الحرب في الشرق الأوسط: سيناريوهات أولية

3 مارس 2026

محمد الحداد

1- بعد أن نجح نتنياهو في جرّ الولايات المتحدة إلى الحرب، وبالتالي إشعال المنطقة، نتابع أحداثاً لا تختلف كثيراً عمّا شهدناه سابقاً في حرب غزة، وقبلها في حرب العراق. إنها معركة الصواريخ والمسيّرات: الطرف الأضعف عسكرياً يطلق الصواريخ والمسيّرات، بينما يسيطر الطرف الأقوى على الأجواء ويستهدف منصّات الإطلاق. وبعد فترة، تنفد الصواريخ والمسيّرات أو تتعطّل منصّاتها.
غير أنّ المواجهة مع إيران ستستغرق وقتاً أطول، بالنظر إلى العدد الضخم من الصواريخ والمسيّرات التي تمتلكها، ولكونها تصنّعها محلياً. ومن الواضح أنّ إيران وزّعت ترسانتها بين صواريخ بعيدة المدى موجّهة إلى الكيان، وأخرى قصيرة المدى موجّهة إلى المصالح الأميركية في الخليج. ولقد عمدت إلى مجازفة كبرى بإقحام دول الخليج في المواجهة، لأن ذلك قد يفضي إلى دخول قوى أوروبية على خطّ الصراع بحكم اتفاقيات عسكرية سابقة.
2- من الوارد أن يكون ترامب قد أطلق الحرب وهو يستحضر سيناريو فنزويلا: ضرب رأس النظام لفرض واقع جديد يُجبر القيادة المتبقية على القبول بشروطه للتفاوض. هذا ما قد يفسّر تصريحاته في اليوم الأول حول “قيادة جديدة” واستعداده للتفاوض معها. غير أنّ هذا التصوّر يتجاهل البعد العقائدي للصراع في الحالة الإيرانية، كما يتغافل عن مركزية مفهوم الشهادة في الثقافة السياسية الشيعية، وعن خصوصية المجال الشرق أوسطي. لذلك يبدو السيناريو الفنزويلي مستبعداً.
في المقابل، يبدو السيناريو الفيتنامي أكثر استبعاداً أيضاً، أي تسجيل إيران انتصاراً واضحاً على الولايات المتحدة وإسرائيل. فعلى عكس فيتنام، التي كانت مسنودة بقوة من الاتحاد السوفياتي والصين، تبدو إيران اليوم معزولة على المستوى الدولي.
3- يبقى، في تقديري، سيناريوهان ممكنان:
أولاً: السيناريو العراقي، أي سقوط النظام مع عجز الولايات المتحدة عن السيطرة على بلد تفوق مساحته مليون كيلومتر مربع. هذا السيناريو قد يطلق يد الحرس الثوري ليتحوّل إلى شبكة ميليشيات عنيفة ومتحرّرة من الضبط المركزي، وقد يفتح المجال أمام واشنطن للاستحواذ على جزء من عائدات النفط الإيراني، كما تفعل الآن في العراق. كما سيحقق أهداف نتنياهو في إدخال المنطقة في حالة فوضى ممتدّة. وسيكون هذا المسار مؤلماً للشعب الإيراني، وكذلك لدول الجوار العربي وتركيا وقد عانوا من الفوضى العراقية وقد يواجهون فوضى إيرانية أشدّ تعقيداً.
ثانياً: السيناريو المخفَّف، حيث تقبل إيران والولايات المتحدة، بعد مرحلة من التصعيد، بالعودة إلى طاولة التفاوض وإيقاف الحرب. حينها قد يوظّف ترامب ذلك انتخابياً في الاستحقاقات المقبلة (الانتخابات الجزئية في نوفمبر)، بادعاء أنه وجّه ضربة قاسية للقدرات النووية والصاروخية الإيرانية، بينما ستقدّم القيادة الإيرانية الأمر بوصفه صموداً في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل دون سقوط النظام.
4- المؤسف هو وضع العرب الذين يبدون مثل الأيتام على موائد اللئام. وهذه لحظة يمكن أن تتحوّل إلى فرصة لتجاوز الخلافات وتشكيل جبهة عربية ذات وزن استراتيجي في المنطقة، لا تكون محتمية بالولايات المتحدة الأمريكية التي تبيّن محدودية قدرتها على توفير الحماية، ولا مندفعة وراء نزعات دينية متطرّفة كما في إيران. ويزداد هذا الإلحاح في ظلّ ما يواجهه العرب من تحديات أخرى، على رأسها مشروع “إسرائيل الكبرى”، الذي لم يعد مجرّد كلام، بل تُترجم بعض ملامحه ميدانياً منذ السابع من أكتوبر، من خلال توسيع السيطرة على الضفة الغربية وأجزاء من الأراضي السورية، مع احتمالات تصعيد إضافي في جنوب لبنان لاحتلاله نهائيا هذه المرة. كلّ توسع قادم لا يمكن أن يحصل إلاّ باتجاه أراض عربية. إنّ الاستفاقة العربية ضرورة عاجلة، لأن استمرار التشرذم في سياق تحوّلات إقليمية كبرى لن يفضي إلاّ إلى مزيد من التهميش الاستراتيجي.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...