إيران بين عنجهية النفوذ وانفجار الهوية: قراءة أنثروبولوجية من داخل دوائر القرار
علي البلوي. باحث أردني
من خلال تجربة ميدانية مباشرة وتحديداً خلال زيارة سابقة لطهران تخللتها لقاءات رفيعة المستوى مع أقطاب النظام مثل هاشمي رفسنجاني وحسن روحاني علي شمخاني ، تتكشف ملامح “الأزمة الهيكلية” التي تعيشها إيران اليوم.
إن هذه التجربة، التي جمعت بين سياسيي المظلومية والأنثروبولوجي، تقدم مفاتيح لفهم كيف وصل النظام إلى مرحلة التصادم مع سنن الحياة والواقع الكوني.
أولاً: لقاءات القمة وازدواجية الخطاب (المظلومية مقابل الاستعلاء)
في تلك اللقاءات، ظهر بوضوح كيف يوزع النظام أدوار خطابه السياسي لجذب الخارج وخنق الداخل:
• مدرسة رفسنجاني (استعطاف الغرب): بدا رفسنجاني معنياً بترسيخ صورة “إيران المظلومة” لاستمالة الأوروبيين، وهي براغماتية تهدف لترميم الجسد الاقتصادي للنظام دون المساس بجوهره العقائدي ومع ذلك كان ينظر اليه بعداء من خامنئي وفريقه.
• مدرسة روحاني (القومية المتصلبة): في المقابل، كشف لقاء روحاني وفريقه عن “العنجهية التاريخية”؛ فبينما كان العالم يناقش لغة المصالح، كان روحاني يحشد الوثائق لإثبات “فارسية الأحواز والجزر الإماراتية”، في تجسيد لعقيدة ترى في المحيط الإقليمي مجالاً حيوياً للتوسع لا شريكاً في الجوار.
ثانياً: ذهنية “القلعة” وهشاشة الجسد الأمني
يعيش العقل السياسي الإيراني حالة من “الرهبة والمخاوف غير الطبيعية” من الخارج، مما دفعه لبناء أجهزة أمنية متضخمة ترصد الأنفاس، لكنها أثبتت فشلها أمام التغير الكوني التقني:
• عقلية القلعة: تظهر في “سيكولوجية العزل” والارتياب، وهو ما لمسته شخصياً حين تم عزلي في فيلا منفصلة بصحبة وزير التجارة التركي لاحقاً علي بابان؛ خوفاً من أي تواصل حر يهدد التماسك الهش بعدما طرحنا في ورقة عمل اهمية حل قضية الجزر ومنح العرب حقوقًا خاصة وعدم التدخل في الشؤون العربية ودعم المذهبية.
• الانهيار السيبراني: رغم التضخم الأمني، بدا النظام مخترقاً “من الرأس حتى الأخماس”. ولعل الحادثة الأخيرة التي شهدت اختراق اجتماع أمني رفيع وبث مقاطع مخالفة بعد تحييد الشبكة الرئيسية، تركت المجتمعين في صدمة وذهول، مما يؤكد أن “القبضة الأمنية” التقليدية باتت عاجزة أمام حروب العصر التقنية.
ثالثاً: عقلية “البازار والسجاد” وحتمية التصادم
إدارة الدولة بمنطق “الحياكة البطيئة” والمناورة والمساومة استنفدت أغراضها؛ فهي عقلية لم تعد قادرة على استيعاب تسارع الزمن، مما راكم أخطاءً تاريخية خلقت فجوة سحيقة مع الأجيال الشابة التي ترفض منطق “التقسيط في الإصلاح” الذي يتبعه النظام.
رابعاً: تحالف الأضداد وتسليع المقدس (قاع المدينة)
تتجلى “التناقضية الإيرانية” في أبشع صورها في الهيكل الاجتماعي والديني:
• تسليع الدين: يظهر التناقض الصارخ في استغلال المفاهيم الدينية وتطويعها لخدمة الغرائز أو الحاجات الاجتماعية (كما في زواج المتعة)، مما خلق حالة من الانفصام بين الشعارات والممارسة.
• تحالف المقدس والفساد: هناك “تحالف أضداد” يجمع بين رجال الدين والبازار وشبكات الفساد. هذا التحالف يتجسد في “قاع المدينة”، حيث يلتقي تاجر الدين، ومهرب المخدرات، ورجل البزنس في مصلحة واحدة واتفاق مؤقت على اقتسام الغنيمة، مما جعل الفساد بنيوياً ومحمياً بغطاء “المقدس”.
خامساً: طهران والجمود الزمني (صراع الهوية المكبوتة)
في جولة داخل شوارع طهران، يواجه المراقب “جموداً بصرياً” مريباً:
• قشرة السبعينات: وجوه ولباس متوقف عند لحظة الثورة، وهي “هوية قسرية” فرضها النظام لتجميد الزمن.
• إيران الخفية: في المقابل، تظهر في اللقاءات الخاصة “إيران المنفتحة”. هذا الانفصام هو المحرك العميق للاحتجاجات؛ حيث قررت الهوية المكبوتة خلع جلباب الماضي والصدام مع سلطة ترفض الاعتراف بسنن التغيير.
سادساً: انكفاء النفوذ والموت السريري
وقع النظام في فخ عنجهيته؛ فبينما كان يغرق في في الدفاع عن ذاته، كان الاقتصاد يتآكل.
الهزائم الاستراتيجية في المحيط الإقليمي كانت المسمار الأول في نعش هذا المشروع. ومع انكفاء النفوذ، ارتد الضغط إلى الداخل ليصطدم النظام مباشرة مع حاضنته الشعبية، ليفقد مبررات إنعاش جسده الميت سريرياً.
الاستنتاج النهائي : إن ما يعيشه النظام الإيراني هو ثمن تجاهل سنن الحياة؛ حيث لم تعد أدوات “البازار والقلعة” صالحة لحكم مجتمع حي يرى التناقض الصارخ بين وعظ المنابر وفساد “قاع المدينة”، ويرى هشاشة “القبضة الأمنية” أمام الاختراقات السيبرانية التي كشفت عورة النظام من الداخل، وتهاوي اعمدة النفوذ حيث لم يستطع تقديم فكره تنموية قدر تقديمه لفكره التدمير الذي ارتد اليه.
التعليقات