استراتيجية الإنكار الإيرانية: عقيدة سياسية لا مجرد مناورة دبلوماسية
لحسن صابر
ليست استراتيجيةُ إيران في إنكار مسؤوليتها عن الاعتداءات التي تستهدف مرافق مدنية في السعودية ومسقط وتركيا وأذربيجان سلوكاً عرضياً أو ردَّ فعل ظرفياً على الضغوط الدولية، بل هي نهجٌ منهجي راسخ في عقيدة الدولة الإيرانية منذ قيام النظام الحالي. فكلما انكشفت بصمات طهران في عملية مباشرة أو غير مباشرة، يتكرر السيناريو ذاته: إنكارٌ رسمي قاطع، وإغراق المجال الإعلامي بسرديات بديلة، والسعي إلى تشتيت النقاش عبر تفاصيل ثانوية أو جدالات إجرائية.
هذا النمط ليس جديداً. فقد سبق لإيران أن اعتمدت المقاربة نفسها في تعاملها مع المغرب عندما كشف عن تورّطها في تدريب وتسليح عناصر من جبهة البوليساريو عبر قنوات مرتبطة بها. حينها أيضاً سلكت طهران الطريق ذاته: نفي مطلق، ومحاولة تصوير الاتهامات كجزء من توتر سياسي أو سوء فهم دبلوماسي، مع تجاهل جوهر الوقائع المطروحة.
وغالباً ما يُفسَّر هذا السلوك في بعض التحليلات بتعدد مراكز القرار داخل النظام الإيراني، أو بما يوصف بالتداخل بين مؤسسات الدولة ومؤسسات “الثورة”. غير أن هذا التفسير يبقى تبسيطياً ومضلِّلاً في آن واحد، لأنه يفترض وجود قدر من الفوضى البنيوية أو التضارب الاستراتيجي داخل النظام، بينما تشير المعطيات المتراكمة إلى عكس ذلك تماماً.
فالمنظومة الحاكمة في إيران تقوم على مركزية صارمة في اتخاذ القرار الاستراتيجي، حيث تتكامل الأدوار بين القيادة السياسية والمؤسسات الأمنية والعسكرية والعقائدية. صحيح أن هناك تعددية ظاهرية في الأجهزة، لكن هذه التعددية تعمل في إطار هرم واحد وتحت سقف رؤية استراتيجية مشتركة.
من هذا المنظور يمكن فهم ما يمكن تسميته، على سبيل المجاز التحليلي، بـ “النزعة الساسانية” في العقل السياسي الإيراني: نزوع تاريخي إلى المركزية الشديدة، وإلى إدارة النفوذ خارج الحدود عبر أدوات غير مباشرة، مع الحرص في الوقت نفسه على الحفاظ على هامش واسع للمناورة والإنكار الرسمي. فالدولة تضرب عبر وسطاء، أو عبر شبكات غير نظامية، أو من خلال عمليات يصعب ربطها قانونياً بمركز القرار، ثم تعود لتتبنى خطاب النفي أو الغموض.
وبذلك تتحول سياسة الإنكار من مجرد رد فعل دبلوماسي إلى ركن أساسي في العقيدة العملياتية للنظام. إنها آلية مزدوجة تسمح بتحقيق أهداف جيوسياسية عبر أدوات غير تقليدية، وفي الوقت نفسه بتقليص الكلفة السياسية والقانونية المباشرة. فالضبابية المقصودة تخلق مجالاً للمناورة، وتضع الخصوم أمام معضلة الإثبات، بينما يستمر الفعل الاستراتيجي على الأرض.
لهذا فإن قراءة السلوك الإيراني من زاوية “الارتباك الداخلي” أو “ازدواجية الدولة والثورة” تقود غالباً إلى استنتاجات خاطئة. فالأقرب إلى الواقع هو أن الإنكار ذاته جزء من الفعل، وليس مجرد محاولة لإخفائه؛ أي أنه أداة مدروسة ضمن منظومة أوسع لإدارة الصراع والنفوذ في الإقليم وخارجه.
التعليقات