الإخوان بين تناقضات الفكر ومتطلبات الحركة

3 مايو 2026

بقلم: الأستاذ أحمد حميدة

تأثر حسن البنا في بداية حياته بالتصوف، حيث قرر في مذكراته اتصاله بالطريقة “الحصافية” خلال صباه المبكر؛ وكان الشيخ عبد الوهاب الحصافي شيخ الطريقة الحصافية الشاذلية صاحب تأثير كبير في تكوين شخصيته، ألقت تلك النشأة بظلالها عند تأسيسه جماعة الإخوان عام 1928، حيث كانت تهدف الجماعة في البدايات إلى نشر القيم الإسلامية؛ والدعوة إلى الأخلاق؛ والعمل الخيري، حيث أكدت لائحة الجماعة المعتمدة في العام 1930، على أنها جماعة “لا تتعرض للشأن السياسي أيا كان”.

وظلت الجماعة خلال عشريتها الأولى بعيدة تماما عن ميدان السياسة، وهذا ما أكد عليه البنا في افتتاحية مجلة النذير في مايو 1938 “أن مصر يوم نبتت هذه الدعوة لم يخلُ الجو من منازعات حزبية وحزازات سياسية؛ ولم يشأ الإخوان أن يزجوا بأنفسهم في هذه الميادين فيزيدوا خلاف المختلفين؛ ويمكنوا للغاصبين ويلونوا دعوتهم وهي في مهدها بلون غير لونها؛ ويظهروها للناس في صورة غير صورتها”، ومثّل هذا العام أيضا نقطة تحول مهمة في حياة الجماعة؛ حيث تم الإعلان صراحة عن الانتقال من ميدان العمل الدعوي إلى ميدان السياسة؛ ومن العمل الخيري إلى العمل المسلح، حيث أعلن البنا في ذات الافتتاحية؛ أن الجماعة فيما مضى كان موقفهم سلبيا إزاء القضايا السياسية المتنوعة، أما الآن فإنكم “ستخاصمون هؤلاء جميعا في الحكم وخارجه خصومة شديدة لديدة إن لم يستجيبوا لكم” وتوعد منافسيه أيضا بأنهم “سيعلنونها خصومة لا سلم فيها ولا هوادة معها”.

• تعدد الاتجاهات أحدث إرباكا داخل الجماعة:
واجهت الجماعة تحديات عديدة في التوفيق بين مرتكزاتها الفكرية؛ وبين براجماتية العمل السياسي ومتطلبات الواقع، حيث إن الفاعل السياسي يرى الواقع كما هو لا كما يحب أو يتمنى أن يراه.
اعتمد البنا النظرية التي تقول إن الخطة في ذهن القائد في طريقة إدارته للجماعة، حيث كان يقوم بالعديد من الأدوار، فهو القائد الميداني؛ والمنظّر الفكري؛ وواضع الخطط، وهو ما جعل الجماعة تعيش بين حالة من الشد والجذب في تعريف نفسها بشكل دقيق حيث وصف البنا الجماعة في رسالة المؤتمر الخامس بأنها “دعوة سلفية، وحقيقة صوفية، وطريقة سنية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية وثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية”
إلا أنه ذكر في غير موضع من مجموعة الرسائل عن الجماعة أنها ليست حزبا سياسيا، ولا جمعية خيرية، ولكننا أيها الناس “فكرة وعقيدة، ونظام ومنهج لا يحده موضع، ولا يقيده جنس، ولا يقف دونه حاجز جغرافي، ولا ينتهي بأمر حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ذلك لأنه نظام رب العالمين ومنهاج رسوله الأمين” كما في رسالة الإخوان تحت راية القرآن.
تسبب في نشوء تلك الحالة اعتماد الجماعة منتج البنا مسطرة وحيدة؛ وإطارا جامعا ومنهجا للتغيير الذي تنشده، رغم ما اتسم به من غموض شديد وتناقض فج في عرض أفكاره، فمرة يتحدث عن التغيير السلمي والنضال الدستوري؛ وأخرى يتحدث عن التوسل بالقوة لتحقيق الأهداف السياسية، ومن أكثر القضايا التي أحدثت إرباكا واضحا في الداخل الإخواني، الموقف من الدولة الوطنية الحديثة، التي يرى البنا أنها “صنيعة الغرب” والرفض القاطع للأسس الجغرافية والسياسية القائمة؛ مقدما عليها مفهوم “الأمة الإسلامية”؛ مشيرا أيضا إلى أن جنسية المسلم هي عقيدته وهو ما يعني الرفض المطلق لفكرة المواطنة، وحيث إن التنظيم قائم بالأساس على السمع والطاعة؛ والثقة المطلقة للقيادة؛ والبيعة التي تعني الولاء التام والكامل للتنظيم وقادته وقراراته، وهذا ما تقوم عليه تلك التنظيمات العقائدية المنغلقة والتي تعتبر نفسها المعادل الموضوعي للإسلام، وهو ما يتناقض مع الممارسة السياسية؛ التي تقوم على المرونة وعقد التحالفات؛ وتقديم التنازلات المتبادلة والسعي لتحقيق المصلحة عبر التحالفات المتنوعة.

ومن بعده جاء سيد قطب فساهم أيضا بطرحه الواضح والصريح، في زيادة حالة الإرباك، حيث كان طرحه أقرب إلى الجماعات الجهادية؛ التي تجاهر بكفر الأنظمة والمجتمعات، وهذا ما نجح فيه قطب حيث رسم مسارا فكريا واضحا تجاه العديد من القضايا؛ وأعاد تعريف مفاهيم “الجهاد، والحاكمية، والجاهلية، ودار الحرب ودار الإسلام” وغيرها من القضايا التي ساهم في صناعتها غموض البنا ووضوح قطب.

صحيح أن الجماعة تجاوزت بعض أفكار البنا مثل الموقف من الأحزاب حيث قامت بتأسيس حزب “الحرية والعدالة” في يونيو 2011، والذي تم حله بموجب قرار المحكمة الإدارية العليا في أغسطس 2014، لكن دون الانخراط في مراجعات فكرية حقيقية وجادة لمرتكزات الجماعة، وهو ما يؤكد أنها لا تزال تتخذ من أفكار البنا معينا أو مسارا أوحدا، رغم التناقض الشديد والواضح الذي أدى في الكثير من الأحيان إلى حدوث انشقاقات عديدة ومتتالية على مستوى الفكر.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...