الإنسان والبيئة في الإسلام على ضوء قيم الارتفاق والسماحة: قراءة في طرح الدكتور محمد الناصري

8 فبراير 2026

أحمد المهداوي/كاتب صحافي
اليوم، وفي ظل التحديات العالمية التي تواجه الإنسان، وعلى رأسها التغيرات البيئية وتداعياتها، بات من الضروري فتح نقاش معمق حول العلاقة التفاعلية بين الإنسان والبيئة، وهي التي لم تعد مجرد إطار طبيعي يحتضن النشاط الإنساني وحسب، بل تعدت ذلك إلى كونها أصبحت شريكاً متأثراً ومؤثراً في الكينونة البشرية وحضارتها، هذه العلاقة تعود إلى الواجهة مع كل تغير بيئي طارئ مستدعية نقاشاً قديماً/حديثاً يتمحور حول إعادة بناء علاقة متوازنة بين الإنسان وبيئته، خاصة أمام التحديات المتفاقمة والتي تنعكس سلباً على هذه العلاقة التي يفترض أن تقوم وتنبني على مبدأ الاستدامة والمسؤولية الأخلاقية.

على ضوء هذه العلاقة الجدلية بين البيئة والإنسان يقدم الدكتور محمد الناصري، أستاذ الفكر الإسلامي بجامعة السلطان مولاي سليمان-المغرب، قراءة تفسيرية لهذه العلاقة؛ وهل هي علاقة تسخير إذلالي أو هي علاقة تسخير فطري ودود ، هذه القراءة تنطلق من الرؤية الإسلامية للعلاقة بين الإنسان والبيئة من خلال مبدأي الارتفاق والسماحة بوصفهما أساساً أخلاقياً وتشريعياً لتنظيم هذه العلاقة.

الإنسان وِفق التصور الإسلامي ليس مالكاً مطلقاً للطبيعة، وإنما مؤتمن من باب الاستخلاف؛ وهي الوظيفة الموكلة إليه وحمّله الله إياها، تشريفاً وتكليفاً، وعلى قدر التشريف كان التكليف بأن جعله مكلفاً بإدارة العلاقة بينه وبين الطبيعة إدارة رشيدة تقوم على التوازن والعدل والانتفاع غير المضر والمفسد.

انطلاقاً من هذا التصور، تبرز العلاقة التكاملية بين الإنسان والبيئة باعتبارها ركناً لا غنى عنه لضمان قيام الاستخلاف على الوجه الأمثل، وهذا ما يؤكده الدكتور الناصري في قراءته لهذه العلاقة حيث يؤكد على ضرورة رعاية البيئة وحمايتها من كل أشكال الفساد والاعتداء باعتبار هذا يدخل في المقاصد الكلية التي رسخها الإسلام (قرآناً وسنّة)، بوصفها جزءً لا يتجزأ من مهمة الاستخلاف التي أناطها الله بالإنسان، فالإنسان ليس كائناً متسلطاً على الكون وإنما هو مستخلف فيه كما سبقت الإشارة إلى ذلك، هذا الإنسان محكوم بضوابط شرعية وأخلاقية تضبط علاقته بمحيطه الطبيعي.

وينطلق الدكتور الناصري من التأكيد على أن النصوص الشرعية زاخرة بالتوجيهات التي تدعو إلى تحقيق التوازن والانسجام بين الإنسان والبيئة، لأن هذا التوازن شرط أساس للقيام بوظيفة الاستخلاف على الوجه الأكمل، فالإسلام، من خلال منظومته القيمية التشريعية، يرسخ رؤية كونية تقوم على احترام الكون وصيانته، باعتباره مخلوقاً لله، لا مجرد مادة صماء قابلة للاستنزاف بلا حدود؛ فالكون هيأه الله أصلا ليسخره الإنسان، وأعطاه العقل القادر على التسخير .

وفي مقابل هذا التصور الإسلامي، يبرز الدكتور الناصري خطورة الوضع البيئي المعاصر، الذي يزداد قلقه يوماً بعد آخر ما يشكل تهديداً حقيقياً على الإنسانية جمعاء “فلا أحد ينكر أن البيئة في زمننا المعاصر في أزمة، فمشكلات البيئة أصبحت تهدد الإنسان والحيوان والنبات؛ في الأرض والبحر” ، حيث أصبحت البيئة، تحت وطأة التسخير الإذلالي إذ “غلا الإنسان المعاصر في استغلاله للطبيعة” ، التي أمست تتعرض لانتهاكات جسيمة نتيجة الاستغلال المفرط للموارد الطبيعية، ما أدى إلى بروز أزمات بيئية تهدد مستقبل الحياة البشرية.

ويشير إلى أن هذا الوعي بالخطر لم يظهر فقط في الخطاب الديني، بل تجسد أيضاً في المؤتمرات الدولية، منذ مؤتمر ستوكهولم 1972م، التي نبهت إلى أن السلوك البشري أصبح عامل تهديد حقيقي لاستمرار الجنس البشري.

ويرجع الدكتور الناصري، في دراسته الموسومة بـ”الارتفاق والسَّماحة بين الإنسان والبيئة في الإسلام” إلى جذور الأزمة البيئية الحديثة إلى الأسس الفلسفية التي حكمت علاقة الإنسان بالطبيعة في الفكر الغربي المعاصر؛ خاصة الفلسفات المادية التي سادت القرن التاسع عشر، إذ تأسست هذه الفلسفات على جدلية الصراع، كما بلورها هيجل في جدل الطبيعة والإنسان، ثم طورها ماركس في إطار مادي صِرف، مما أسس لعلاقة تقوم على الهيمنة والسيطرة بدل التفاعل والتكامل.

ويبين الدكتور الناصري أن الفلسفات الحديثة كـ”الليبرالية، والوجودية، والماركسية” وضعت الإنسان في مأزق فكري وأخلاقي، حين فصلت بين الإنسان والطبيعة، واعتبرت الكون مجرد موضوع للاستغلال، لا شريكاً في الوجود، ونتيجة لذلك، سادت نظرة مادية عدائية للكون، اختزلت فيها الطبيعة إلى آلة يجب تفكيكها وإخضاعها، وتحول مبدأ الصراع إلى المحدد الأساس لعلاقة الإنسان ببيئته إذ مهدت الحضارة المعاصرة “منذ بداية خطواتها الأولى، لإقامة علاقة مسيطر |الإنسان| بمسيطر عليه |بيئته الطبيعية|، أو علاقة فاتح براضخ”.

هذه النظرة تنبني على فكرة نفعية بربرية، حيث تطغى الأشياء وتصبح هي السمة الحضارية الطاغية؛ وبناء عليه تصبح الطبيعة، من زاوية النظر هاته، مفرغة من معناها الوجودي، إذ تمسي البيئة في نظر الإنسان حينها غير ذات قيمة، أو أن قيمتها تقاس بمقدار ما تدره من منفعة فورية، وهكذا تتحول العلاقة من علاقة تسخير فطري ينطوي على رعاية مبنية على الارتفاق والسماحة إلى علاقة إذلال تقوم على السيطرة والاستغلال.

ومن هذا المنطلق، وأمام “تزايد شعور الإنسان المعاصر، بخطورة الأزمة البيئية التي تهدد البشرية جمعاء، ولا تستثني في تهديدها أحداً” فإن تجاوز هذه النظرة الاختزالية يستدعي ويستلزم إعادة تأسيس علاقة الإنسان مع البيئة على أساس أخلاقي ومعرفي جديد، يعترف بقيمتها الجوهرية، ويعيد للإنسان موقعه كشريك في الوجود لا كمالك متسلط عليه، هذه العلاقة هي ما تؤسسه الرؤية الإسلامية، حيث الكائن البشري غير منفصل عن البيئة بكل ما يعنيه ذلك من وفاق وانسجام وتكامل معها؛ إذ “الإسلام في تصوره للعلاقة بين الإنسان والبيئة يرسم خطاً جديداً؛ يقوم على الوئام والانسجام، والتكامل والوفاق، والتجانس والالتحام، بين الإنسان والطبيعة” .

يخلص الدكتور الناصري في خضم دراسته لهذه العلاقة إلى أن الأزمة البيئية الراهنة ليست أزمة تقنية أو علمية فحسب، بل هي في جوهرها أزمة فكرية وقيمية، ناتجة عن غياب “الرؤية الاستخلافية” التي يقدمها الإسلام بوصفه يجعل ماهية مبدأ الاستخلاف قائمة على فلسفة التسخير كرؤية متكاملة للإنسان والكون معاً؛ هذا التسخير في عمقه القرآني متوازن يقوم على الاستخدام الواعي للكون انتفاعاً لا تمليكاً مطلقاً، إذ من مقتضيات تلك الرؤية الاستخلافية وجوب المحافظة على البيئة، وعدم إلحاق الضرر بها، ومن ثم، حسب الدكتور محمد الناصري، فإن استعادة التوازن البيئي يقتضي إعادة بناء علاقة الإنسان بالطبيعة على أساس أخلاقي مقاصدي يحقق الانسجام بدل الصراع، ويؤسس لعمارة الأرض بدل إفسادها في علاقة تكاملية بين الإنسان والطبيعة ترجع في أصولها وفلسفتها إلى وحدة الإنسان والكون .

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...