الحرب الإدراكية وهندسة الوعي والتلاعب بالعقول

12 أبريل 2026

علي البلوي

في 11 أبريل 2026، كشفت الكاتبة د. كارولين أور بوينو في دراستها المعنونة بـ “توجيه وزارة الخارجية يشير إلى تحول من مكافحة التضليل إلى الحرب الإدراكية”، عن تحول جذري في العقيدة الأمنية الأمريكية؛ حيث لم تعد الاستراتيجية تقتصر على تصحيح المعلومات، بل انتقلت إلى هندسة البيئة الإدراكية وتشكيل الأطر الذهنية (تشكيل الوعي او احتلال العقل) التي يتم من خلالها استيعاب الواقع.

يتوازى هذا مع ما طرحه مركز الدراسات الاستراتيجية (PSC ON THE HILL) في دراسته الصادرة في مارس 2026 تحت عنوان “الحرب الإدراكية وساحة المعركة من أجل النفوذ الأمريكي”، والتي أكدت أن المعلومات أصبحت سلاحاً يتجاوز الحدود الثقافية، مما يجعل العقل البشري “النطاق السادس” للعمليات السيادية، مضافاً إلى النطاقات الخمسة التقليدية: البري، والبحري، والجوي، والفضائي، والسيبراني.

هذا التحول الاستراتيجي يتعزز اليوم بدخول الذكاء الاصطناعي كلاعب محوري؛ فوفقاً لما أورده الكاتب جون ساكيلارياديس في 9 أبريل 2026، بدأت وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) في دمج “زملاء عمل” من الذكاء الاصطناعي في منصاتها التحليلية.

وصرح نائب مدير الوكالة، مايكل إليس، بأن الوكالة تعتمد على هذه التقنيات لجعل العمل التحليلي أكثر دقة وسرعة في رصد نوايا الخصوم من الدول الأجنبية، كاشفاً عن إصدار أول تقرير استخباري مستقل (ذاتي التنفيذ) في تاريخ الوكالة.

إن سعي الـ (CIA) لامتلاك نسخ سرية من الذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل ذروة دمج التكنولوجيا بمهام التجسس التقليدية للحفاظ على التفوق التقني، لاسيما أمام الصعود الصيني المحموم.

إن دمج هذه الأدوات يهدف في جوهره إلى “صناعة القبول” والتلاعب بالإدراك وبالعقول من خلال استراتيجيات نفسية تعتمد على السلوك البصري والسمعي قبل المحتوى السياسي.

تعتمد هذه الهندسة على “سيكولوجية التباين”؛ كإحدى أهم الركائز التي يقوم عليها الإدراك البشري، حيث لا يعالج العقل المعلومات كقيم مطلقة، بل من خلال علاقاتها النسبية وسياقاتها المقارنة.
وفي الفضاء السياسي والاجتماعي، تُستخدم هذه الآلية كأداة هندسة فكرية لتوجيه الرأي العام حيث يتم إدارة الإدراك عبر وضع شخص هادئ ومنضبط في مواجهة أطراف متوترة، مما يدفع عقل المشاهد تلقائياً للانحياز للطرف الهادئ لارتباط الهدوء في اللاوعي بالصدق والثقة.

كما يتم توظيف “تأثير الهالة” (The Halo Effect) عبر استخدام اللغة الأجنبية أو المصطلحات الأكاديمية لمنح الضيف صبغة “العالمية”، وهو ما يعمل كـ “مثير للمصداقية” (Authority Bias) يجعل الجمهور يميل لتصديق الخبير الذي يبدو منفصلاً عن العواطف المحلية ( كل فرنجي برنجي) وما يعرف بعمليات الأسر الافتراضية للأفكار والمشاعر.

وتكتمل هذه المنظومة باستراتيجية “الضحية المستنيرة”، أو ” المظلومية الاستخباراتية” حيث تخلق جمل مثل “لا تقاطعوني” ” أرجوك امنحني المجال للرد” حالة من المظلومية الإجرائية تولد لدى المشاهد دافعاً غريزياً للتعاطف مع الضيف “المحاصر”، مما يعزز تمرير الرواية السياسية كـ “حقيقة أخلاقية” بدلاً من كونها وجهة نظر.

وتبرز في الفضاء العربي تجليات ميدانية لهذا الصراع تتجاوز حدود المنطق السياسي لتستقر في عمق المختبرات السيكولوجية، حيث تُعد “ظاهرة أحمديان” مختبراً حيّاً لتطبيق نظريات سيكولوجية الإنسان المقهور؛ إذ يتحول الانبهار المبالغ فيه بالمحلل، أو العداء الشخصي المحتدم تجاهه، إلى أعراض سريرية لمجتمع يعاني من تهميش إرادته التاريخية.

إن التركيز على التفاصيل المظهرية الدقيقة للمحلل أو التشكيك في هيئته يمثل آلية “تسخيف دفاعي”؛ وهي محاولة غير واعية لنزع الرهبة عن خطاب سياسي مستفز بوقاره عبر اختزاله في عناصر مادية قابلة للطعن، هرباً من مواجهة الحقيقة المرة في ظل انكسار المشاريع الوطنية.

وفي ظل هذا الاستلاب النفسي، ينجذب المقهور لنبرة “التمكن” رغبةً في التماهي مع “القوي” لتعويض عجزه الذاتي( القط يحب خناقه) ، مما يؤدي إلى استباحة ثقافية تذيب المناعة الوطنية أمام الخطابات العابرة للحدود.

إن الانقسام الجماهيري بين من يرى الأصالة ومن يرى المراوغة يعكس تحول الشاشة إلى “مرآة نرجسية” يرى فيها المقهور انكساراته وخيباته، حيث أعلن هذا السجال نهاية “عصر الفكرة” وبداية “عصر الفرجة والتدنيس الشكلي”.

وكأن العقل العربي، بعدما أرهقته الخرائط المسدودة، قرر شن غاراته الأخيرة على الهوامش الشكلية، في هروب جماعي بعيداً عن جوهر الصراع المعرفي ( نقله من القمة والاستراتيجيات الى المواقع الآسنة والحروب النتنه).

إن السيادة الوطنية اليوم أصبحت مرتبطة بمنع “الاستعمار الذهني” الذي لم يعد بحاجة إلى تحريك جيوش طالما استطاع احتلال المنطق الذي تفكر به الشعوب لخدمة “الهياكل الموازية”، ليصبح الانتصار الحقيقي هو القدرة على حماية الإرادة الوطنية من التذويب في قوالب إدراكية مصطنعة وموجهة تُصنع في مطابخ “الحرب المعرفية” العالمية.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

هل انتصرت إيران؟

عمر العمري لا جدوى من الإغراق في الجدل حول من انتصر في الحرب التي دارت بين إيران وخصومها، لأن العبرة الحقيقية بعد انقضاء الحروب لا تكون بكثرة الادعاءات، وإنما بمن يخرج منها حاصدا للمكاسب والمغانم.. الأكيد أن إيران خرجت من هذه الهدنة (لاتزال هشة)، في محصلتها النهائية، متقدمة في الميزان الاستراتيجي، لأن خصومها لم ينجحوا […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...