارس 2026

د. أسامة علي بن هامل

رئيس مركز الشيخ أحمد القطعاني للثقافة والدراسات الإسلامية

طرابلس

بلغت قضية السماع أوج تطورها في برنامج “الحضرة” الذي صاغه الأستاذ الكبير عبد السلام الأسمر في 10هـ/ 16م، كما أشرنا في الحلقة الأولى. وقبل الانتقال إلى تفصيلات الموضوع، أتوقف لأكرر ما وثقته مرارا، وقد أطرته العام الماضي، موافقا اليوم، ببيان حمل عنوان: “خطاب مفتوح لكل الزوايا على هامش مزار سيدي عبد السلام الأسمر”، دعوت فيه شيوخ الزوايا إلى إعادة النظر في “الحضرة” في صورتها الحالية، التي يغلب عليها الطابع المشوه كما يُعرض على منصات التواصل الاجتماعي، مستندا في ذلك إلى نصوص الأستاذ الأسمر نفسه من كتبه، والتي أكد فيها أن حال الجذب حال شريف رباني، ولا يمت بأي صلة للحركات البهلوانية التي يقوم بها من يدعي الانتساب زورا للتصوف، ومن ذلك قوله خلال بيانه لشروط إقامة “الحضرة”: “ولا تفعلوا فيها ما تفعله الجهال وأهل البدع ولا ترقصوا فيها متعمدين، اخواني: من رقص فيها بغير جذب فهو من قلال الأدب، ومن صفق فيها متعمدا وركض فلعهودنا وعهود مشايخنا قد نقض، ومن اهتز فيها بغير حالة كشف الله حاله” أ.هــ. وبحمد الله، بدأ معرض الكتاب، أبرز عناصر الموسم السنوي للإمام الأسمر، يتسع عاما بعد عام، مع توقع توسع المواسم المقبلة ليشمل عناصر ثقافية تعزز البعد المعرفي للحضرة.”

وعودا إلى صلب الموضوع، فإن القرن 10هــ/ 16م، يمثل – في تقديري – إحدى اللحظات المفصلية في التاريخ الإسلامي، إذ تداخلت فيه تحولات كبرى على مستويات متعددة: تداعيات سقوط الأندلس بما مثلته من انهيار لواحد من أهم المراكز الحضارية في الغرب الإسلامي، وأفول دولة المماليك في مصر، وما رافق ذلك من اختلال في موازين القوى في المشرق، إلى جانب اضطرابات المجال المغاربي، واستمرار الضغط الصليبي عبر حملات واحتلالات متتابعة، في مقابل صعود القوة العثمانية فاعلا جديدا أعاد رسم الخريطة السياسية.

في خضم هذا التعقيد برزت داخل بنية الفكر الإسلامي شخصيات صوفية اضطلعت بوظائف إصلاحية، بلورت استراتيجيات لحفظ الحد الأدنى من تماسك المجال الديني، وفي ليبيا يأتي في مقدمة هذه الشخصيات أستاذنا الكبير عبد السلام الأسمر، الذي ما زلت أرفض رفضا قاطعا لاختزال شخصيته في مفهوم التصوف المطروح في الدراسات كونه تعبد للانسحاب من الحياة، بل ينبغي قراءته كشخصية فاعلة إصلاحية اشتغلت على أدوات الثقافة والوجدان الجماعي في لحظة تهديد شامل، وهو دور على مركزيته لا يزال للأسف خارج دائرة العناية العلمية الجادة، في مقابل هيمنة قراءات استشراقية أعادت صياغة تاريخ المنطقة من زوايا لا تعكس بنيته الداخلية، وربما لا ألوم غير أبناء الزوايا على اختفاء هذه الأبعاد والمعالم في شخصيته رضوان الله عليه.

في هذا السياق، يمكن فهم “الحضرة كما استقرت في المدرسة الأسمرية، من زاوية أن الإمام الأسمر تعامل معها لا كمعطى جاهز، وإنما اشتغل على تقويمها وإعادة بنائها، حتى صارت عَلَما على طريقته وعنوان على نسقه التربوي والثقافي المتكامل.

ويقتضي التأسيس منا العودة إلى جملة من النصوص التي تكاد تتفق المصادر التاريخية على نقلها، نصوص ترصد بشكل لافت حجم المعارضة التي وُوجه بها الإمام الأسمر في سعيه لإرساء هذا النموذج الجديد من “الحضرة”، فقد أمكنني رصد عدد معتبر من المناظرات التي عقدها معه علماء عصره بما فيهم أستاذه المباشر الشيخ عبد الواحد الدوكالي، وهي مناظرات عند تفكيكها تكشف عن أن جوهر الخلاف انحصر في عنصرين محددين: وهما: استخدام “الدف”، والاجتماع للذكر.

هذه الملاحظة في رصد موطن المعارضة تكتسب أهميتها أكثر في كون المعارضين أنفسهم ينتمون إلى الوسط الصوفي، وهو ما يعني بالضرورة أن “الحضرة” كان معروفة وممارسة، وهو ما يؤكده الإمام الأسمر نفسه في “الوصية الكبرى” من أن شيوخ السلسلة العروسية كانوا يقيمون الحضرة قبله، وعليه فالإشكال لم يكن في الممارسة بل في الإضافات التي أدخلها الإمام الأسمر، وهو ما يؤكده أنه لم يكن يعرض على معارضيه كامل الحضرة بل كان يقتصر في الغالب على إبراز العناصر التي جدد بها بنيتها، وهي استعمال الدف وإنشاد قصائده، بما يدل على وعيه بأن موطن الخلاف يكمن في هذه الإضافات تحديدا، وهو ما حدث أيضا عندما تدخل شيخ شيخه فتح الله بوراس القيرواني، عند أستاذ الدوكالي، فلم يعرض عليهما كامل “الحضرة” بل عناصرها الجديدة، في مشهد يكشف عن لحظة انتقال من نسق تقليدي إلى نسق جديد.

ودون الولوج في تفصيلات ذات طابع صوفي معرفي خالص، فإن أي مقاربة جادة لظاهرة “الحضرة” في بعدها الثقافي، تقتضي الوقوف عند العنصرين اللذين أدخلهما الإمام الأسمر إلى نسقها، وتحليلهما بوصفهما مفصلين تأسيسيين في هذا التحول:

فأما العنصر الأول، وهو “الدف”، ينبغي ربطه بالنص التأسيسي الذي تكاد تتفق على نقله المصادر، والذي يفيد بأن الإمام الأسمر تعرف على الدف لأول مرة أثناء زيارته لمقام أجداده الفواتير بزليتن، حين وجد “طائفة من “المغاربة” يضربون الدفوف وينشدون أشعار ممشاد الدينوري (انظر: تنقيح روضة الأزهار، ص 93)، وهو نص على وجازته، يفرض التوقف عند معطيين دقيقين، وصف الجماعة بالمغاربة، مما يحيلنا إلى فضاء العبور والتداول الثقافي، ثم طبيعة المادة المنشدة، وهي أشعار الدينوري، وهو من أشهر أقطاب التصوف في المشرق الإسلامي في القرن الثالث الهجري، بما يمثله من امتداد مشرقي صريح.

وعليه فإدخال الإمام الأسمر “الدف” في الحضرة يعكس التلاقي بين وسيط مغاربي ومضمون مشرقي، وهو ما يزيد من تعزيزه معطييتن آخرين: الأول/ اختياره تسمية الدف بــ”البندير”، وهي الاسم الأندلسي للدف (pander) في دليل على وعيه بالحمولة التاريخية للمصطلح. والثاني/ اعتماده للإيقاع “البطايحي” عند استخدامه للدف، وهو الإيقاع المعروف في “الحضرة” الي اليوم، ومعروف عند أهل الاختصاص أنه إيقاع أندلسي خالص، ويجعلنا كل هذا أمام ريادة الإمام الأسمر في تبني واعي لمنظومة إيقاعية موسيقية ذات أصول محددة، وليس استخدام عفوي لأي آلة.

وتكتمل القراءة أكثر بالنظر على طبيعة السند المعرفي الصوفي الذي يصرح به الإمام الأسمر كتبه، في “الوصية الكبرى” و”الأنوار السنية في أسانيد الطريقة العروسية”، حيث ينتهي سنده إلى أحمد بن عروس، عن الشيخ فتح الله العجمي الخرساني، ثم يرفع بسلسلة الإسناد إلى ممشاد الدينوري، فهو اتصال معرفي مهم للغاية بالنظر تراجم الشيخ فتح الله العجمي التي تجمع على أنه شخصية صوفية بارزة للغاية وفدت من خرسان على المغرب، ومنهم السخاوي الذي يقول أن العجمي”دخل الْمغرب فِي سنة تسع عشرَة وَثَمَانمِائَة فَأَقَامَ بتونس وَله بهَا مآثر من زَوَايَا وَنَحْوهَا بل بجل الْمغرب، وَصَارَت لَهُ جلالة وشهرة” (ينظر: الضوء اللامع، ج6 ص 167)، مما يكشف عن مسار انتقال معرفي ممتد من خراسان إلى إفريقية، ثم إلى ليبيا.

وبالجملة، فإن ادخال الأسمر الإمام لــ “البندير” وايقاعه في أصله الأندلسي، مع أشعار الدينوري في امتدادها المشرقي، يمثل تركيبا واعيا بين شكل مغاربي ومضمون مشرقي في أفق ثقافي موحد.

ويتجاوز هذا التركيب حدود الأداء على بنية القول الشعري، فللإمام الأسمر نمط شعري خاص به، يمكننا تسميته جدارة بــ”الميزان الأسمري” في الشعر، في ريادة أخرى تصهر التجربة المغربية والمشرقية في بوتقة واحدة. وتفصيل ذلك أن شعر الإمام الأسمر يدور على نمطين رئيسين:

أولهما/ نظام القافية المزدوجة، الذي يوحد قافية الصدر لوحدها والعجز لوحده في كامل القصيدة، وهو نظام يحمل في روحه إلى النزعة التجديدية في المدرسة الأندلسية، كن من حيث الصياغة فهو “بناء أسمري خالص” لا تُعرف له نظائر سابقة. وثانيهما/ نظام الرباعيات، حيث تتوزع القصيدة على ثلاثة أشطر متغيرة القافية في كل وحدة، ورابع ثابت في كامل القصيدة، وهو بناء يقترب من حيث استقرار المعنى ووحدة الموضوع، من نمط أشعار مولانا جلال الدين الرومي، وإن لم يكن نقلا مباشرة إلا أنه يدل على الاشتراك في أفق تعبيري جامع.

ولا أقف بهذه المقاربة بين “الحضرة الأسمرية” و “الحضرة المولوية” عند حدود التشابه المنظور، بل في مستوى أعمق يتصل بما يسميه أهل الاختصاص بوظيفة الوسيط الفني؛ فكليهما استخدم آلة موسيقية موحدة “البندير” عند الإمام الأسمر و “الناي” عن مولانا جلال الدين، وكما يؤدي “الناي” وظيفة الأنين والشكوى، يحمل “البندير” لدى الإمام الأسمر مضمون مماثل عندما تتكثف في قصائده معاني الاستغاثة والشكوى التي تهمين عليها.

هذا هي صورة النسق الأسمري الحضاري لــ”الحضرة” بما يتجاوز الأنماط التقليدية الى أفق أوسع، يجليه العناصر الثاني المضاف في الحضرة، ليكشف عن بعد آخر لا يقل أهمية عما سبق.

العنصر الثاني/ الذي أثار الاعتراض، هو الاجتماع للذكر، ومن المهم التنبيه إلى أن هذا الاجتماع يتخلله إنشاد الأسمر لأشعاره باستخدام “البندير” ولم يقتصر على الذكر فقط. تلك الأشعار بحمد الله حظيت باهتمام كبير من شيخنا القطعاني، إذ حقق أشهر أشعار الإمام الأسمر، وهي “الجوهرة المنثورة” التي يبلغ عدد أبياتها 543 بيتا من الشعر الفصيح، وقال أن الإمام الأسمر “وثق فيها أكثر من 1600 من أعلام الإسلام مفسرين ومحدثين وفقهاء ولغويين وأدباء ومؤرخين وسواهم من أقصى الصين شرقا إلى طنجه غربا إلى أدغال أفريقيا جنوبا بموسوعية خارقة للعادة في زمن لا انترنت ولا تلفزيون ولا تلفون ولا مكتبات تبيع الصحف”، فهذا الاستقصاء يشكل أحد أهم سمات القصائد الأسمرية، مما يعكس مدى سعة أفقه المعرفي ومعرفته الموسوعية لشبكة امتدادات التصوف والعلم الإسلامي في كل أنحاء العالم.

ولشيخنا القطعاني دراسة أخرى عنونها بــ”هويتنا في فكر الشيخ عبد السلام الأسمر” بين فيها منهج الإمام الأسمر في صياغة الأسماء وسبكها مما يفتح أفقا تحليليا واسعا، وهو أنه إذا إذ ذكر شخصيتين في بيت واحد، فإما أن تكونا متعاصرتين وتربطهما قضية واحدة، أو تنتميان إلى مدرسة صوفية واحدة، حتى وإن اختلفت في الزمان والمكان. ومما قال شيخنا القطعاني في دراسته هذه، منبها على السياق التاريخي لمنتجه الشعري: “”في هذه الفترة الحرجة والظروف التي تمس ما هو أهم من حياة الإنسان نفسه أي العقيدة قام هذا الرجل العظيم الشيخ عبد السلام الأسمر لوحده بمسح طبوغرافي شامل يحتاج لجانا أكاديمية متخصصة ومؤسسات وأطنانا من المراجع والوثائق وزمن وتدوين، لقد وثق أسماء العلماء والمتصوفين وذوي الصلاح الليبيين وحفظ هذه الأعلام في ذاكرة الأمة”.

ومما يمكنني لفت الانتباه إليه حول براعة وريادة الإمام الأسمر في شعره، الأوصاف التي يقرنها بالشخصيات في كلمة أو كلمتين لتكشف عن جوهرها، فإذا ما قرأت ترجمة أي شخصية ذكرها لن تخرج عن الوصف الذي يقرنه به، لتكتشف دقته في التوصيف وعمقه في القراءة، ولعله أفق يفرض أسئلة حول: كم قرأ الإمام الأسمر من موسوعات تراجم الإسلام حتى صار بهذه الإحاطة والموسوعية العجيبة؟ وأين قرأها؟.

هذا المنهج الموسوعي يكشف لنا أيضا عن همه العميق بتهديدات الإسلام في زمانه، حين كانت معاول الصليبيين من الإسبان وفرسان القديس يوحنا تهدم أي معلم يمت للإسلام بصلة ليستهدف العقيدة، فينهض الأستاذ الأسمر بهذه المهمة الجليلة في تنظيم أسماء أعلام الإسلام في قصائد سهلة الحفظ والفهم، لتداولها الألسنة ويصدح بها مريدي “الحضرة” في جموع المسلمين وعمومهم، يصون بذلك عقيدتهم وانتماءهم لدينهم. وهذا الشمول، من المشرق إلى المغرب، وهمومه بقضايا العقيدة والإسلام بأنساق جديدة في “الحضرة” لعله يفسر لنا سبب اقبال علماء من مختلف الأقطار لمناقشته ومناظرته، ثم الانخراط في مدرسته، كالعاقب بن أقيث قاضي تنبكتو في مجاهل أفريقيا، وسالم السنهوري من الأزهر، ومحمد الحطاب في الحجاز، وسعيد التطاوني من تونس، وغيرهم، فطالما استوقفني سؤال: أليس في بلدان هؤلاء العلماء من يجمع الناس على الذكر ويضرب “الدفوف” وينشد الأشعار؟!

لا أعرف، ربما أصبت في قراءتي لظاهرة “الحضرة” في بعدها الفكري والثقافي: نسق أسمري جامع للأداء الموسيقي والتوثيق المعرفي والبعد الإصلاحي في اطار مشروع حاضري متكامل يستجيب لظروف القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي. وباعتقادي أن الأسئلة لا تزال تفرض نفسها حول كيفية تحويل الإمام الأسمر لزليتن إلى مركز معرفي ضخم، وحول عمق الخلاف ومضمون المناظرات، وسبب تنقل العلماء إليه من مختلف الأقطار، وسبب تضمين الآلاف من الأسماء في أشعاره، مما يفيد في استكشاف هذه الجوانب بعناية علمية دقيقة لقراءة تصوفنا قراءة ثرية من الداخل، بدلا من الانشغال بهرطقات شارل فيرو وايتوري روسي وبريتشارد ديفانز، وغيرهم الكثير مما بُلينا به.

 

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

المغرب ودروس الحرب..

عمر العمري ما الذي ينبغي للمغرب أن يستفيده من الحرب الدائرة اليوم في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران؟ نحن لسنا بعيدين عن هذه الحرب، ولا توجد دولة في العالم في منأى تام عن ارتداداتها، فمن لم تمسه نيرانها مباشرة، ستبلغه آثارها الاقتصادية والمادية بدرجات متفاوتة، في ظل مسار إقليمي ودولي مفتوح على أكثر […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...