إصدار.. روح تتكرر في المدينة لمحمد خياري عن “مؤسسة بصير”

25 أبريل 2026

إسماعيل بن الشيخ محمد المصطفى بصير 

الزاوية البصيرية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي جعل الكلمة أمانة، والبيان نورا يستضاء به في مسالك الحيرة، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد، المبعوث رحمة للعالمين، الذي أوتي جوامع الكلم، وعلى آله وصحبه الذين رفعوا لواء الحق والجمال في كل زمان ومكان.

أما بعد؛ فإن مؤسسة «محمد بصير للأبحاث والدراسات والإعلام»، وهي تواصل مسيرتها العلمية والثقافية، لم يكن ليقتصر دورها يوما على استعادة الذاكرة التاريخية للزاوية البصيرية، أو الاكتفاء بالبحث في قضايا العلوم الشرعية والإنسانية والتصوف والإشكاليات المعاصرة فحسب، بل إن من صميم رسالتها التي استلهمتها من فكر شيوخ طريقتها الصوفية المباركة، أن تنفتح على كل أشكال التعبير الإنساني التي تروم إصلاح الفرد والمجتمع، وتُبصّر الإنسان بمقاماته الروحية والاجتماعية في خضم عواصف العصر.

ومن هنا، يسعدنا في المؤسسة أن نقدم للقارئ المغربي والعربي باكورة إصداراتنا في فن الرواية، وهي رواية: «روح تتكرر في المدينة»، للكاتب والمفكر المغربي الدكتور محمد خياري – حفظه الله -، والتي تعتبر بحق “فسيفساء من أصداء الحياة”، تعكس عمق التجربة الوجدانية والفكرية لإنساننا المغربي المعاصر، وهو يواجه أسئلة الهوية، والسلطة، والدين، والحداثة.

أولا: لماذا تبنت المؤسسة نشر هذه الرواية؟

إن قرار مؤسسة محمد بصير بتبني نشر رواية: «روح تتكرر في المدينة» لم يكن قرارا عفويا، بل جاء نتاج إدراك عميق بأن النص الأدبي، حين يتسلح بالفكر والروح، يصبح أقدر من الدراسات الجافة على ملامسة شغاف القلوب وتحريك سواكن العقول، وتتجلى دوافعنا -بإيجاز- في هذه النقاط الجوهرية:

– الانسجام مع الرؤية الملكية السامية: لقد أكد مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس -أعزه الله- في عدة خطب ومناسبات على ضرورة النهوض بوضعية الشباب والمرأة، وضرورة التمسك بخصوصيات المجتمع المغربي مع اعتماد الاجتهاد المنفتح، وهذه الرواية، بشخصيتها المحورية “ليلى”، تفتح نافذة واسعة على قضايا الشباب المغربي الذي يعيش “حيرة المقامات”، وتبين أن هذه الحيرة ليست ضعفا، بل هي بداية الطريق نحو الفهم والوعي بالحقوق والواجبات.

– المزاوجة بين “الرمز” و”الواقع”: دأبت المؤسسة على معالجة قضايا التصوف والإشكاليات المعاصرة، وهذه الرواية تقدم “تصوفا مدنيا” بامتياز؛ فهي لا تنفصل عن الواقع السياسي والاقتصادي، بل تسبر أغوارهما بوعي صوفي يرى في “البيعة” عقدا روحيا، وفي “الرموز” لغة الدولة حين تصمت، هذا الطرح يتماشى مع خطنا الفكري الذي يرفض القطيعة مع التراث، ويؤمن بالحداثة المتجذرة لا المستلبة.

– دعم الإبداع الجاد: تؤمن المؤسسة بأن مسؤوليتها الإعلامية والبحثية توجب رعاية الأقلام المبدعة التي تسخر الأدب لخدمة قضايا المجتمع بوعي وعمق، فنحن نحرص على مساندة الكتابات الهادفة التي تتجاوز الانفعالات السطحية لتقدم رؤية ناضجة وصادقة، وهو ما تجسد بوضوح في عمل الدكتور محمد خياري، الذي نجح في تقديم نص أدبي رفيع يزاوج ببراعة بين جمال الأسلوب وقوة الحجة الفكرية.

ثانيا: مكامن القوة في الرواية:

عندما يتصفح القارئ صفحات هذا العمل، سيجد نفسه أمام تجربة روائية فريدة تتسم بعدة نقاط قوة جعلتها أهلا لتكون ضمن منشوراتنا:

– البناء الدرامي الفلسفي: الرواية لا تكتفي بسرد قصة “ليلى”، الشابة المغربية التي تجوب أروقة المدينة وهي مثقلة بالأسئلة، بل تجعل من كل لقاء -خاصة لقاءها بالحاج إدريس “مستشار شؤون الرموز”- منصة لمناقشة قضايا كبرى: هل يمكن أن نكون حداثيين دون قطع الجذور؟ وهل القانون يغني عن الوجدان؟

– تشريح “روح المدينة”: نجح الكاتب في تفكيك بنية المدينة المغربية، حيث تلتقي “روح الجماعة” بتداخلاتها السياسية والاجتماعية، مع “روح الذات” في بحثها عن المعنى، إن المدينة هنا ليست جدرانا، بل هي “مرآة تعكس ما في النفوس”.

– اللغة الصوفية المعاصرة: وظف الكاتب مفاهيم مثل “مقامات السالكين”، و”حلقة الذكر”، و”الترقي”، لا في سياق طقوسي مغلق، بل في سياق فهم الحياة اليومية، معتبرا أن “كل تكرار يحمل نغمة جديدة، وكل دورة تفتح بابا للترقي”.

– معالجة قضايا المرأة والشباب: تقدم الرواية صورة واقعية وحية للمرأة المغربية التي تحمل “قلوباً مثقلة بالحيرة وعقولا تتأرجح بين وفرة الخيارات وضيق اليقين”. إنها صرخة الروح التي تبحث عن مسار لا يرسم على الورق بل “يكتب في اللوح المحفوظ ويُقرأ في لحظات الصمت”.

ثالثا: الرسالة الفكرية للعمل:

إننا في مؤسسة «محمد بصير للأبحاث والدراسات والإعلام»، نرى أن هذه الرواية تتجاوز كونها نصا أدبيا لتصبح “وثيقة فكرية” تقدم إجابة بليغة لمن يظنون أن التدين الأصيل أو النزعة الصوفية قد تنأى بالإنسان عن هموم وطنه أو تفصله عن قضايا عصره، فالعمل يطرح رؤية تجديدية تؤكد أن الروحانية ليست انسحابا من العالم، بل هي طاقة دافعة للانخراط فيه بوعي ومسؤولية؛ فالبطلة ليلى، ومن خلال حواراتها العميقة ورحلتها الوجدانية، تكتشف أن “الدولة ليست مجرد متحف للتاريخ أو جهازا إداريا جامدا، بل هي كائن حي نابض، يستمد ضياءه من إشراق نفوس أبنائه وصلاح مجتمعهم”.

وتتجلى الرسالة المحورية للرواية في الدعوة إلى “هوية وطنية متجددة”؛ هوية لا تقبل التجزئة ولا تقع في فخ الصراع بين الماضي والحاضر؛ إنها هوية تجمع بذكاء بين صرامة القانون ودفء الوجدان، وبين حقوق الفرد في التعبير والوجود وبين هيبة الجماعة ومصالحها العليا، فالكاتب يرسخ لفكرة أن الاستقرار الروحي للفرد هو اللبنة الأولى للاستقرار السياسي والاجتماعي للدولة، وأن “مقامات السلوك” إلى الله لا تنفصل عن “مقامات المواطنة” الصالحة التي تَبني وتُعمر.

كما يطرح العمل فلسفة “التكرار المبدع”؛ فاسم الرواية «روح تتكرر في المدينة» يحمل دلالة فكرية عميقة حول تعاقب الأجيال واستمرارية القيم الروحية في قلب التحولات المادية، فالروح التي تتكرر ليست استنساخا للماضي، بل هي انبعاث للقيم الخالدة في قوالب عصرية جديدة؛ فكل تكرار في نظر الكاتب هو فرصة للتصحيح والترقي، وكل “حلقة ذكر” اجتماعية هي دعوة لإعادة ترتيب الأولويات الوطنية بروح يسودها الإحسان واليقين.

الرواية تدعو إلى “هوية وطنية متجددة” تجمع بين صرامة القانون ودفء الوجدان، بين حقوق الفرد وهيبة الجماعة، وهي الرسالة ذاتها التي نحملها في مؤسستنا؛ رسالة الوسطية والاعتدال والارتباط الروحي المتين بالثوابت الوطنية، معتبرين أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من تزكية النفوس ليمتد إلى إصلاح البنيان.

ختاماً؛ نضع بين يدي القراء هذا العمل الأدبي المتميز، آملين أن يكون لبنة في صرح “المغرب الذي يعرف كيف يحلم”، ومساهمة متواضعة من مؤسسة محمد بصير في إغناء المشهد الثقافي برؤى تنبع من أصالتنا وتتطلع إلى مستقبلنا.

نسأل الله عز وجل أن يجزي المؤلف فضيلة الدكتور محمد خياري خيرا على ما دبجته أنامله وخطته يده من أفكار نيرة حوتها هذه الرواية المتقنة الصياغة، المتماسكة البناء، الغنية بالدلالات، وأن يتقبل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يوفقنا دائما وأبدا لما فيه خير وطننا الحبيب تحت ظل القيادة الحكيمة لمولانا أمير المؤمنين، حامي حمى الملة والدين، جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله ونصره، وأدامه ذخراً وملاذاً لهذه الأمة، والحمد لله رب العالمين.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

أي مغرب نحتاج بعد الحرب؟

عمر العمري تفرض الحرب المدمرة التي دارت خلال الأسابيع الماضية بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران و”حزب الله” من جهة أخرى، على المغرب، وهو يراقب من أقصى الغرب العربي هذا التحول العنيف في موازين الصراع، وقفة تأمل عميقة لاستخلاص العبر، ومراجعة الواقع الوطني، وتشخيص مجالات النقص والضعف، وصياغة عناصر القوة التي ينبغي بناؤها في […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...