التطرف الصامت.. تفكيك بنية العقول المفخخة في ضوء المقاصد الشرعية

5 أبريل 2026

الشيخ الصادق العثماني – أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية
في عالمٍ يتسارع فيه التحوّل وتتشابك فيه الهويات والمصالح، لم يعد التطرف حادثةً طارئة يمكن ردّها إلى سلوكٍ عنيفٍ معزول، بل أصبح بنيةً فكريةً عميقة تتسلل إلى الوعي وتعيد تشكيله من الداخل. لقد صار الخطر الحقيقي لا يكمن في السلاح الذي يُحمل، بل في الفكرة التي تُحمَل، ولا في الضجيج الذي يُسمع، بل في الصمت الذي يُخفي تحت سطحه قابلية الانفجار.

ومن هنا، فإن أكبر وهمٍ منهجيٍّ هو الاعتقاد بأن تراجع مظاهر العنف يعني بالضرورة تراجع التطرف، بينما الحقيقة أن العنف قد يخبو، لكن الفكرة قد تبقى، بل وقد تزداد رسوخًا حين تنتقل من الفعل إلى البنية الذهنية.

إن الإشكال الجوهري الذي ينبغي التنبه له هو أن التطرف لا يبدأ من اليد، بل من العقل؛ ولا يتحقق في السلوك إلا بعد أن يستقر في التصور. ولذلك فإن من يترك العنف لا يكون بالضرورة قد غادر التطرف، لأن الانفصال عن الوسيلة لا يعني سقوط الغاية، والتخلي عن الأداة لا يساوي التحرر من منطقها. وهنا تتبدى الحاجة إلى التمييز العميق بين الانفصال عن العنف ونزع التطرف، فالأول قد يكون ظرفيًا أو تكتيكيًا، أما الثاني فهو تحوّل في بنية الوعي يعيد ترتيب العلاقة مع الذات والآخر والحقيقة.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم ظاهرة أخطر من العنف نفسه، وهي ما يمكن تسميته بـ”العقول المفخخة”. فليس بالضرورة أن تكون المتفجرات ألغامًا أو قنابل أو أحزمة ناسفة، بل قد تكون عقولًا مشحونةً بتصورات مدمّرة، يكون خطرها أشد وأثرها أعمق.

لقد شهدت العقود الماضية عمليات تفخيخ ممنهجة للعقول، خاصة لدى فئات من الشباب، حيث زُرعت فيهم أفكار تُقصي الآخر وتُبرر العنف وتُلبسه لبوس القداسة. ولم تعد شظايا هذا التفخيخ مقتصرة على ميادين القتال، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، حيث تتجلى في لغة السبّ والشتم، وفي توزيع التهم، وفي إنتاج خطاب كراهية يُعيد تعريف الآخر بوصفه عدوًا وجوديًا.

إن هذه العقول المفخخة لا ترى العالم إلا بلون واحد، ولا تعترف بوجود إنساني خارج دائرتها الضيقة، بل قد تسلب الآخر حتى صفة الإنسانية، فضلًا عن الانتماء الديني. إنها عقول بُرمجت على قاعدة ثنائية حادة: من لم يكن معنا فهو ضدنا، ومن لم ينتمِ إلينا فهو مستحق للإقصاء.

وفي هذه البنية الذهنية، يُعاد تعريف القيم، فيُصبح العنف جهادًا، والكراهية ولاءً، والإقصاء حفاظًا على الهوية، بل قد يُتصور أن طريق الجنة مفروش بجثث الآخرين، وأن إبادتهم ضمانٌ للخلاص. وهنا يبلغ التطرف ذروته، حين يتحول من سلوك منحرف إلى وعي مقلوب.

هذا النمط من التفكير لا يمكن فهمه إلا في ضوء اختلال عميق في العلاقة مع النص الديني، حيث يُفصل النص عن مقاصده، وتُقرأ الجزئيات بمعزل عن كلياتها، فيتحول الدين من مشروع هداية إلى أداة صراع.

وقد جاء القرآن ليحذر من هذا الانحراف حين قال: “يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر”، مؤسسًا لمبدأ رفع الحرج، ومؤكدًا أن الشريعة في جوهرها رحمة لا قسوة. كما قال تعالى: “ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين”، فجعل العدوان مرفوضًا حتى في سياق الصراع المشروع.

وفي السنة النبوية، تتجلى هذه الرؤية بوضوح حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والغلو في الدين»، محذرًا من تحويل الالتزام إلى تشدد، ومن التدين إلى تطرف. كما قال: «يسروا ولا تعسروا»، وهو توجيه يضع التيسير في قلب المنهج الإسلامي، في مواجهة كل نزعة تضييق أو إقصاء.

إن التطرف، في جوهره، ليس مجرد انحراف سلوكي، بل هو خلل في إدراك المقاصد، حيث تُقدَّم الوسائل على الغايات، وتُختزل الشريعة في مظاهرها دون روحها.

ولذلك فإن المقاربة المقاصدية تمثل مدخلًا أساسيًا لتفكيك هذا الخلل، لأنها تعيد ربط الأحكام بغاياتها، وتُخضع الفهم لمعيار تحقيق المصالح ودرء المفاسد. فكل تصور يُفضي إلى هدم النفس أو العقل أو المجتمع، لا يمكن أن يكون منسجمًا مع مقاصد الشريعة، مهما استند إلى ظاهر النص.

وفي هذا الإطار، تتبدى مركزية مفهوم الوسطية، الذي عبّر عنه القرآن بقوله: “وكذلك جعلناكم أمة وسطا”، فالوسطية ليست موقعًا جغرافيًا بين طرفين، بل هي حالة من التوازن المعرفي والأخلاقي، تمنع الانزلاق نحو الغلو أو التفريط. إنها وعيٌ يرفض الاختزال، ويحتضن التعقيد، ويُبقي الإنسان في حالة انفتاح على الحقيقة دون أن يدّعي امتلاكها الكامل.

غير أن هذا الوعي لا يتشكل في الفراغ، بل يحتاج إلى بيئة حاضنة، تتكامل فيها التربية مع العدالة، والتعليم مع الخطاب، والسياسة مع القيم. فحيث يشعر الإنسان بالظلم أو الإقصاء، تزداد قابليته لتبني أفكار متطرفة تمنحه شعورًا زائفًا بالقوة والانتماء. وهنا تتداخل العوامل الفكرية والاجتماعية في إنتاج ظاهرة معقدة لا يمكن اختزالها في بعد واحد.

إن أخطر ما في العقول المفخخة أنها قد تظل كامنة، لا تُظهر عنفًا مباشرًا، لكنها تحتفظ بكل مبرراته، وتنتظر لحظة مناسبة لتفجيره. وهذا ما يجعل الاكتفاء بقياس التراجع في العمليات العنيفة مؤشرًا مضللًا، لأنه يغفل التحولات التي تجري في العمق. فالسؤال الحقيقي ليس: هل توقّف العنف؟ بل: هل تفككت البنية التي تُنتجه؟

وفي هذا السياق، يكتسب الحديث النبوي: «ألا وإن في الجسد مضغة…» دلالةً خاصة، لأنه يربط بين صلاح الداخل وصلاح الخارج، ويؤكد أن التغيير الحقيقي يبدأ من القلب، أي من مركز الوعي القيمي. فإذا لم يُعالج هذا المركز، فإن كل إصلاح يظل سطحيًا، عرضةً للانتكاس.

إن مواجهة التطرف، إذن، ليست معركةً ضد أفراد، بل ضد أنماط من التفكير، وليست صراعًا مع مظاهر، بل مع جذور. وهي معركة لا تُحسم بالقوة وحدها، بل بالفكر الذي يُعيد بناء الإنسان، ويحرره من الخوف والكراهية، ويمنحه القدرة على التعايش مع الاختلاف دون أن يشعر بالتهديد.

وفي النهاية، فإن العقول المفخخة أخطر من القنابل، لأن القنبلة تنفجر مرة، أما العقل المفخخ فقد يُنتج انفجارات لا تنتهي. وإذا كان تفكيك المتفجرات يحتاج إلى خبرة تقنية، فإن تفكيك العقول يحتاج إلى مشروع حضاري، يعيد وصل الإنسان بمقاصد دينه، ويحرره من القراءة الضيقة، ويؤسس لوعيٍ يرى في الاختلاف سنّة، وفي الرحمة أصلًا، وفي العدل غاية.

عندها فقط يمكن القول إننا لم نُخمِد العنف فحسب، بل نزعنا فتيل التطرف من جذوره.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

لم يعد للأقصى رب يحميه..

أثار منع شرطة الاحتلال الإسرائيلي، الأحد الماضي، بطريرك الكنيسة اللاتينية في القدس من دخول كنيسة القيامة في البلدة القديمة لترؤس قداس أحد الشعانين، موجة واسعة من الغضب في الأوساط السياسية والدينية، وفتح الباب أمام تفاعل كبير على منصات التواصل الاجتماعي. ولم تلبث الواقعة أن خرجت من نطاقها الميداني الضيق لتتحول إلى قضية ذات بعد دبلوماسي، […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...