4 أبريل 2025 / 23:33

الحدسية: ملامح ديانة جديدة لعصر ما بعد الحداثة

دين بريس ـ سعيد الزياني
يشهد العالم في العقدين الأخيرين، وبشكل متسارع في السنوات الخمس الماضية، تحولا عميقا في تمثل الأفراد للدين والإيمان، وهو تحول لا يُقاس فقط بانخفاض نسب الانتماء المؤسسي للكنائس والمساجد والمعابد، بل يتجلى بالأساس في بروز أنماط جديدة من التدين الشخصي الذي يقوم على الحدس والتجربة الذاتية والتصوف العرفاني.

ولم يعد الدين بالنسبة لكثير من الأفراد تعبيرا عن التزام عقائدي موروث، بل أصبح بحثا ذاتيا عن المعنى، ووسيلة لمداواة القلق الوجودي والانفصال الروحي الذي خلفته أنماط العيش المعاصرة.

وفقا لتقرير صادر عن مركز Pew Research Center في نهاية عام 2024، فإن نسبة من يصفون أنفسهم بأنهم “روحيون ولكن غير متدينين” (Spiritual But Not Religious) في الولايات المتحدة بلغت 42% في الفئة العمرية بين 18 و30 عاما، وهي النسبة الأعلى منذ بدء تسجيل هذا المؤشر.

وتشير دراسة Gallup الصادرة في مارس 2025 إلى أن ثلث البالغين الأمريكيين لا ينتمون لأي ديانة مؤسسية، ولكن 60% من هؤلاء يصرحون بممارستهم لنوع من التأمل أو الصلاة أو الاتصال الروحي بكيان أعلى.

وتشير تقارير أخرى من مؤسسات مثل Barna Group وReligionWatch إلى أن الظاهرة لا تقتصر على الولايات المتحدة، بل تمتد إلى أوروبا وكندا وأستراليا، حيث تتراجع معدلات الحضور إلى الكنائس مقابل تصاعد ممارسات اليوغا التأملية، والتصوف الفردي، وقراءة النصوص الروحية من خارج الإطار العقائدي التقليدي.

اللافت في هذه التحولات أنها لا تعني التخلي عن الإيمان، بل إعادة تعريفه، ويتخذ الدين هنا شكلا حدسيا، شخصيًا، لا مركزيا، يتجاوز المؤسسات والكهنوت، ويعتمد على التجربة الفردية في إدراك “المقدّس”.

وتصاعد هذه الموجة الحدسية يتقاطع بشكل مثير مع عودة الاهتمام بالتصوف الإسلامي والبوذي واليهودي والمسيحي، ولكن هذه المرة بوصفه مشروعا معرفيا وليس مجرد طقس تعبدي.

ويُقرأ التصوف اليوم في كبريات الجامعات الغربية مثل هارفارد وستانفورد وسواس (SOAS) بوصفه مدرسة فلسفية في فهم الإنسان والوجود والعلاقة مع المطلق، وقد نشرت جامعة كامبريدج في أوائل 2025 دراسة تحليلية لاهتمام الأوساط الأكاديمية الغربية المتزايد بابن عربي والحلاج والسهروردي، مشيرة إلى أن هذه النصوص تُستخدم اليوم كمنطلقات لتحليل مفاهيم الذات، والعدم، والتجلي، والوجود.

إن التحول نحو التصوف لا يتم فقط من خلال الزوايا والمساجد أو المؤسسات الدينية، بل من خلال مختبرات الفلسفة والدراسات النفسية، لقد أصبح العرفان الصوفي، لا سيما في تجلياته الذوقية والمعرفية، نموذجا يلبي حاجات النفس المعاصرة التي سئمت الخطابات العقائدية والفقهية الجافة.

وفي تقرير نشره معهد Templeton World Charity Foundation عام 2024، تم التأكيد على أن “التجربة الصوفية” تُعد من أكثر الطرق فعالية في توفير الإحساس بالسكينة والاندماج الكوني لدى الأفراد الذين يعانون من القلق والاكتئاب وفقدان المعنى.

وليس من المصادفة أن يعيد جيل جديد من المفكرين قراءة التراث الصوفي على ضوء قضايا الإنسان الحديث، من العزلة إلى الذكاء الاصطناعي، ومن الخوف الوجودي إلى تقنيات التأمل والتفكر، وفي هذا الإطار، تُستخدم مفاهيم مثل “الفيض”، و”السفر الداخلي”، و”محو الأنا”، في قراءات حديثة تعيد ربط الدين بالمعرفة، وتعيد ربط الروح بالعالم، دون الحاجة إلى وسيط مؤسسي.

ويُنظر اليوم إلى التصوف، في ظل هذا التحول، ليس فقط كممارسة روحانية، بل كمصدر لإنتاج معرفة بديلة، حية، متحركة، ضد الجمود الدوغمائي.

وكما جاء في دراسة جامعة شيكاغو المنشورة في مجلة Journal of Religion and Spirituality في يناير 2025، فإن “الوعي الصوفي” يقدم نموذجا إدراكيا يتجاوز الانقسام الثنائي بين الدين والعلم، بين القلب والعقل، ويتيح للإنسان الحديث أن يبني علاقة بالكون تقوم على التواضع المعرفي، والاتصال الحدسي، والانفتاح الوجودي.

إننا إزاء تحول ثقافي وروحي عميق يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمقدّس، ويفتح أفقا جديدا لفهم الدين خارج حدود الانتماء الطائفي والانغلاق المذهبي، هذا التحول ليس رجوعا إلى الوراء ولا ثورة على الدين، بل هو سعي متجدد لالتقاط النور الخفي في داخل كل كائن، حيث الإيمان يبدأ من الداخل، ويتغذى من الحضور، لا من الشعارات.