أيديولوجية الطاعة عند الجماعات الإسلامية وصناعة الأتباع… في انتظار عودة المسلم العضوي

9 مارس 2026

عبد الحي السملالي

كلما اتّسع سؤال الإسلام الحركي، وكلما تكشّفت طبقاته التنظيمية والمالية والدعوية، يظهر سؤال أشدّ خطورة: كيف تشكّل هذا الجمهور الذي يُقاد بلا مقاومة، ويُستعمل بلا وعي، ويُجيَّش عند الطلب؟ من أين جاءت هذه القابلية للطاعة العمياء؟ وكيف تحوّل التدين — في بعض السياقات — إلى أيديولوجيا تُنتج القطيع بدل أن تُنتج الإنسان؟

فالخطاب الديني الذي كان يفترض أن يحرّر الوعي، انزلق تدريجيًا إلى خطاب يُعيد تشكيل الطاعة كفضيلة، والانقياد كعبادة، والتبعية كهويّة. خطابٌ يفضّل المطيع على الكفء، والتابع على المفكّر، والمندمج في القطيع على القادر على التفكير الحر.

لكن الأخطر من الطاعة نفسها هو الجهل الذي صُنِع ليُنتج الطاعة. فالقطيع لا يُصنع بالفراغ، بل يُصنع بملء الفراغ بخطاب يمنع السؤال، ويكافئ الامتثال، ويُعيد تشكيل العقل ليصبح قابلًا للقيادة أكثر من كونه قابلًا للفهم. جهلٌ يُفصل النص عن سياقه، ويقدّس الأشخاص بدل الأفكار، ويحوّل الدين إلى هوية جماعية تُستثار بسهولة، ويُغذّي تدينًا انفعاليًا يعطّل التفكير ويُسهّل التجييش.

ومع تراكم التجارب، ومع صعود منابر هشّة، وخطباء يطلبون من الناس “السمع والطاعة” أكثر مما يطلبون منهم الفهم والمساءلة، يصبح من المشروع — بل من الضروري — أن نطرح أسئلة بلا تورية:

• هل كان المطلوب مسلمًا واعيًا… أم مسلمًا قابلًا للاستعمال؟

• هل كان الهدف بناء مجتمع فاعل… أم تكوين كتلة يسهل تعبئتها؟

• هل كان الخطاب الديني يربّي على المسؤولية… أم يدرّب

على الانقياد؟

• وهل كان هذا الضعف في الوعي صدفة… أم نتيجة بنية كاملة صُمّمت لإنتاج الطاعة قبل التفكير؟

في مقابل هذا النموذج القطيعي، نحتاج إلى استعادة مفهوم آخر: المسلم العضوي.

وهذا المفهوم — الذي اشتهرت حمولته عند غرامشي — لم يكن غريبًا عن التراث النبوي، بل هو امتداد مباشر لما دعا إليه النبي صلى الله عليه و سلم قبل كل الفلاسفة. فحديث «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف» هو دعوة إلى فاعلية لا إلى انقياد، وحديث «من رأى منكم منكرًا فليغيّره…» هو إعلان صريح بأن المسلم ليس متفرّجًا ولا تابعًا، بل فاعلٌ يغيّر، لا قطيعٌ يُقاد.

المسلم العضوي هو:

• مسلم يفهم الدين كقوّة تحرير لا كأداة ضبط.

• مسلم يربط النص بالسياق، والعبادة بالعدالة، والإيمان بالمسؤولية.

• مسلم لا يُستعمل، ولا يُجيَّش، ولا يُقاد، لأن وعيه يحميه من التحويل إلى رقم داخل القطيع.

• مسلم يرى نفسه جزءًا من المجتمع، لا تابعًا لزعيم، ولا جنديًا في تنظيم، ولا مستهلكًا لخطاب جاهز.

• مسلم يجمع بين القوة الأخلاقية والقوة الفكرية، كما أراده النبي صلى الله عليه و سلم ، لا كما أرادته الأيديولوجيا.

إن أخطر ما أنتجته بعض التجارب الحركية ليس التنظيمات ولا الشبكات ولا التحالفات… بل إعادة تشكيل المسلم نفسه ليصبح قابلًا للقيادة بلا سؤال، وللاستعمال بلا وعي، وللتجييش بلا مقاومة. وهنا تكمن المأساة: الطاعة صارت أيديولوجيا، والجهل صار بنية، والقطيع صار نتيجة طبيعية.

ويبقى السؤال الذي لم يعد يحتمل التأجيل: هل نملك الشجاعة لإعادة بناء خطاب يُنتج مسلمًا عضويًا كما أراده النبي صلى الله عليه و سلم … لا مسلمًا قطيعيًا كما أرادته البنية الأيديولوجية؟

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

حين تتحول الحرب إلى “نبوءة”..

عمر العمري تشير الشكاوى المتداولة من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، بشأن تبرير الحرب على إيران بخطاب ديني يستحضر النصوص المقدسة، إلى منزلق بالغ الخطورة يتمثل في تحويل الحرب من قرار سياسي خاضع للحساب والمساءلة إلى مهمة مقدسة محصنة ضد النقد. وأوردت إحدى هذه الشكاوى المنشورة أن قائدا عسكريا افتتح إحاطة خاصة بالجاهزية القتالية بحث عناصر […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...