‎بورتريه: محمد الناصري مفكّر يشتغل على الإسلام من أفق إنسانيٍّ عالمي

7 يونيو 2026

‎أحمد المهداوي
‎في سياقٍ فكريٍّ مغربيٍّ يتّسم بتعدّد المسارات وتنوّع الأسئلة، يبرز اسم الدكتور محمد الناصري بوصفه أحد الوجوه الأكاديمية التي راهنت، مبكرًا، على إعادة وصل الفكر الإسلامي بأسئلة العصر، من داخل الجامعة ومن خارجها، وبأدوات معرفية تتجاوز الانغلاق التخصصي نحو أفقٍ إنسانيٍّ رحب.

‎ينتمي الدكتور محمد الناصري إلى جيل من المفكرين المغاربة الذين تشكّلت رؤيتهم العلمية عند تقاطع القانون والسياسة والدراسات الإسلامية، وهو تقاطع لم يكن مجرد مسار دراسي متراكم، وإنما أصبح أساسًا لمشروع فكري متكامل يشتغل على قضايا السلام، والحوار الحضاري، وتفكيك خطاب التطرف، وإعادة بناء المفاهيم المركزية في الثقافة الإسلامية المعاصرة.

‎تكوينه العلمي المتعدد، من القانون العام والعلوم السياسية إلى الدراسات الإسلامية والفكر المقاصدي، أتاح له حسًّا نقديًّا خاصًّا في مقاربة النصوص والخطابات، وقد تُوّج هذا المسار بأطروحة دكتوراه حول “السلام في الإسلام”، حيث لم يتعامل مع المفهوم بوصفه شعارًا أخلاقيًّا أو قيمة وعظية، وإنما باعتباره بنية معرفية وتشريعية يمكن تأصيلها داخل الخطاب الإسلامي ذاته بعيدًا عن التوظيف الإيديولوجي أو القراءات الصدامية.

‎في الجامعة، يشغل الدكتور الناصري موقع الأستاذ الباحث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة السلطان مولاي سليمان، حيث أسهم في التكوين، والتأطير، وبناء المسالك العلمية، وتطوير برامج الماستر والدكتوراه المرتبطة بالحوار الديني والثقافي، وتكامل العلوم الإسلامية والعلوم الإنسانية، غير أن حضوره الأكاديمي لا يقتصر على المدرج الجامعي، لكن يتعداه فيمتد إلى الفضاء المؤسسي الفكري من خلال اشتغاله البحثي داخل الرابطة المحمدية للعلماء، ورئاسته لتحرير مجلة “الترتيل”، وإسهامه في وحدات علمية تُعنى بتفكيك خطاب التطرف وبناء بدائل معرفية رصينة.

‎في كتاباته، يتبدّى مشروع الدكتور الناصري بوصفه مشروع مراجعة هادئة وعميقة للمفاهيم الإشكالية في الفكر الإسلامي المعاصر، من قبيل الحاكمية، والقتال، والعلاقة مع الآخر، وحقوق غير المسلمين، والتعددية الدينية، وهي مراجعات لا تنطلق من القطيعة مع التراث، ولا من التسليم المطلق به، بل من مساءلته في ضوء المقاصد القرآنية، والسياق الإنساني الكوني، والتحولات القيمية الكبرى، لذلك جاءت مؤلفاته، سواء الفردية أو المشتركة، أقرب إلى بناء أرضية فكرية للتجاوز بدل الاكتفاء بنقد السائد أو تفكيك المتطرف.

‎أما في مقالاته المحكمة، فيظهر الدكتور الناصري باحثًا دقيقًا في المفاهيم، حريصًا على ضبط المصطلحات قبل توظيفها، ومُنحازًا إلى المنهج القرآني في تأسيس الأخلاق، وحقوق الإنسان، وحرية الاعتقاد، وشرعية الاختلاف، وهي مقالات أسهمت في ترسيخ حضوره في المشهد الفكري العربي، وفتحت له فضاءً للحوار مع باحثين من مشارب معرفية مختلفة.

‎وإلى جانب الإنتاج العلمي، يشارك الدكتور محمد الناصري بانتظام في المؤتمرات والندوات الوطنية والدولية، حيث يُقدّم مداخلات تجمع بين الصرامة الأكاديمية والهمّ الإنساني، مؤكّدًا أن معركة الفكر اليوم ليست فقط مع التطرف، ولكنها مع الاختزال، وسوء الفهم، واستقالة العقل النقدي.

‎بهذا المعنى، لا يمكن اختزال تجربة الدكتور محمد الناصري في سيرة أكاديمية تقليدية، فهي تجربة مفكرٍ اختار أن يجعل من الجامعة فضاءً للتجديد، ومن البحث العلمي أداةً لبناء السلام، ومن الفكر الإسلامي مجالًا مفتوحًا على الأسئلة الكونية الكبرى، وليس إدراجه ضمن أعلام الفكر المغربي المعاصر مجرد تكريم رمزي، وإنما اعترافٌ بمشروعٍ معرفيٍّ يشتغل بصمت، ويؤمن بأن تجديد الفكر يبدأ من إعادة الاعتبار للإنسان بوصفه غاية الخطاب الديني وأفقه النهائي.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...