الإمارات تغادر “أوبك” وتفتح باب الاصطفافات الجديدة في الخليج
سعيد الزياني ـ دين بريس
يدل خروج الإمارات من “أوبك” عن تحول يتجاوز سوق النفط إلى بنية القوة في الخليج والشرق الأوسط، إذ لم يعد القرار خطوة تقنية مرتبطة بحصص الإنتاج فحسب، وإنما صار مؤشرا على انتقال أعمق في علاقات أبوظبي بالرياض، وفي طبيعة التحالفات التي تتشكل بعد الحرب على إيران.
ويقدم الخطاب الرسمي الإماراتي القرار بوصفه اختيارا اقتصاديا منسجما مع تطور القدرات الإنتاجية للدولة، ومع رغبتها في التحرك بمرونة أكبر داخل سوق الطاقة العالمية، غير أن هذا التفسير لا يستوعب وحده كامل الدلالة السياسية للخطوة، لأن النفط في الخليج ظل دائما أداة نفوذ وقيادة وتحكم في موازين الإقليم.
ويعيد القرار الإماراتي فتح السؤال حول مركزية السعودية داخل المنظومة النفطية، فقد بنت الرياض جانبا كبيرا من قوتها الإقليمية على قدرتها على ضبط إيقاع الإنتاج داخل “أوبك” و“أوبك بلس”، وعلى تحويل النفط إلى وسيلة سياسية لإدارة العلاقات مع الحلفاء والخصوم والقوى الكبرى.
إضافة إلى أن الخروج الإماراتي يشير إلى رغبة أبوظبي في التحرر من هذا المدار التقليدي، فالإمارات لا تطالب فقط بهامش أكبر في الإنتاج، وإنما تعلن أن مصالحها الاستراتيجية لم تعد قابلة لأن تدار وفق قواعد جماعية تقودها الرياض، خاصة بعد سنوات من الاستثمار في الطاقة، والموانئ، والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا، والمال.
ويفسر هذا التحول جزء من التوتر المكتوم بين السعودية والإمارات، فالعاصمتان تعاونتا في ملفات عديدة خلال السنوات الماضية، إلا أن مساراتهما الإقليمية لم تعد متطابقة، إذ تريد الرياض تثبيت موقعها كقوة قائدة في الشرق الأوسط، بينما تسعى أبوظبي إلى بناء مركز نفوذ مستقل يتجاوز الخليج نحو الهند وإسرائيل والقرن الإفريقي والمحيط الهندي.
وتمنح الحرب على إيران هذا القرار بعدا إضافيا، لأن اضطراب مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط أعادا الطاقة إلى قلب السياسة الدولية، وأثبتا أن الحديث عن تراجع أهمية النفط كان متسرعا، فكل صدمة أمنية في الخليج تتحول بسرعة إلى ضغط على الأسعار، والتأمين، وسلاسل الإمداد، ومواقف القوى الكبرى.
وتقرأ واشنطن الخطوة الإماراتية من زاوية مصلحتها في سوق أكثر مرونة، لأن زيادة الإنتاج الإماراتي مستقبلا قد تساعد على خفض الأسعار، وتحد من قدرة المنتجين الكبار على ضبط السوق بطريقة لا تخدم الاقتصاد الأمريكي، لذلك لا يبدو الترحيب الأمريكي بالقرار مفاجئا في سياق الحرب والتضخم وضغط الطاقة.
وتدرك الولايات المتحدة في الوقت نفسه أن تفكك الانضباط داخل “أوبك” قد يحمل مخاطر كبيرة، إذ يمكن أن يؤدي التنافس على الإنتاج إلى تقلبات حادة في الأسعار، وإلى توتر بين الحلفاء الخليجيين، وإلى إضعاف آليات التحكم في سوق ما زال حساسا لأي اضطراب جيوسياسي.
بينما ترى إسرائيل في التموضع الإماراتي الجديد فرصة لتثبيت محور اقتصادي وأمني يتجاوز الأطر العربية التقليدية، فالإمارات التي تتحلل من القيود النفطية الخليجية تصبح أكثر قابلية للاندماج في شبكات تربط أبوظبي بتل أبيب ونيودلهي وواشنطن، على أساس التكنولوجيا، والموانئ، والطاقة، والأمن، والممرات التجارية.
يعزز هذا المسار احتمال تشكل شرق أوسط متعدد الأقطاب، حيث لا تعود التحالفات قائمة على الهوية العربية أو المؤسسات القديمة، وإنما على المصالح الصلبة، فهناك محور سعودي قد يبحث عن عمق إقليمي مع مصر وتركيا وباكستان، وهناك محور إماراتي يتجه أكثر نحو إسرائيل والهند والولايات المتحدة.
ويفرض هذا التحول اختبارا جديدا على مجلس التعاون الخليجي، فالمجلس الذي حافظ طويلا على صورة الوحدة الخليجية لم يعد قادرا على إخفاء تباين المشاريع الوطنية بين أعضائه، إذ تتحرك كل دولة وفق تصور خاص لأمنها، واقتصادها، وشراكاتها، وموقعها داخل الإقليم والعالم.
كما يكشف ضعف الجامعة العربية عن فراغ مؤسسي أوسع، فالتوازنات الجديدة لا تصنعها القمم العربية، ولا البيانات العامة، وإنما تصنعها الطاقة، والمضائق، وصفقات السلاح، والموانئ، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، لذلك تبدو الجامعة خارج لحظة التحول أكثر مما تبدو طرفا في إدارتها.
وتراقب إيران هذا التفتت الخليجي باعتباره فرصة سياسية وأمنية، خاصة في ملف مضيق هرمز، إذ تحاول طهران تقديم نفسها لاعبا لا يمكن تجاوزه في أمن الخليج، وتستعمل تسمية “الخليج الفارسي” بوصفها إشارة رمزية إلى أن ترتيبات المنطقة المقبلة قد لا تقوم على المرجعية العربية، وإنما على الجغرافيا والقوة والمصلحة.
يمثل الخروج الإماراتي ثلاثة تحولات كبرى: أولها تراجع القدرة السعودية على احتكار القيادة النفطية داخل الخليج، وثانيها انتقال بعض المنتجين إلى منطق الاستقلال عن الانضباط الجماعي، وثالثها صعود تحالفات وظيفية تتقدم فيها المصالح الاقتصادية والأمنية على الروابط التقليدية.
ويحمل الخيار الإماراتي مكاسب محتملة، لأنه يمنح أبوظبي قدرة أكبر على استثمار طاقتها الإنتاجية، ويعزز موقعها بوصفها مركزا عالميا للطاقة والخدمات والربط التجاري، ويفتح أمامها هامشا أوسع للتحرك خارج الإطار النفطي الذي ظلت الرياض تتحكم في إيقاعه.
ويفتح الخيار نفسه على مخاطر ثقيلة، لأن الخروج من “أوبك” قد يوسع المسافة السياسية مع السعودية، ويجعل الإمارات أكثر اعتمادا على الشراكات الأمريكية والإسرائيلية والهندية، كما قد يضعها في مواجهة سوق مضطربة وبيئة أمنية مفتوحة على التصعيد.
تجد السعودية نفسها أمام معادلة صعبة، فهي مطالبة بالحفاظ على موقعها القيادي داخل سوق النفط، واحتواء أي عدوى محتملة داخل “أوبك”، وفي الوقت نفسه إدارة علاقتها مع الإمارات دون تحويل التنافس إلى قطيعة استراتيجية قد تضعف الجبهة الخليجية في لحظة إقليمية حساسة.
وهكذا يؤسس القرار الإماراتي لشرق أوسط تتحرك فيه الدول كمنصات قوة مستقلة، وتبني تحالفاتها وفق حسابات الموانئ والأسعار والمضائق والأسواق والتكنولوجيا، وفي هذا الشرق الأوسط تريد أبوظبي أن تكون قطبا قائما بذاته، بينما تحاول الرياض حماية مركزها، وتسعى إيران إلى فرض حضورها في أمن الخليج، وتستثمر واشنطن وتل أبيب ونيودلهي في إعادة تركيب الخريطة.
إن هذا الخروج يعبر في النهاية عن مقامرة استراتيجية عالية المخاطر، فإذا نجحت ستمنح الإمارات موقعا مستقلا داخل شرق أوسط متعدد الأقطاب، وإذا تعثرت فقد تكشفها أمام سوق أشد اضطرابا وخليج أكثر انقساما، وفي الحالتين لا يتعلق الأمر بالنفط وحده، وإنما بفصل جديد من إعادة توزيع القوة في المنطقة بعد الحرب على إيران.
التعليقات