الإسلام السياسي بين تراجع التنظيم وبقاء الفكرة

15 يناير 2026

تحرير: ابتهال عبد الوهاب

ما زال الإسلام السياسي حيا لا بوصفه تنظيما، يرفع شعارا بل بوصفه طريقة تفكير وبنية ذهنية رسخت عميقا في الوعي الجمعي.
لم يعد في حاجة إلى رايات ولا الى منصات لانه استقر في اللغة التي نتكلم بها، وفي الأسئلة التي نخشى طرحها وفي تلك المساحات الرمادية بين المقدس والبشرية بين الإيمان بوصفه تجربة روحية والسلطة بوصفها اداة للهيمنة.
سقط التنظيم حين اصطدم بجدار الدولة وتهاوى المشروع حين عجز عن إدارة الواقع، لكن الفكرة لم تهزم لأنها لم تحاكم معرفيا ولم تفكك فلسفيا بل أزيحت إزاحة أمنية كأنها خطر عابر لا بنية ثقافية ممتدة.

وحين يؤجل النقد تنمو الجذور في الظل وتعيد الأفكار إنتاج نفسها باقنعة أكثر دهاء وأقل صخبا. الإسلام السياسي ليس حدثا طارئا في التاريخ بل هو تعبير عن التباس مزمن بين الدين والدولة، بين المطلق والنسبي، بين ما يعتقد وما يدار أنه تلك اللحظة التي يتحول فيها الإيمان من معنى وجودي إلى برنامج حكم، ومن سؤال أخلاقي إلى أداة ضبط ومن علاقة حرة بين الإنسان وربه الى وصاية دائمة على الضمير والعقل.

ما زال رجل الدين يتصدر المشهد لا لأنه الاجدر بالقيادة بل لان السلطة لم تتح بعد ان يفك الارتباط بين المعرفة والقداسة بين الراي والفتوى.

وما زال المثقف والمفكر الحقيقي متواريا عمدا مسلوبا من الادوات والامكانيات.
مازالت الأسئلة تمع وتشيطن ويستبدل التفكير بالجاهز والمعلب.
ما زال الجهل يتقدم الصفوف لا باعتباره نقصا في المعلومات بل باعتباره موقفا معاديا للعقل.
جهل يلبس ثوب اليقين ويخاف من الشك ويعتبر السؤال خيانة والاختلاف تهديدا والتعدد لعنة وفي هذا المناخ مازالت العلمانية كلمة سيئة السمعة. شوهت واختزلت في الالحاد بينما هي في جوهرها تحرير للدين من التوظيف وحماية للايمان من الابتذال السياسي.

نحن في حاجة إلى مواجهة من نوع آخر لا تدار بالعصا ولا تختزل في الأمن، بل تخاض في ميدان المعرفة مواجهة تعيد طرح الأسئلة المؤجلة:
ما معنى الدولة؟
ما حدود الدين وأين ينتهي المقدس ويبدأ الإنساني؟
وما الحق الذي لا يملكه احد في مصادرة اختلاف الآخر؟
نحن في حاجة إلى ثورة هادئة في الوعي، إلى تعليم يعلم التفكير لا الحفظ، إلى خطاب ديني يعترف بتاريخيته، وإلى اعلام لا يوارب ولا يناور. في حاجة إلى أن يعود العقل إلى مركز المشهد لا بوصفه خصما للإيمان بل بوصفه شرطا لنضجه.

فالدولة الحديثة ليست تجليا للعقيدة ولا امتدادا للجماعة، بل إطار قانوني يدير الاختلاف ويحمي التعدد ويضمن الحقوق بغض النظر عن المعتقد، وحين تغيب هذه الفكرة يصبح الدين بديلا عن القانون وتصبح الهوية بديلا عن المواطنة ويغدو العنف مبررا باسم الدفاع عن المقدس.

إن أزمة الاسلام السياسي هي في حقيقتها ازمة وعي أزمة تعليم يلقن ولا يحرر أزمة إعلام يلمح ولا يصرح، أزمة ثقافة تفضل الطمأنينة الزائفة على القلق الخلاق ولذلك تظل الاسئلة الكبرى مؤجلة.
ما معنى ان نكون مواطنين لا اتباعا؟ ما حدود السلطة الدينية، وأين يقف حقها، وأين يبدأ حق الفرد في الاختيار والاختلاف؟
نحن في حاجة إلى مواجهة معرفية شاملة لا تستهدف الاشخاص ولا تعادي التدين بل تعيد ترتيب المفاهيم وتفصل بين ما هو روحي وما هو سياسي، وتعيد للعقل مكانته بوصفه أداة للفهم لا خصما للإيمان. نحن في حاجة إلى فلسفة تنزل من أبراجها وتدخل المجال العام وتعيد الاعتبار للسؤال وتحرر اللغة من خوفها؟

الأفكار لا تهزم بالقوة بل تهزم حين تفهم وتفكك وتستبدل بأفكار أعمق منها أكثر إنسانية وأكثر قدرة على أن تجعل هذا المجتمع يعيش لا على هامش التاريخ بل في قلبه.
فالمعركة الحقيقية ليست بين دولة وتنظيم ولا بين سلطة ومعارضة، بل بين عقل يريد أن يرى وعقل يخشى الرؤية بين وعي يقبل التاريخ ووعي يريد أن يعيش خارجه.
إما أن ننجح في بناء انسان حر قادر على التفكير والاختيار، وإما أن نظل نعيد إنتاج الأزمة نفسها بأسماء مختلفة وشعارات متبدلة بينما يبقى الجوهر أسيرا للخوف والوصاية والوهم.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“الإسلام الإخواني”: النهاية الكبرى

يفتح القرار التنفيذي الذي أصدره أخيرا الرئيس الأميركي “دونالد ترامب”، والقاضي ببدء مسار تصنيف فروع من جماعة “الإخوان المسلمين” كمنظمات إرهابية، نافذة واسعة على مرحلة تاريخية جديدة يتجاوز أثرها حدود الجغرافيا الأميركية نحو الخريطة الفكرية والسياسية للعالم الإسلامي بأكمله. وحين تصبح إحدى أقدم الحركات الإسلامية الحديثة موضع مراجعة قانونية وأمنية بهذا المستوى من الجدية، فإن […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...