أعمال فنية.. أو مرايا تعكس الهشاشة الإنسانية
ليلى الدروب
لقد كان الفنّ، في كثير من تجلّياته، يميل إلى شدّنا نحو ذلك الجانب الإنساني الهشّ، حيث نجد أنفسنا نتعاطف مع “المذنب” أكثر مما نحاكمه، وكأن الحكايات العميقة لا تُفهم إلا عبر الألم والتعاطف.
خلال شهر رمضان، ظللت أبحث عن مسلسل يعيدني—ولو قليلًا—إلى دفء الذكريات القديمة؛ إلى تلك اللحظات التي كنا نشاهد فيها الأعمال بشغف، فنشعر أن الوقت لا يُهدر، بل يمتلئ معنى، وأن الدهشة كانت تسكن التفاصيل الصغيرة. لكنني، كلما بدأت عملًا جديدًا، توقفت عند الحلقة الثانية، وكأن شيئًا خفيًا ينقصه، ليبقى الحنين مشدودًا إلى ذلك النوع من الأعمال التي سكنت الذاكرة منذ الطفولة، مثل حديث الصباح والمساء؛ عمل أعود إليه مرارًا لا بدافع التسلية فقط، بل بدافع التأمل، فأجد نفسي قريبة من الشاشة، أُدقّق في الوجوه والحركات ونبرات الصوت، كأنني أشاهده للمرة الأولى.
وفي خضم هذا البحث، صادفت مسلسلًا شدّني منذ البداية، لا بسبب حبكته فحسب، بل لصدق وجوه ممثليه وتفاصيل أدائهم. غير أن قصته كانت أكثر إرباكًا من أي شيء آخر: امرأة تخطف أطفالًا صغارًا، لا لتبيعهم أو تستغلهم كما اعتدنا في مثل هذه الحكايات، بل لتصنع لنفسها أسرة؛ محاولةً حماية زواجها من الانهيار والذي كان مجرد مبرر كي لا تعترف بنقصها،وهربًا من وصم اجتماعي قاسٍ يلاحقها بسبب عجزها عن الإنجاب.
لكن ما جعل الشخصية أكثر تعقيدًا هو تحوّلها من “خطأ أول” إلى “سلوك متسلسل”. لم تكن الجريمة، في بدايتها، سوى انحراف محدود وقرار يائس، غير أن اكتشاف أمرها من طرف المقرّبين لم يؤدِّ إلى إيقافها أو مواجهتها، بل تحوّل إلى وسيلة ضغط وابتزاز. وهنا تصبح الشخصية أسيرة خطيئتها الأولى: تخاف من الفضيحة أكثر من خوفها من الجريمة نفسها، فتستمر في الخطأ لتُخفي الخطأ الأول، ومع التكرار يتحوّل الفعل من حادثة معزولة إلى نمط متكرر. إنه منطق نفسي معروف في السرد، حيث يدفع الخوف من الانكشاف الإنسان إلى تعميق الجريمة بدل التوقف عنها.
والأغرب أنني، طوال الحلقات، لم أستطع إلا أن أتعاطف معها، بينما يهمس صوت داخلي: كيف يمكن أن تتعاطفي مع مجرمة؟ هنا تحديدًا تكمن براعة العمل؛ فهو لا يسعى إلى تبرير الجريمة، بل إلى جعلنا نفهمها إنسانيًا. ويعمق هنا سؤال الشر فينا هل يمكننا فعلا ان نتعاطف مع من يؤذي الٱخرين و نخلق له مبررات خاصة ان العمل لا يقول لنا: “هي بريئة”، بل يطرح سؤالًا أدق: كيف يمكن لإنسان أن يصل إلى هذا الحد؟
وهذا ما يخلق داخل المشاهد حالة مزدوجة: العقل يرفض الفعل رفضًا قاطعًا، لأن خطف الأطفال جريمة لا تقبل التأويل، لكن الوعي الإنساني يحاول فهم الدوافع؛ الخوف، الوصم، الضغط الاجتماعي، والابتزاز. فنجد أنفسنا عالقين داخل توتر أخلاقي مقصود، يدفعنا إلى مواجهة تناقضاتنا قبل أن نحاكم الشخصية.
ثم يتسلل سؤال أعمق: من المسؤول حقًا؟ هل هي الجانية وحدها، أم أن هناك مجتمعًا يضيق بالاختلاف ويمارس ضغطًا خفيًا يدفع الفرد إلى حافة الانكسار؟ هل الشر دائمًا اختيار حر، أم أنه أحيانًا نتيجة خوف متراكم، وابتزاز، ونظام اجتماعي خانق؟
هكذا، لم يكن ذلك المسلسل مجرد حكاية عابرة، بل مرآة تعكس هشاشتنا جميعًا، وتعيد إليّ ذلك الإحساس القديم بالدهشة، لكن هذه المرة ممزوجًا بقلقٍ أعمق، يجعلني أتساءل لا عن الشخصيات فقط، بل عن أنفسنا أيضًا.
التعليقات