نظرة تاريخية حول تأطير المخزن للحجاج المغاربة: تقليد راسخ وممارسة متجددة
ذ. محمد المهدي اقرابش
أكاديمي و عضو منتدى الإسلام بفرنسا.
أمين المجلس الوطني للإرشاد الإسلامي بفرنسا.
سأل أحد الفضلاء عن حرص العاهل المغربي أمير المؤمنين محمد السادس حفظه الله على توجيه رسالته التوجيهية، المقروءة من طرف وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية،في كل عام إلى الحجاج المغاربة، قبل انطلاقهم إلى الديار المقدسة لأداء مناسكهم؛ فأجبته قائلا: إنه تقليد راسخ و مهمة من مهمات إمارة المؤمنين، إذ أن الإمام الأعظم وفقا لما قرره فقهاء القانون الدستوري المغربي، وقبلهم فقهاء السياسة الشرعية مكلف بموجب البيعة الشرعية بحراسة الدين، وحماية حوزة البلاد ورعاية مصالح العباد.
ولقد جرى العمل بهذه السنة الحميدة في المغرب منذ قرون عديدة، فلطالما وجه سلاطين المغرب رسائلهم إلى الحجاج المغاربة الذين ينوون قصد الديار المقدسة لأداء العمرة والحج؛ ليذكروهم فيها بضرورة الالتزام بالشرع والتحلي بالصبر والأخلاق الحميدة أثناء رحلتهم وأدائهم للحج الركنِ الخامس من أركان الإسلام.
وقد حظيت حاضرة فاس في مامضى من الأزمان بشرف إعلان الانطلاقة الرسمية لقوافل الحجاج بأمر من السلطان العلوي، وبحضور نخبةٍ من العلماء والأعيان. ويرجع سبب اختيار مدينة فاس للإشراف على هذه الانطلاقة إلى كون المدينة مركزا تجاريا، يوفر للحجاج ما يحتاجونه من زاد ومواردَ ومُؤَنٍ خلال السفر، وكذلك لانها كانت حاضرة العلم و الصلحاء والعلماء.
تُقَامُ قبل انطلاق الرحلة الحجية احتفالاتٌ و أذكارٌ وابتهالات وصلاةٌ على النبي صلى الله عليه وسلم وقراءة للقران لطلب العون و التوفيق من الله، لتجاوز مشقة الطريق والعنت. لأن السفر قطعة من العذاب. ولأجل أن يكون الحج مبرورا والسعي مشكورا. وإني لأتصور المشاق التي كابدها الأجداد في رحلتهم الحجية بعد أن خَبِرتُ شخصيا في مرات عديدة التعب الذي نجده في الحج -نسأل الله القبول- رغم وسائل الراحة والرفاهية في كل شيء.
كان أسلافنا يركبون الدواب ويمشون على الأقدام، و قد تشَرَّفْتُ بالتعرف في سنوات التسعينيات إلى فقيه مغربي كبير في السن والقدر، كان قد رحل مشيا على الأقدام ثلاث مرات من المغرب إلى الحج تقربا إلى الله. فما أشد عزم الرجل ومثابرته لنيل الأجر والمثوبة! وأذكر هنا على سبيل الطُّرْفةِ إجابةَ أمير الشعراء أحمد شوقي لخديوي مصر عندما عرض عليه ان يرسله في رحلة إلى الحجاز فقال : كلُّ شيء إلا ركوب الجمال يا أفندينا!
ذكر الأستاذ عبد الرحمان المودن في كتابه “البوادي المغربية قبل الاستعمار قبائل يناون والمخزن بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر في منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية” حضورَ وإشرافَ السلطة المخزنية على إعلان انطلاق رحلة الحجاج المغاربة بعد الفراغ من تنظيم وترتيب صفوف قافلة الحج و تعيين مسؤوليها و ممونيها حفاظا عليها من التشرذم والتفرق في الطريق.
وقد كانت السلطة المخزنية ترتب الصفوف والدواب و تضبط الأعداد والمؤن و الأمتعة، وتحدد كيفية التناوب بين الحجاج المسافرين على الأقدام و الذين يركبون الدواب، و تَدُلُّ الحجاج على الآبار التي حفروها للتزود بالماء.
ويعين المخزن أشخاصا مكلفين بسلامة وأمن الحجاج، وعارفين بالمسارات والطرق التي يسلكها الحجاج من فاس مرورا بالجزائر وتونس وليبيا ومصر ووصولا إلى مكة المكرمة.
اهتم الجهاز المخزني و حاشية السلطان المغربي في عصور سابقة بحفر آبار وتأمين رحلة الحج التي تستغرق عدة أشهر ؛ وقد ذكر ذلك عبد الرحمان المودن في كتابه “الرحلة الحجية مصدرا من مصادر التاريخ الاجتماعي المغربي”.
وكان الحجاج فقهاؤُهُم و عامتهم يتاجرون ايضا بغرض الربح او الاستهلاك او تغطية نفقات السفر، لقول الله تعالى: “ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم” الآية 198 سورة البقرة.
وثبت من خلال استقراء كتب ومراجع عديدة في موضوع الرحلات الحجية أن مغاربة تافيلالت و جزائريين وتونسيين وليبيين و سودانيين ومصريين كانوا ينضمون إلى قافلة الحجيج أثناء مرورها بمجموعة من المراكز التجارية للاستراحة و المتاجرة؛ و عُرِفَ سوقٌ في القاهرة بسوقِ المغاربة، يطيل فيه الحجاج مقامهم للاستراحة ثم بعد ذلك يستأنفون الرحلة إلى الحجاز عبر البحر أو عبر بَرِّ جزيرة سيناء أو عبر استعمال القطار داخل الأراضي المصرية؛
وفي هذا الصدد، ذكر الأستاذ الحسن بن محمد الغسال في كتابه الرحلة الطنجية الممزوجة بالمناسك المالكية، المسارَ الذي يسلكه الحجاج المغاربة وغيرهم إلى مكة المكرمة ذهابا و إيابا.
وأغنى المؤرخ عبد الوهاب بلمنصور هذا الموضوع بحثا في الوثائق النفيسة التي أصدرتها مديرية الوثائق الملكية في العدد 6 سنة 1987. فليرجع القارئ الكريم إليها.
ولا بد من الاشارة إلى ان بعض الفقراء من الحجيج كانوا يرتكبون بعض المخالفات و أعمال غير شريفة لتأمين نفقاتهم كالتسول، بل ويحتالون أحيانا بطرق شتى لإنجاح رحلاتهم الحجية! وقد قرأت هذا الأمر في كتاب رحلة العبدري للعبدري والكتاب من تحقيق محمد الفاسي.
تراجَعَتْ الرحلة البرية بسبب غلاء الضرائب او الإتاوات المؤداة في الطرق وخطر بعض قطاع الطرق، لصالح الرحلة البحرية انطلاقا من الموانىء المغربية، خاصة مع سياسة الانفتاح في عهد السلطان مولاي سليمان العلوي و تراجع القرصنة البحرية؛ وقد بسط الاستاذ خالد بن الصغير هذا المعطى في كتابه المغرب في الأرشيف البريطاني ، مراسلات جون درموندهام مع المخزن 1846-1886.
ومع هذا فإن المخزن المغربي لم يول اهتماما كبيرا بالسفن التجارية؛ فأدى هذا الوضع إلى احتكار بعض الوسطاء هذه الوسيلة لاستغلال الحجاج، الشيء الذي جعل السلطان عبد الرحمن بن هشام العلوي يرسل رسالة بتاريخ 2 ربيع الثاني 1359هجربة/ 1843 ميلادية، يدعو فيها إلى الرفق بالحجاج وتوفير الخدمات لهم، والفصل الجنسي بين الحجيج لأن من شأن ذلك إضعاف نفوسهم، عوض البحث عن تكديس الأموال والأرباح.
وقد كان الحجاج حسب ما ذكره المؤرخ عبد الوهاب بلمنصور في “الوثائق رقم 556″، عرضةً للتعب بسبب هيجان البحر، والأعطاب التي تصيب المراكب، إضافة إلى الأمراض والاوبئة التي تصيب الحجاج بسبب الاكتظاظ و انعدام وسائل الراحة والعناية الصحية وكذلك بسبب إهمال الحجر الصحي بغرض القضاء على المرض.
أما في واقعنا المعاصر فَقَدْ مَنَّ اللهُ علينا بكرمه، إذ يسر سبل الراحة لأداء مناسك الحج في أمن وأمان، بفضل جهود و لاة الأمر سواء تعلق الأمر بالمملكة المغربية الشريفة حرسها الله أو بالمملكة العربية السعودية المباركة حماها الله.
فحِرْصُ أمير المومنين محمد السادس حفظه الله على راحة الحجاج المغاربة وامنهم لهو خير دليل على الأهمية التي يوليها للحفاظ على أداء هذه العبادة العظيمة؛ ولا غرابة، فأمير المؤمنين ضامن لحرية التعبد وحامي للحوزة الترابية وراعي لمصالح العباد، في إطار دولة الحق والقانون والمؤسسات. والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات.
التعليقات