الجغرافيا الرياضية والهوية القلقة: المشرق والمغرب في مرآة “كأس العرب” لكرة القدم
محمد أحدو
كشفت المنافسات الرياضية الأخيرة في “كأس العرب” لكرة القدم ، من خلال بعض الخرجات الاعلامية المواكبة لهاته التظاهرة الرياضية وتصريحات المشجعين وهتافاتهم للتحدي (هاتو المغرب ) وإن كانت بعفوية حماسية رياضية، عن طبقات مخفية من النزعات الهوياتية، حيث تجاوز التنافس حدود المستطيل الأخضر ليتحول إلى مرآة تخفي تميزاتٍ مضمرة بين عرب المشرق وعرب شمال إفريقيا.
هذه النزعات، التي تضع أحياناً المشرق في خانة “الأصل” أو “الأكثر عروبة” وتنظر لمغربه بنوع من التوجس أو التقليل من “الوزن العروبي”، ليست وليدة اللحظة الرياضية العابرة، بل هي امتداد لبنية ذهنية تاريخية تجد جذورها في سجالات فكرية كبرى. ولعل أبرز تجليات هذا التمايز يظهر في المناظرة الفكرية التاريخية بين الراحلين محمد عابد الجابري وجورج طرابشي؛ حيث أسس الجابري أطروحته على وجود قطيعة إبستمولوجية بين مشرق غارق في “العرفان” والغنوصية، ومغرب إسلامي انتصر لـ “البرهان” والعقلانية الرشدية، معتبراً أن النهضة الحقيقية ولدت في المغرب والأندلس كاستجابة لنقد العقل المشرقي المستقيل. وفي المقابل، انبرى طرابشي لتفكيك هذه الرؤية، معيداً الفضل في انطلاقة العقل العربي إلى المشرق العباسي، وتحديداً إلى حركة الترجمة في عهد المأمون، معتبراً أن تقسيم العقل إلى “مشرقي” و”مغربي” هو نوع من “الإيديولوجيا” التي تفتت الوحدة الفكرية.
إن استعادة هذا النقاش اليوم في سياق رياضي التي يبديها بعض الاعلاميين المشارقة والجمهور الرياضي في الخليج وبلاد الشام توضح كيف أن الحساسية المشرقية تجاه التميز المغربي ما زالت قائمة؛ فبينما يرى المشرق في نفسه مركز الثقل التاريخي واللغوي، يصر المغرب العربي على خصوصيته الثقافية وانفتاحه العقلاني الذي يجعله عصياً على الاحتواء التام ضمن قوالب المشرق التقليدية.
إن تجاوز هذه النظرة التمييزية يتطلب الاعتراف بأن العروبة ليست درجات من “الوزن” أو “النقاوة”، بل هي فضاء حضاري يتنفس برئتين: عراقة المشرق وريادته في التأسيس، وحيوية المغرب وعقلانيته في النقد والتطوير، وهو ما يجعل من التنوع مصدر قوة لا سبباً في إثارة الحفيظة أو تعميق الانقسام.
التعليقات