إيران بين مطرقة “انقلاب الاستخبارات” وسندان “انتحار الحرس الثوري”
علي البلوي
تحدق بإيران اليوم أخطار لم يعهدها النظام منذ تأسيسه؛ حيث لم يعد الصراع مجرد ضغوط خارجية مألوفة، بل تحول إلى حالة من “التآكل السيادي” الداخلي التي تنذر بتفكك الدولة جغرافياً وسقوطها وظيفياً.
المعلومات الواردة من قلب مراكز القرار تشير إلى أن النظام الإيراني لم يعد يعمل ككتلة واحدة، بل انقسم إلى معسكرين متصادمين: جناح أمني استخباراتي يبحث عن “مخرج نجاة” سياسي، وجناح عسكري متمثل في الحرس الثوري يقود البلاد نحو “الهاوية” بمواجهة انتحارية.
وفي تحرك يعكس عمق التصدع، كشفت معطيات استخباراتية عن عرض سري قدمته قيادات أمنية إيرانية رفيعة المستوى للجانب الأمريكي عبر سلطنة عمان، يتلخص في استعداد هذا الجناح لتنفيذ “انقلاب داخلي” ينهي نفوذ الحرس الثوري بالكامل، مقابل وقف فوري للضربات الجوية وانخراط واشنطن في مفاوضات عاجلة تقبل بالشروط الدولية.
والمثير في هذا العرض هو “الاستجداء الأمني” لضربات جراحية تستهدف مراكز ثقل الحرس الثوري في طهران وإغلاق الحدود العراقية، في اعتراف صريح بأن المؤسسة الأمنية فقدت السيطرة تماماً على اعضاء الحرس الذين يحتشدون بكثافة في العاصمة.
هذا التحرك السري لم يمر دون رد فعل عنيف؛ إذ تشهد طهران حالياً حملة تصفيات مرعبة يقودها الحرس الثوري، طالت حتى الآن أكثر من 150 مسؤولاً بتهمة “التواصل مع الخارج” و”التخابر”.
هذا التطهير الداخلي بدأ يشعر الحرس من خلاله ببوادر الانقلاب ضده، فقرر عسكرة الدولة بالكامل وإلغاء أي دور للسياسة الخارجية، مما جعل وزارة الخارجية -بقيادة عباس عراقجي- مجرد واجهة إعلامية مسلوبة الإرادة، تطلق الوعود الدبلوماسية بينما تطلق الصواريخ في الميدان.
وتتجلى حالة “العمى السياسي” في الهجمات الصاروخية التي شنها الحرس الثوري مؤخراً؛ فبينما كان عراقجي يتحدث عن “حسن الجوار” على الشاشات، كانت الصواريخ الباليستية تستهدف الدوحة، والمسيرات تقصف مطار “ناختشيفان” في أذربيجان.
الهجوم على أذربيجان تحديداً كان القشة التي قصمت ظهر البعير؛ فبعد يوم واحد من زيارة الرئيس إلهام علييف لسفارة إيران لتقديم العزاء، جاء الرد الإيراني بقصف منشآت مدنية، مما دفع علييف لوصف النظام بـ “ناكري الجميل” وإعلان حالة الطوارئ، ملوحاً بورقة 20 مليون أذري داخل إيران في تبريز وزنجان وأردبيل، وهو ما يضع الدولة أمام خطر “الزوال الجغرافي” والتقسيم العرقي نتيجة ممارسات الحرس الثوري الطائشة.
وفي محاولة بائسة للهروب إلى الأمام، خرج عراقجي بتصريحات نافية لوجود أي رسائل تفاوض أو طلب لوقف إطلاق النار، زاعماً أنه “لا سبب للتفاوض”. هذا الإنكار العلني ليس مؤشر قوة، بل هو محاولة بائسة لحماية القيادات الأمنية المنخرطة في “قنوات عمان” من مقصلة الحرس الثوري.
الدبلوماسية الإيرانية الآن ترقص رقصة الموت؛ فهي تحاول إرضاء العسكر بالخطاب الراديكالي في العلن، بينما تهمس للاستخبارات العالمية في الغرف المغلقة بطلب النجدة، في مشهد يثبت أن النظام قد سقط وظيفياً، ولم يعد سوى مسألة وقت قبل أن ينفجر الصراع النهائي بين “رأس الحرس” وطموح الاستخبارات في البقاء على أنقاض الجغرافيا الممزقة.
إن إيران لا تواجه أزمة سياسية عابرة، بل تواجه “انفجاراً بنيوياً” وشيكاً، حيث سيتحدد في الساعات القادمة ما إذا كانت الدولة ستبقى ككيان موحد أم ستتحول إلى شظايا ممزقة على مذبح الصراع بين أجنحة السلطة المتصارعة.
التعليقات