الإسلام المستعمَر والإسلام الحر: إشكالية الوعاء الثقافي وحدود الكونية
محمد دام بجان
Mouhamad Dame Badiane
يُعدّ الإسلام في جوهره منظومةً كونيةً من القيم والمبادئ التي تتجاوز الحدود الجغرافية والعرقية، فهو دين يخاطب الإنسان من حيث إنسانيته، دون من حيث انتماؤه الثقافي أو الحضاري…، غير أن هذا الطابع الكوني للإسلام قد أُسيء فهمه تاريخيًا، لما اختُزل في تمثلات ثقافية معينة، وتم تقديم تلك التمثلات بوصفها الإسلام نفسه، لا بوصفها مجرد أوعية حاملة له.
ومن هنا تنشأ إشكالية يمكن تسميتها بـ: “الإسلام المستعمَر في مقابل الإسلام الحر”.
أولًا: الإسلام جوهرٌ ثقافي متعالٍ
بما أن الإسلام في أصله موجِّه للثقافات ومُقوِّم لها، ومُعيد تشكيلها وفق منظومة من القيم العليا، مثل: العدل، والرحمة، والتوحيد، والاستخلاف…؛ إذن فهو جوهر معياري يتجاوز الخصوصيات، دون أن يلغيها.
فالنص القرآني ذاته نزل بلغة قومٍ معينين، لكنه لم يُلزم الإنسانية باللغة العربية كشرطٍ للدخول في الإسلام، وإنما جعلها وسيلةً أولى للفهم، ولا غايةً نهائية للانتماء، والحكمة في ذلك ما يدل على أن الإسلام يميّز بين:
المبدأ (الثابت)
والتعبير الثقافي عنه (المتغير)
ثانيًا: الثقافة بوصفها وعاءً للإسلام
كل شعبٍ يدخل الإسلام، لا يخرج من تاريخه ولا من لغته ولا من رموزه، وإنما يعيد تأويلها وإعادة توجيهها في ضوء القيم الإسلامية. فالثقافة هنا تصبح وعاءً يحمل الإسلام، لا بديلاً عنه.
ومن ثم، يمكن الحديث عن:
إسلام إفريقي، إسلام آسيوي، إسلام أوروبي…، لا بمعنى تعدد الإسلام، ولكن بمعنى تعدد تجلياته الثقافية؛ ذلك أن الوعاء الثقافي: يمنح الإسلام تجذرًا محليًا، ويضمن له حيوية تاريخية، ويُجنّبه التحول إلى نموذجٍ جامدٍ مفروضٍ من الخارج
ثالثًا: مفهوم “الإسلام المستعمَر”
الإسلام المستعمَر :هو ذلك النمط من التدين الذي يتم فيه:
> فصل الإسلام عن بيئته الثقافية الأصلية، ثم إعادة زرعه داخل بيئة أخرى عبر فرض وعاء ثقافي غريب عليه
وهذا يحدث حين:
تُقدَّم ثقافة معينة (مثل الثقافة العربية) بوصفها النموذج الوحيد المشروع للإسلام، يُطلب من شعوب أخرى أن تتخلى عن أنماطها الثقافية لتكون “مسلمة بحق”
عندئذ، يتم الخلط بين الدين والتاريخ، وبين الوحي والتجربة الحضارية…
وهنا يتحول الإسلام من:
رسالة تحرير إلى أداة هيمنة رمزية، وهذا هو جوهر الاستعمار الثقافي: احتلال المعنى.
رابعًا: الإسلام الحر بوصفه أفقًا كونيًا
في مقابل ذلك، يظهر مفهوم الإسلام الحر، وهو:
> الإسلام الذي يتحرر من الاحتكار الثقافي، ويُعاد اكتشافه كمنظومة قيمية قابلة للتجسد داخل كل ثقافة دون أن تُفنيها.
وهذا الإسلام الحر:
لا يفرض لغةً بعينها، وإنما يقدّر التعدد اللغوي
ولا يفرض نمطًا اجتماعيًا واحدًا، وإنما يوجّه الأنماط نحو القيم
ولا يذيب الخصوصيات، وإنما يُهذّبها ويرتقي بها…
وبهذا المعنى، فإن الكونية في الإسلام بعيد عن توحيد للثقافات، ولكن هذه الكونية توحيد للمعايير مع تنوع التجليات.
إضافةً إلى ما سبق، يمكن صياغة الفرق الجوهري بين الإسلام المستعمَر والإسلام الحر في قاعدةٍ منهجية تمثّل قلب الإشكال:
رابعا: قلب المفارقة – من يخدم من؟
يمكن تلخيص الفرق بين النمطين في العلاقة بين الإسلام والثقافة:
> في الإسلام المستعمَر: يكون الإسلام في خدمة الثقافة
وفي الإسلام الحر: تكون الثقافة في خدمة الإسلام
بمعنى، الإسلام المستعمَر: حين يُسخَّر الدين لخدمة الثقافة
في هذا النمط، تتحول الثقافة من كونها وعاءً حاملاً إلى سلطةٍ مهيمنة بحيث يُعاد تأويل الإسلام ليُوافقها لا ليُقوِّمها.
وهذا يحدث عندما تُفرض أنماط ثقافية معينة (لغة، لباس، أعراف) باعتبارها جزءًا من الدين، ويُعاد تفسير النصوص الدينية بما يخدم تلك الأنماط، ويتم إقصاء أي تعبير ثقافي آخر بدعوى “عدم الأصالة”
من هنا تتحول الثقافة إلى مرجعية خفية، ويصبح الإسلام:
مُؤوَّلًا داخل أفقها، ومُقيَّدًا بشروطها، مُفرَّغًا من قدرته النقدية…، وبذلك يفقد الإسلام وظيفته الأصلية بوصفه:
> ميزانًا يُقوِّم الثقافات ليتحول إلى أداة تُبرِّرها
وهذا هو عين الاستعمار الرمزي!
فأما في الإسلام الحر: تُسخَّر الثقافة لخدمة الدين، أي فالعلاقة تنقلب:
الثقافة لا تختفي، لكنها تُعاد صياغتها لتكون وسيلةً لتحقيق مقاصد الإسلام.
وهذا يتحقق عندما تُحافظ الشعوب على لغاتها وعاداتها، لكن تُهذَّب وفق القيم الإسلامية، وتُستخدم الرموز الثقافية المحلية لنشر المعاني الإسلامية، ويُفتح باب الاجتهاد لربط النص بالسياق دون فقدان الجوهر…
فإذا تحقق شيء كهذا، فالإسلام يستعيد موقعه كـ: مرجعية عليا، وموجّه معياري، وقوة نقدية وتصحيحية؛ فتصبح الثقافة:
خادمةً للقيم، حاملةً للمعنى، مجالًا للتجلي لا للهيمنة
وبذلك يتحقق التوازن مفاده:
> لا ذوبان للثقافة في الإسلام، ولا احتواء للإسلام داخل الثقافة، بل تفاعلٌ حيٌّ يكون فيه الإسلام هو المعيار، والثقافة هي الوسيلة.
إذن، فتحرير الإسلام يكون بتحرير العلاقة مع الثقافات:
أن تعود الثقافة إلى حجمها الطبيعي كوعاء، وأن يستعيد الإسلام مكانته كجوهرٍ هادٍ.
فإذا انعكست العلاقة، واستُعبد الجوهر للوعاء، نشأ الإسلام المستعمَر، وإذا استقام الترتيب، وخدم الوعاءُ الجوهرَ، تحقق الإسلام الحر.
وهنا أقول: ليست المشكلة في تعدد الثقافات، ولكن المشكلة فيمن يجعلها أصلًا بدل أن تكون وسيلة.
خامسًا: جذور الإشكال بين المسلمين
إن كثيرًا من الصراعات داخل العالم الإسلامي يمكن ردّها إلى:
> عدم التمييز بين الإسلام كجوهر، والإسلام كتمثل ثقافي
ومن مظاهر ذلك:
اتهام بعض الشعوب بـ”ضعف الإسلام” لمجرد اختلافها الثقافي.
رفض الاجتهادات المحلية بدعوى مخالفتها “للنموذج الأصلي”.
نشوء نزاعات مذهبية وثقافية تتخفّى خلف غطاء ديني.
وهذا الخلط يؤدي إلى:
إقصاء التنوع
تعطيل الإبداع الحضاري
إنتاج توترات داخلية مزمنة
ولتحقيق الانتقال من الإسلام المستعمَر إلى الإسلام الحر، لا بد من تأسيس وعي منهجي يقوم على:
1. التمييز بين الوحي والتاريخ
فالوحي مقدّس،نعم، أما التجارب التاريخية فبشرية قابلة للنقد.
2. إعادة الاعتبار للثقافات المحلية بوصفها شركاء في حمل الإسلام، لاعوائق أمامه.
3. تفعيل الاجتهاد السياقي
الذي يربط النص بواقع الناس دون إخلال بالمقاصد.
4. تبني مفهوم الكونية التعددية، أي وحدة القيم مع تعدد الأشكال.
بناء على هذا، فإذا كان الإسلام في حقيقته، دعوة إلى التحرر: تحرر من عبودية المادة، ومن استبداد الإنسان، ومن جمود التقليد. غير أن هذا التحرر نفسه قد يتعرض للاستعمار!
وهذا يدل بأن المعركة الحقيقية الآن ليست بين الإسلام وغيره، بل داخل الفهم الإسلامي نفسه:
> بين إسلامٍ يُستعمَر فيُقيَّد بثقافة واحدة، وإسلامٍ يتحرر فيُزهر في كل الثقافات.
وبقدر ما ينجح المسلمون في استعادة هذا التمييز، بقدر ما يستعيد الإسلام قدرته على أن يكون: دينًا عالميًا، ورسالة إنسانية، ومشروعًا حضاريًا مفتوحًا.
﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾سورة 05/آية48
صدق الله العظيم
التعليقات