أسرة الإمام ابن جزي الغرناطي المالكي ومساهمتها العلمية في تكوين شخصية المغاربة
ذ. محمد المهدي اقرابش
أسرة الإمام ابن جزي الغرناطي المالكي ومساهمتها العلمية في تكوين شخصية المغاربة، من خلال كتابي القوانين الفقهية ورحلات ابن بطوطة
وُلِدَ العالمُ والفقيه المجاهد، الشهيد أبو القاسم محمد بن جزي الغرناطي سنة 673 هجرية بغرناطة وتوفي شهيدا بطريفة الأندلسية سنة 741 هجرية. نبغ في علوم الفقه والأصول والحديث والأدب واللغة وقد اعتمد المالكية عليها فتدارسوها ودرسوها ومن هذه الكتب المفيدة جدا أذكر تقريب الأصول إلى علم الأصول وقد أبان رحمه الله عن علو كعبه في الأصول و الفقه معا. أما في العقائد فقد كتب كتابا وأسماه “الفوز المبين في قواعد عقائد الدين” و في القراءات ألّف “المختصر البارع في قراءة نافع”. و له تفسير بعنوان “التسهيل لعلوم التنزيل” ، و في الحديث” الأنوار السنية في الألفاظ السنية” و”وسيلة المسلم” في تهذيب صحيح مسلم، و”فهرست” كبير اشتمل على ذكر كثيرين من علماء المشرق والمغرب، وهو من شيوخ الأديب لسان الدين ابن الخطيب. وقد كان هذا الأخير صديقا لابنه الفقيه والأديب المكنى بأبي عبد الله بن جزي صاحب الكتاب الماتع والموسوم ب:”رحلة ابن بطوطة: تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار”.
وعلى القارئ الكريم أن يميز بين ابن جزي الأب وابن جزي الإبن. فالأول مكنى بأبي القاسم وهو صاحب القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية والتنبيه على مذهب الشافعية والحنفية والحنبلية أما الثاني فهو ابنه المكنى بأبي عبد الله و هو صاحب ابن بطوطة وكاتب رحلاته بأسلوبه الأدبي البديع ولا يعني هذا أن ابن بطوطة لم يكن فقيها أو أديبا وإنما أملى على ابن جزي رحلاته بأمر من السلطان أبي عنان المريني و لأن النقل الشفهيّ هو أكثر عفوية وحرية في نقل أخبار رحلاته في الأمصار والأقطار والتي استغرقت مدة سبع وعشرين سنة.
أ- القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية والتنبيه على مذهب الشافعية والحنفية والحنبلية لأبي القاسم بن جزي الأب.
يكتسي هذا الكتاب أهمية بالغة في الخلاف العالي أي في الفقه المقارن بين المذاهب الأربعة المشهورة والمذاهب الأخرى المعتبرة كمذهب سفيان الثوري وإسحاق بن راهويه والحسن البصري وعبد الله بن المبارك وأبي ثور وداوود بن علي الظاهري والليث بن سعد والأوزاعي. وقد اعتمد فقهاؤنا المالكية هذا الكتاب لأسباب ثلاثة وهي :
1- جمع المؤلف في كتابه بين تمهيد المذهب المالكي والخلاف العالي أي المقارنة بين المذاهب في المسائل الخلافية. فهي بمثابة موسوعة فقهية شاملة في الفقه.
2- قسم المؤلف كتابه ورتبه ترتيبا واضحا ليسهل فهمه وحفظه إذ أنه نهج تقسيما عشريا أو عشرينيا وهو مذهب درج عليه بعض المؤلفين في التأليف.
فقدم بمقدمة ذكر فيها الأصول والعقائد و قسم بعد ذلك الفقه إلى قسمي العبادات والمعاملات، وفي كل قسم ذكر عشرة كتب وفي كل كتاب مائةَ باب.
ثم ختم كتابه بجامع لمسائل متفرقة ذكر فيها سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين وخلفاء بني أمية وبني العباس و فتح الأندلس والخلفاء الموحدين وغيرها من الأخبار كما جمع مسائل فقهية أخرى متفرقة لا تندرج تحت أي باب من الأبواب التي ذكرها من قبل. و قد نحا رحمه الله في كتابه إلى الجمع بين الإيجاز والبيان وهو أسلوب ممتنع قليل من ملك ناصيته. و مع هذا فلا يزال الكتاب يحتاج إلى مزيد احتفاء واعتناء ليرقى إلى رتبة مختصر خليل و نظم ابن عاشر و شرح تلميذه ميارة والرسالة وغيرها من المصنفات المشهورة و المعتمدة في المذهب . ويمكن إدراج هذا الكتاب المفيد جدا في قَرَنٍ واحد مع بداية المجتهد ونهاية المقتصد للفقيه والفيلسوف ابن رشد الحفيد رحمه الله والاستذكار لحافظ الدنيا الإمام ابن عبد البر رحمه الله.
وقد عكف أبناء أبي القاسم بن جزي الثلاثة على شرح و تقييد وتدريس القوانين الفقهية وهم أبو بكر وأبو محمد وأبو عبد الله. و قد ذكر المقري في كتابه الرائع ” نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب” أبا بكر أحمد بن جزي و قد كان كاتبا للسلطان أبي الحجاج يوسف النصري وقاضيا وخطيبا بجامع غرناطة. أما ابنه أبو محمد بن جزي فقد برع هو أيضا في الأدب والفقه وشارك في فنون عدة على شاكلة أبيه وأخيه الأصغر أبي عبد الله بن جزي. ألف هذا الأخير كتابا في رحلات ابن بطوطة الذي أملاه عليه نزولا عند أمر السلطان أبي عنان المريني.
ب- رحلات ابن بطوطة الموسوم بتحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار تأليف أبو عبد الله بن جزي الإبن.
ولد أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم محمد بن جزي عام 721 هجرية، وتوفي مبطونا عام 756 أو 757 هجرية وعمره لا يتجاوز 36 سنة فكان كأبيه الذي مات شهيدا وعمره لا يتجاوز 46 سنة.
قال عنه ابن الأحمر صاحب نثير الجُمان ” نشأ المتَرْجَمُ له بغرناطة في كَنَفِ والده، مقصور التدريب عليه. ولما فقد والده اشتغل بالكتابة للسلطان أبي الحجاج يوسف النصري، ولم يزل كذلك إلى أن امتحنه هذا السلطان ” فغادر غرناطة في اتجاه مدينة فأس عاصمة المرينيين وقال في تلك الرحلة:
وإني لمن قوم يهون عليهم
ورود المنايا في سبيل المكارم
يطيرون مهما ازور الدهر جانب
بأجنحة من ماضيات العزائم.
اشتغل أبو عبد الله بن جزي كاتبا للسلطان أبي عنان المريني، وقد عهد إليه هذا الأخير بتأليف وجمع تفاصيل رحلات ابن بطوطة الطنجي المغربي وقد دامت رحلاته زهاء 27 سنة. مما يدل على حب المغاربة للرحلة والتطواف في أقطار الدنيا، فشأنه كشأن الشريف الإدريسي المغربي وغيره من أصحاب الرحلات السياحية والعلمية.
مدح الأديب لسان الدين بن الخطيب صاحبه و ابن شيخه أبا عبد الله بن جزي فقال:” ارتسم في الكتابة فَبَذَّ جِلَّة الشعراء، وإكثارا و اقتدارا ووفور مادة، مجيدا في الأملاح، عجيبا في الأوضاع، صديقا في النسب، مطبوعا في المقطوعات، معتدلا في الكتابة، نشيط البنان، جلدا على العمل، سيال المجاز…”.
ذكر المَقَّري أبا عبد الله بن جزي الإبن في أزهار الرياض فقال:
” وهو الذي ألف رحلة ابن بطوطة، حسبما هو معلوم”.
علمنا بفضل ابن جزي الإبن أن رحلة ابن بطوطة قد غطت جزءا كبيرا من العالم القديم المعروف آنذاك، فَطَوَّف في بلاد المغرب ومصر وسوريا ودمشق ومكة والكوفة وجنوبي إيران والعراق وجنوبي بلاد العرب وخليج البصرة و موغاديشيو، ثم مكة وآسيا الصغرى وروسيا الجنوبية والقسطنطينية وخوارزم، وماوراء النهر وخراسان وأفغانستان والهند ودلهي ومالبار وجزر مالديف وسيلان و كوروماندال و مالبار وبنغال وماليزيا وإندونسيا والصين، ثم رجع إلى فاس عن طريق الشرق من مكة المكرمة، و عرج على الأندلس ثم السودان وأخيرا إلى فاس وطنجة حيث موطنه ونشأته.
لقد ترك لنا أبو عبد الله بن جزي الغرناطي ثم الفاسي، مفخرة وأعجوبة يتفاخر بها المغاربة. وحق لهم أن يحتفوا بكتابه وصاحبه فيسموا مطار طنجة بمطار ابن بطوطة.
قال الله تعالى: ” فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون” الآية 122 سورة التوبة.
وقال سبحانه: “أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض”الآية 82 سورة غافر.
والحمد لله أولا وآخرا.
التعليقات