التعايش في الفكر الإسلامي المغربي.. رؤية مقاصدية لمواجهة الكراهية والتطرف

10 مايو 2026

الشيخ الصادق العثماني ـ أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية
في زمنٍ تتكاثر فيه الأسئلة القلقة حول معنى الإنسان، وتتراجع فيه قيم الحوار أمام صعود العصبيات القومية والدينية والثقافية، يبدو الحديث عن التعايش والتسامح ليس ترفاً فكرياً ولا خطاباً أخلاقياً حالماً، بل ضرورة وجودية لحماية المجتمعات من التفكك والانهيار.

لقد دخل العالم مرحلة دقيقة أصبحت فيها الهويات المتشنجة أكثر حضوراً من الهويات المنفتحة، وغدت الشوفينية خطاباً انتخابياً مشروعاً في كثير من الديمقراطيات الغربية، بل إن لغة الخوف من الآخر صارت تستثمر سياسياً وإعلامياً وثقافياً بطريقة غير مسبوقة.

وهذا التحول يكشف أن الحداثة المادية وحدها لم تستطع أن تؤسس إنساناً متسامحاً، ولا أن تبني وعياً أخلاقياً قادراً على إدارة الاختلاف بصورة حضارية. فالعالم الذي ظن بعد الحروب الكبرى أنه تجاوز أحقاد الهوية، عاد ليكتشف أن الإنسان المعاصر ما يزال يحمل في داخله قابلية الانغلاق والكراهية والإقصاء، وأن التقدم العلمي لا يساوي بالضرورة تقدماً في القيم.

وسط هذا المشهد العالمي المتوتر، يبرز المغرب بوصفه نموذجاً حضارياً مختلفاً في فهم التعايش وإدارة التنوع. وليس الأمر هنا مجرد خطاب سياسي أو دعاية ثقافية، بل يتعلق ببنية تاريخية وروحية عميقة تشكلت عبر قرون طويلة من التفاعل بين الأعراق والثقافات والأديان.

فالمغرب لم يبن هويته على الإقصاء، وإنما على التركيب الحضاري الذي استطاع أن يحول التنوع إلى مصدر غنى لا إلى سبب صراع. ولذلك فإن “عبقرية العيش المشترك” في المغرب ليست حدثاً عابراً، بل فلسفة حضارية متجذرة في الوعي الجماعي للأمة المغربية.

إن سؤال التسامح في المغرب لا يمكن فهمه بعيداً عن الخلفية الإسلامية المقاصدية التي صنعت الشخصية المغربية عبر التاريخ. فالإسلام في جوهره ليس دين إلغاء للآخر، بل دين اعتراف بالاختلاف بوصفه سنة كونية.

والقرآن الكريم حين تحدث عن التعدد لم يعتبره خطأً في الخلق، وإنما جزءاً من حكمة الله في بناء العالم: ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين﴾. فالاختلاف في الرؤية الإسلامية ليس لعنة ينبغي استئصالها، بل حقيقة إنسانية ينبغي تدبيرها بالعدل والحكمة والرحمة. ومن هنا نشأت الفلسفة الإسلامية في التعامل مع الآخر على قاعدة التعارف لا التصادم، وعلى أساس الكرامة الإنسانية لا الهيمنة العرقية أو الدينية.

وقد استطاع المغرب أن يترجم هذه الرؤية القرآنية إلى تجربة اجتماعية وتاريخية ملموسة. فمنذ قرون تعايش المسلمون واليهود داخل المجال المغربي في إطار من الاحترام المتبادل، وكانت المدن المغربية فضاءات للتفاعل الحضاري والثقافي، لا معسكرات مغلقة للحروب الهوياتية. ولم يكن هذا التعايش قائماً على ذوبان الخصوصيات، وإنما على الاعتراف المتبادل بالاختلاف داخل إطار الوحدة الوطنية والحضارية.

ولذلك فإن التجربة المغربية تختلف عن بعض النماذج الغربية التي قامت على مفهوم “التسامح البارد” القائم على التعاقد القانوني فقط، بينما التعايش المغربي تأسس على بعد روحي وأخلاقي عميق جعل قبول الآخر جزءاً من التدين الشعبي والثقافة المجتمعية.

وقد تجسد هذا البعد الحضاري للتعايش في المغرب في محطات تاريخية معاصرة ذات رمزية عالمية، تؤكد أن فلسفة التسامح في المغرب لم تبق مجرد خطاب فكري، بل تحولت إلى ممارسة سياسية وروحية وثقافية. ومن أبرز هذه المحطات الزيارة التاريخية التي قام بها البابا يوحنا بولس الثاني إلى المغرب سنة 1985 بدعوة من الملك الحسن الثاني، في لحظة كانت العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب تعرف توترات فكرية وسياسية كبيرة.

وقد شكل ذلك الحدث سابقة تاريخية في العالم الإسلامي، حيث خاطب البابا آلاف الشباب المغاربة في الدار البيضاء، مؤكداً أن المسلمين والمسيحيين يشتركون في قيم روحية وإنسانية كبرى. ولم تكن تلك الزيارة مجرد مجاملة دبلوماسية، بل كانت إعلاناً حضارياً بأن الدين يمكن أن يكون جسراً للحوار لا أداة للصراع، وأن المغرب يمتلك من العمق الروحي والثقة الحضارية ما يجعله قادراً على احتضان الاختلاف الديني دون خوف أو انغلاق.

وتواصل هذا المسار في عهد الملك محمد السادس من خلال الزيارة الرسمية التي قام بها البابا فرنسيس إلى المغرب سنة 2019، والتي حملت رسائل إنسانية عميقة في سياق عالمي يشهد تصاعد خطابات الكراهية والشعبوية الدينية.

وقد أكد الطرفان خلال تلك الزيارة على أهمية حماية الحرية الدينية وترسيخ ثقافة الحوار والتعايش، كما وقعا “نداء القدس” الذي شدد على ضرورة الحفاظ على الطابع الروحي والحضاري المتعدد لمدينة القدس باعتبارها فضاءً للتلاقي بين الديانات السماوية. وكانت تلك الزيارة تأكيداً جديداً على أن المغرب لا يقدم نفسه فقط باعتباره بلداً متسامحاً، بل باعتباره فاعلاً حضارياً يسعى إلى المساهمة في بناء السلام الروحي العالمي.

وفي السياق نفسه، يبرز “إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية” باعتباره من أهم الوثائق الفكرية والفقهية المعاصرة في العالم الإسلامي، حيث جمع نخبة من العلماء والمفكرين المسلمين من مختلف الدول لمناقشة قضية حقوق الأقليات الدينية في المجتمعات الإسلامية.

وقد استند الإعلان إلى صحيفة المدينة المنورة بوصفها أول وثيقة دستورية في الإسلام نظمت العلاقة بين مكونات المجتمع المتعدد دينياً وعرقياً، مؤكداً أن حماية الأقليات واحترام حرياتهم الدينية ليست مفهوماً مستورداً من الحداثة الغربية، بل جزء أصيل من المقاصد الكبرى للشريعة الإسلامية. وقد شكل هذا الإعلان محاولة فكرية جادة لتجديد الوعي الإسلامي بقيم المواطنة والتعدد والكرامة الإنسانية، في مواجهة التيارات المتشددة التي اختزلت الدين في منطق الإقصاء والتكفير.

إن الفلسفة المقاصدية الإسلامية تقدم أساساً بالغ الأهمية لفهم معنى التسامح الحقيقي. فمقاصد الشريعة الكبرى، وفي مقدمتها حفظ الدين والنفس والعقل والكرامة والحرية، لا يمكن أن تتحقق في مجتمع تسوده الكراهية والإقصاء. فالتسامح ليس مجرد فضيلة أخلاقية اختيارية، بل شرط من شروط العمران الإنساني.

وقد أدرك علماء الإسلام الكبار أن استقرار المجتمعات لا يتحقق بالقهر، وإنما بالعدل والتوازن واحترام التنوع. ولذلك نجد أن الفقه الحضاري المغربي ظل عبر تاريخه أقرب إلى الاعتدال والوسطية، بعيداً عن الغلو والتشدد. كما أن التصوف السني المغربي لعب دوراً محورياً في ترسيخ قيم المحبة والتسامح والتزكية الروحية، إذ لم يكن التصوف في المغرب مجرد ممارسة فردية، بل مدرسة أخلاقية ساهمت في تهذيب المجتمع وتقوية روح التعايش داخله.

وفي الوقت الذي تتجه فيه بعض المجتمعات المعاصرة نحو صناعة “العدو الداخلي” عبر تأجيج الصراعات الثقافية والدينية، يقدم المغرب نموذجاً مختلفاً يقوم على إدارة التنوع ضمن إطار الوحدة الجامعة. فالهوية المغربية ليست هوية مغلقة، بل هوية مركبة تتداخل فيها الأبعاد العربية والأمازيغية والإفريقية والأندلسية والإسلامية والمتوسطية.

وهذه التركيبة لم تُنتج انفجاراً هوياتياً، بل أنتجت قدرة استثنائية على استيعاب الاختلاف. ومن هنا تتجلى عبقرية المغرب في أنه لم يجعل الهوية سجناً، بل جعلها جسراً للتواصل الحضاري.

إن أزمة العالم اليوم ليست فقط أزمة سياسية أو اقتصادية، بل هي في العمق أزمة معنى. فالإنسان المعاصر يعيش فراغاً روحياً وأخلاقياً جعله أكثر قابلية للخوف والكراهية والانغلاق. وعندما يغيب المعنى تتحول الهويات إلى أدوات صراع بدل أن تكون أدوات تعارف.

ولهذا فإن خطاب التسامح لا ينبغي أن يبقى مجرد شعارات دبلوماسية، بل يجب أن يتحول إلى مشروع تربوي وثقافي وفلسفي يعيد بناء الإنسان من الداخل. والمغرب يمتلك في هذا المجال رصيداً حضارياً يمكن أن يقدمه للعالم بوصفه نموذجاً للتوازن بين الأصالة والانفتاح.

لقد أثبتت التجارب التاريخية أن المجتمعات التي تبنى على الكراهية تحمل بذور انهيارها داخلها، بينما المجتمعات التي تؤسس وجودها على الاعتراف المتبادل تكون أكثر قدرة على الاستمرار والاستقرار. فالحضارة ليست قوة مادية فقط، بل قدرة أخلاقية على إدارة الاختلاف. ومن هنا فإن قيمة المغرب الحضارية لا تكمن فقط في موقعه الجغرافي أو تاريخه السياسي، بل في نجاحه النسبي في بناء نموذج للعيش المشترك داخل عالم مضطرب.

إن فلسفة التعايش في المغرب ليست إنكاراً للاختلافات، وإنما هي وعي بأن التنوع يمكن أن يكون مصدر قوة إذا تمت إدارته بالحكمة والعدل. ولذلك فإن التسامح في التصور الإسلامي المغربي لا يعني الذوبان ولا التنازل عن الثوابت، بل يعني الارتقاء الأخلاقي الذي يسمح للإنسان بأن يحترم حق الآخر في الوجود والاختلاف.

فهناك فرق كبير بين التسامح القائم على الضعف والتسامح القائم على القوة الأخلاقية. والمغرب عبر تاريخه الطويل مارس هذا النوع الثاني من التسامح الذي ينبع من الثقة في الذات الحضارية لا من عقدة الخوف.

وإذا كان العالم يعيش اليوم عودة “الوحش الهوياتي” كما يصفه بعض المفكرين، فإن الحاجة أصبحت ملحة لاستحضار النماذج الحضارية التي استطاعت أن توازن بين الوحدة والتعدد. والمغرب في هذا السياق ليس مجرد استثناء جغرافي، بل تجربة فكرية وإنسانية تستحق التأمل.

فقد أدرك مبكراً أن الدولة القوية ليست هي التي تفرض التشابه القسري، وإنما التي تدير الاختلاف ضمن مشروع وطني جامع. كما أن التجربة المغربية تكشف أن التدين المعتدل يمكن أن يكون عاملاً للاستقرار والتعايش، لا سبباً للصراع والانقسام كما تحاول بعض الخطابات المتطرفة أن تصوره.

إن التحدي الحقيقي أمام المغرب اليوم ليس فقط الحفاظ على هذا النموذج، بل تطويره ليصبح أكثر قدرة على مواجهة تحولات العصر. فالعولمة الرقمية، والهجرات الكبرى، وصعود الشعبويات، كلها عوامل تفرض إعادة التفكير في مفهوم التعايش داخل المجتمعات الحديثة. ولذلك فإن المطلوب هو الانتقال من التسامح بوصفه مجرد قيمة أخلاقية إلى اعتباره فلسفة حضارية متكاملة تدخل في التعليم والإعلام والثقافة والسياسات العمومية.

وفي الختام، فإن المغرب حين يقدم نفسه نموذجاً للعيش المشترك، فإنه لا يدعي الكمال، فكل التجارب الإنسانية تبقى نسبية وقابلة للنقد والتطوير، لكنه يقدم برهاناً عملياً على أن التعايش ليس وهماً مستحيلاً، وأن المجتمعات تستطيع أن تبني وحدتها دون أن تقتل تنوعها. وهذه الرسالة الحضارية تكتسب اليوم أهمية استثنائية في عالم يتجه نحو مزيد من الانقسام والاستقطاب.

لقد صار العالم في حاجة إلى حكمة أخلاقية تعيد للإنسان إنسانيته قبل أن يتحول الاختلاف إلى حرب دائمة. ومن هنا تتجلى القيمة الفكرية والفلسفية للتجربة المغربية؛ لأنها تؤكد أن الهوية ليست مشروع كراهية، وأن الدين يمكن أن يكون جسراً للرحمة لا وقوداً للصراع، وأن التعايش ليس مجرد خيار سياسي مؤقت، بل ضرورة حضارية لبقاء الإنسان نفسه.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...