اختزال العلم الشرعي بميزان طفولي لدى بعض المبتدئين والحركيين

22 أبريل 2026

د. صلاح الدين المراكشي 

إمام وخطيب ومؤطر ديني بفرنسا 

لم يكن العلم الشرعي يومًا حكرًا على بلدٍ دون آخر، ولا حبيسَ بيئةٍ علميةٍ بعينها، بل قام منذ نشأته على الرحلة بين الأمصار، والتواضع في التلقي، وتبادل الأخذ بين العلماء. فقد انتقل الصحابة رضي الله عنهم، ثم التابعون وتابعوهم، ومن جاء بعدهم، بين مكة والمدينة والكوفة والبصرة والشام ومصر، ثم امتدّ ذلك إلى المغرب والأندلس وسائر الأقطار.

كان مقصدهم من هذا التنقل تحصيل العلم، وسماع ما قد لا يتوافر في بلدهم، وطلب علوّ الإسناد، دون أن يكون في ذلك أي انتقاص لبلدٍ أو تقليل من شأن علمائه. غير أنّ هذا المعنى النبيل الذي ساد عند الأوائل في مفهوم الرحلة العلمية بدأ يضعف في بعض البيئات المعاصرة، ولا سيما عند بعض المنتسبين إلى طلب العلم أو المبتدئين، وكذلك عند بعض المتأثرين بالخطابات الحركية، خاصة عبر وسائل التواصل الحديثة. حيث ظهرت نزعة المقارنات غير المنضبطة، فصار يُرفع عالم على حساب آخر، وتُفضَّل جهة علمية على أخرى، وقد يتجاوز الأمر حدود البحث العلمي إلى إحداث شيء من الجفاء بين العلماء والبلدان، أحيانًا عن قصد وأحيانًا عن غير قصد. وهذا المسلك يبتعد في حقيقته عن روح العلم ومنهج أهله.

الدافع إلى كتابة هذه السطور هو ما يُلاحظ في الواقع المعاصر من انتشار هذه التصورات عبر وسائل التواصل، وما يستدعيه ذلك من استحضار ما عايشته خلال سنوات الطلب الجامعي في المشرق، بعد مرحلة الدراسة الجامعية في المغرب. فقد تبيّن لي منذ ذلك الوقت أن كثيرًا من الأحكام المتداولة عند بعض المبتدئين، بل وحتى عند بعض المتأثرين بالخطابات الحركية، لا تستند إلى تصور علمي دقيق، وإنما تقوم غالبًا على انطباعات ذهنية بعيدة عن ميزان العلم وضوابطه. كنت أسمع إطلاقات وتعظيمات لجهة على حساب أخرى، ثم لا أجد لها أصلًا معتبرًا عند أهل الاختصاص، وإنما هي تصورات متداولة لا تقوم على تحقيق علمي رصين.

ومن خلال الاحتكاك المباشر بأهل العلم في المشرق، وهو ما سمعته منهم مرارًا وسئلتُ عنه يتبين بوضوح أنهم لا يقرّون مثل هذه الذهنية، بل يُظهرون إنكارها في أوساط طلاب العلم. ومن مظاهر ذلك أن الطالب إذا قدم إليهم، كان أول ما يُسأل عنه: هل تلقّى العلم عن علماء بلده؟ فإن أجاب بالإيجاب طُلب منه أن يذكر نماذج منهم، وأن يُبرز تزكية أو صلة علمية بهم، ثم يُثنى عليه ويُرحَّب به، اعترافًا بفضل علماء بلده. وإن لم يتحقق ذلك، نُصح بالرجوع إليهم وإكمال التلقي عنهم، وعدّوا تجاوز هذه المرحلة نوعًا من القصور في مسار الطلب العلمي. ومن المؤسف أن بعض المنتسبين للطلب قد لا يعرفون علماء بلدانهم أصلًا، في حين أن من يسألهم في المشرق قد يكون أدرى بهؤلاء العلماء وأعرف بمكانتهم. وهذا التقصير لا يقدح في أولئك العلماء، ولا ينقص من قدرهم، فإن لهم أقرانًا من أهل العلم يشهدون بفضلهم ويعرفون منزلتهم، وهم في غنى عن إشادة المبتدئين أو إعراضهم. فالعلماء لا تُقاس مراتبهم بمدى شهرتهم عند العامة أو المبتدئين، وإنما يعرف قدرهم أهل العلم والاختصاص.

ويؤيد هذا المعنى ما نُقل عن بعض الأئمة، ومن ذلك ما روي عن سفيان الثوري أنه قال: إذا بلغك عن رجلٍ بالمشرق أنه من أهل السنة فأبلغه مني السلام، وإذا بلغك عن رجلٍ بالمغرب أنه من أهل السنة فأبلغه مني السلام، فما أكثر أهل السنة. وفي هذا إشارة واضحة إلى سعة دائرة العلم وأهله، وتجاوز حدود الجغرافيا في تقييم الرجال. إن الإشكال الحقيقي ليس في العلم ذاته، ولا في الرحلة العلمية، ولا في اختلاف البيئات بين المشرق والمغرب، وإنما في بعض التصورات التي تتشكل عند صغار طلبة العلم أو المتأثرين بخطابات غير منضبطة، حيث يختل عندهم ميزان التقييم العلمي. فيتحول إدراكهم إلى أنماط ذهنية قريبة من التصورات الطفولية ولا تزال عند بعضهم لم تتهذب مع مرور الزمن وتقدم العمر. فكما كنا في صغرنا نتبارى بألعابنا وفي مجالسنا فنقول: نحن الأفضل، ولا أحد غيرنا في هذا أو ذاك، دون ميزانٍ أو دليل، وإنما بدافع الانتماء أو الانفعال اللحظي؛ فإن بعض هؤلاء يسقط في هذا النمط نفسه على فهم العلم وأهله وأماكن انتشاره بذات العقلية! فيقع بذلك في اختزال غير منضبط للعلم.

وفقنا الله لحسن القول والعمل.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

أي مغرب نحتاج بعد الحرب؟

عمر العمري تفرض الحرب المدمرة التي دارت خلال الأسابيع الماضية بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران و”حزب الله” من جهة أخرى، على المغرب، وهو يراقب من أقصى الغرب العربي هذا التحول العنيف في موازين الصراع، وقفة تأمل عميقة لاستخلاص العبر، ومراجعة الواقع الوطني، وتشخيص مجالات النقص والضعف، وصياغة عناصر القوة التي ينبغي بناؤها في […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...