الأجواء الرمضانية بفرنسا
د. صلاح الدين المراكشي
يحرص المسلمون عندنا في فرنسا على أن يصنعوا لأنفسهم أجواءً رمضانية تُشبه ما ألفوه في بلدانهم الأصلية، حفاظًا على روح الشهر الكريم ومعانيه الإيمانية. ورغم أن المظاهر العامة لا تعكس في الغالب الطابع الديني لرمضان في معظم المدن، فإن نفحاته تبدو جليّة في الحواضر الكبرى مثل: ستراسبورغ وباريس، وليون، ومونبرلي ومارسيليا وغيرها، خاصة في الأحياء التي يتركّز فيها وجود المسلمين، حيث تنبض الأمكنة بروحانية الشهر وتقاليده. وتتجلى بعض ملامح هذه الأجواء في عدد من المحلات التجارية التي تُفرد أركانًا خاصة بالمنتجات المرتبطة برمضان، كما يكتسي السوق الأسبوعي طابعًا مميزًا، إذ يعرض الباعة أصنافًا متنوعة من المواد الغذائية التي تحضر بقوة على موائد الصائمين؛ من فطائر وألبان وعصائر وتمور، إلى حلويات مشرقية ومغربية ( كالشباكية) ، في مشهد يعيد إلى الأذهان صور الأسواق في بلداننا الأصلية.
وتظل المساجد عندنا بفرنسا الفضاء الأسمى الذي تتكثّف فيه روحانية رمضان وبهاؤه؛ فمع دخوله ترتدي بيوت الله حلّةً من الزينة والجمال احتفاءً بقدومه، وتغدو عامرة بالمصلين، يسطع فيها أثر الشهر في أبهى صوره، وتتعانق معانيَ الإيمان والخشوع. حيث يتوافد المسلمون من شتى الجنسيات لأداء الصلوات الخمس، وصلاة التراويح، وقيام الليل، فيقضون ساعات عامرة بالذكر، وتلاوة القرآن، والإنصات إلى دروس الأئمة والوعّاظ، سواء من المقيمين أو من الزائرين القادمين من المغرب وغيره من البلدان.
وغالبًا ما تتناول هذه الدروس أحكام الصيام ومسائله الفقهية، إلى جانب موضوعات إيمانية تُرقّق القلوب، وتحثّ على اغتنام أيام الشهر ولياليه بالطاعة، والتحلي بحسن الخلق، والتوبة الصادقة، والإقلاع عن الذنوب؛ تحقيقًا لمقاصد الصيام السامية وترسيخًا لقيمه في النفوس هذا من حهة.
ومن جهة أخرى؛ تتحول المساجد والمؤسسات الدينية والثقافية إلى فضاءات للتضامن الإنساني والتكافل الاجتماعي، حيث تُمدّ يد العون للمحتاجين والفقراء، ولمن يعيشون ظروفًا صعبة تتعلق بوضعية الإقامة. حيث تُقام موائد إفطار جماعية طيلة الشهر، يجتمع حولها العشرات بل المئات من الصائمين عند أذان المغرب، في مشهد يجسد روح الأخوة والتآزر.
تتنوع صور المساهمة في إعداد هذه الموائد؛ فإما أن تكون عبر مساهمات شهرية منتظمة من المصلين، أو بإحضار وجبات جاهزة من البيوت إلى المساجد، أو من خلال دعم مادي يقدمه المحسنون، أو بتخصيص جزء من ميزانية المسجد لهذا الغرض النبيل. وكلها صور من التنافس الشريف في إطعام الطعام، تعزز شعور الانتماء إلى عائلة واحدة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾، الحجرات الاية : 10 وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد…” متفق عليه.
ولا تقتصر الأنشطة الرمضانية على المسلمين وحدهم، بل تحرص كثير من المساجد والجمعيات الدينية على تنظيم موائد إفطار مفتوحة تُدعى إليها مختلف مكونات المجتمع، من ممثلي الطوائف الدينية، والسلطات المحلية، وأعضاء السلك الدبلوماسي. فعلى سبيل المثال، في مدينتي: نيم وكاربونترا، جنوب فرنسا وبحكم قربهما مسافة مني ومعرفتي بهما وزيارتي لهما، تتجدد فيهما مثل هذه المبادرات السنوية في رمضان لتجسّد روح الإفطار المفتوح وترسخ قيم الحوار والتعايش المشترك.
وجرت العادة أن يتلقى المسلمون في فرنسا تهاني كبار المسؤولين وممثلي الملل والنحل الأخرى بمناسبة حلول الشهر الفضيل، في مشهد يعكس روح الاحترام المتبادل. كما يشد رمضان اهتمام غير المسلمين كذلك؛ إذ يتساءل بعضهم عن سر صبر المسلمين على الامتناع عن الطعام والشراب قرابة 14 ساعة يوميًا. غير أن هذا الاستغراب سرعان ما يتحول إلى إعجاب حين يتعرفون على الحكم الروحية والتربوية والصحية للصيام. ومن أبرز مظاهر الاحترام التي تُلحظ عليهم أحيانًا، امتناع بعض غير المسلمين عن الأكل أو الشرب أمام الصائمين عند الإفطار، تقديرًا لقدسية الشهر ومكانته، واحتراماً لمشاعر المسلمين.
في مقابل ما نسمع ونقرأ من أصوت نشاز في بعض البلدان الإسلامية ممن يبرر للإفطار العلني نهارا ومن غير عذر شرعي كالسفر والمرض والدعوة إلى الفطر في الفضاءات العامة في سلوك لا يراعي حرمة الزمان ولا مشاعر الصائمين، وهذه السلوكيات تستدعي التذكير بضرورة احترام شعائر الصيام وصون قدسية الشهر. كما تحتل حملات توزيع الطرود الرمضانية (les colis) مكانة متقدمة ضمن الأنشطة الخيرية، نظرًا لواقع الحاجة التي تعيشه بعض الفئات؛ من طلبة، ومرضى في المستشفيات، ونزلاء السجون، وأشخاص بعيدين عن أسرهم. وفي الليالي العشر الأواخر يزداد إقبال المصلين على المساجد طمعًا في إدراك ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، فيضاعفون جهودهم في القيام، وتلاوة القرآن، وإحياء سنة الاعتكاف، في أجواء مفعمة بالإيمان والروحانية حتى مطلع الفجر. كما تحرص الأسر المسلمة على إخراج زكاة الفطر قبل صلاة العيد، إتمامًا للصيام وإدخالًا للفرحة على قلوب المحتاجين.
ومع ذلك، تبقى فرحة رمضان غير مكتملة حين نستحضر أحوال إخوانٍ لنا في بقاع شتى حُرموا من أجوائه بسبب الفقر والجوع وويلات الحروب. ويُذكر في هذا السياق الجهود الإنسانية التي تبذلها القيادة الرشيدة لمولانا أمير المؤمنين محمد السادس، من خلال مؤسسة محمد السادس لمكافحة الفقر ومؤسسة محمد الخامس للتضامن ومؤسسة بيت مال القدس الشريف وغيرها من المبادرات الداعمة للمحتاجين ممن في الداخل والخارج. سائلين المولى عز وجل أن يجعل ذلك في ميزان حسناته. إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.
التعليقات