لا يمكن للذكاء الاصطناعي تعويض الفقيه الديني والقانوني
ذ. محمد المهدي اقرابش
أكاديمي وعضو منتدى الإسلام بفرنسا
من المعلوم في وقتنا الراهن أن بعض الكُتَّابِ والأدباء والمفكرين، بل ربما ممن يحسبون على العلماء، يعتمدون أحيانا على الذكاء الاصطناعي في تقديرهم للأمور وتحريرهم للمقالات والنصوص.
ولا يخفى على اللبيب ومن خَبِرَ الأساليب التحليلية معرفةُ أسلوبِ الذكاء الاصطناعي الجاف والآلي، مهما دارى اللاجئ إليه، و توارى خلف تعبيرات يضيفها، أوأساليب يغيرها، موهما بذلك القارىء ومدلسا عليه.
و إن ربط هذه التقنية، بالذكاء لهو عندي مثير للاستغراب والتساؤل! إذ كيف ننسب الذكاء إلى آلة لا تنتج إلا البضاعةَ التي أُعْطِيَتْهَا. يجمل بالفقيه في الدين والقانون أن يقصدا في الاستعانة بهذه التقنية. وحبذا، لو أدرج العلماء هذا الاستعمال للتحقيق فيه وتمحيصه، ضمن وسائل الإثبات وقواعد الجرح والتعديل المعروفة عند أرباب الشأن.
فوجئتُ في اجتماع على مستوى مدراء مؤسسة بقول أحدهم للحضور: إنتظروا حتى نسأل و نرى جواب الذكاء الاصطناعي “شات جيبيتي” في هذه المسألة!
فسقط الرجلُ من عيني، وأدركتُ أن المسكوت عنه في دواليب الإدارة و مراكز أخذ القرار هو لجوء الكثيرين إلى هذه التقنية.
وقد انتشرت هذه الأداة في مؤسسات الغرب الرسمية و الغير الرسمية مهددةً وظائف على مستوى كثير من الميادين كالتعليم والسكرتارية والتأليف والتحليل.
و إني أقول: لا عيب ولا حرج في أن يلجأ إلى هذه التقنية من أراد ان يدقق في قواعد اللغةِ أو سلامةِ التحرير عند الضرورة القصوى، وعلى سبيل الاستئناس، مع أني أراه دافعا إلى الكسل الفكري وعدم الاجتهاد لحذق المسائلِ والعلوم.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال “ورب حامل فقه ليس بفقيه” رواه أبو داود والترمذي و ابن ماجة وأحمد.
قد يكون الذكاء الاصطناعي حاملَ فقهٍ، و لكنه عاجزٌ تماما عن اعتبار الظروف الخاصة لكل إنسان على حدة، وفي كل نازلة فقهية أو قانونية مهما بلغ من الدقة؛ لأن المسألة الإنسانية معقدة، ولأن التكليف الشرعي لا يقع على الآلة و إنما يقع على الإنسان.
لا يمكن للذكاء الاصطناعي ان يعوض العلوم الإنسانية ولا العلوم الدينية الاسلامية، لأن الفقهاء قرروا أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال والعوائد والنيات.
قالها ابن القيم رحمه الله و غيره من علماء الأمة؛ والقاعدة القانونية الجنائية المعاصرة تأخذ بتكييف الجريمة و بالظروف المخففة او المشددة وبقاعدة التناسب، عند انزال حكم قضائي في واقعة قانونية.
وإني أقص عليك ايها القارئ الكريم، حكاية حكاها لي مسؤول قائم على تسيير مسجد كبير في فرنسا؛ و مفادها أنهم لجؤوا إلى الذكاء الاصطناعي لترجمة خطبة جمعة ألقاها إمامهم، الذي لا يحسن الفرنسية ولا يتكلم بها. فاكتشفتُ و اكتشفوا في الترجمة ما يتصبب له الجبين عرقا! إذ وجدنا فيها عبارات وأساليب تكفيرية، وكلمات لا تدل على المدلول قطعا. فمثلا في قولنا “محمد عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم”، تُرْجِمَتْ عبدُ إلى رقيق esclave بدل serviteur و كريم إلى قديس saint بدل noble وهذا من الغلط الفاحش. كانت بعض ترجماته تقريبية و خاطئة في مواطن عديدة.
حقا، إن الذكاء الاصطناعي هو من نعم الله الميَسِّرةِ لكثير من الأمور، ولكن ينبغي أن نحتاط في أخذنا للمعلومات و المعارف منه. ووجب التحري والتثبت والتريث وسؤال أهل العلم في الأمور الدينية والقانونية، لأن الذكاء الاصطناعي، مثله كمثل سكين ينبغي استعماله على الوجه المراد.
بلغت هذه التقنية مبلغا كبيرا في الدقة في العمليات الطبية التشخيصية والجراحية، و كذلك في المجال العسكري.
أما في الفقه والقانون، فهيهات أن نستبدل الذكاء الاصطناعي الذي هو أدنى، بالفقهاء والقضاة والأئمة والقانونيين والمشتغلين بالعلوم الإنسانية الذين هم خير.
لا أدعوا إلى إلغاء استعمال الذكاء الاصطناعي، وإنما أدعوا إلى ترشيد استعماله و جعل الأخلاق موَجِّهَةً له.
وإن إعمال القيم و الأخلاق في الذكاء الاصطناعي ضرورةٌ ملحةٌ وإلا اسْتُبْدِلَ الإنسانُ به وصار تابعا له بدل أن يكون متبوعا. وقد ذكر هذا الأمر في دراسات وتحاليل علمية.
من استعمل الذكاء الاصطناعي فليبين ذلك، و لا يدعي نسبةَ ما أفاده به إليه، لأنها أمانة علمية.
وفوق كل ذي علم عليم.
التعليقات