مقذوفات السمارة.. محاولة يائسة للتشويش على مسار الحسم

6 مايو 2026

سعيد الزياني ـ دين بريس
تؤشر مقذوفات السمارة، في مستواها العملياتي، إلى فعل عسكري محدود الأثر، فقد تحدثت الأخبار عن سقوط ثلاثة مقذوفات في مناطق غير مأهولة أو شبه خالية بمحيط المدينة، بينها محيط السجن المحلي ومنطقة مفتوحة خلف مقبرة المدينة، دون تسجيل خسائر بشرية.

هذه المحدودية الميدانية مهمة في قراءة الحدث، لأنها تفصل بين حجم الفعل العسكري وحجم الرسالة السياسية المراد إنتاجها منه، ذلك أن الغاية هنا لا تبدو مرتبطة بإحداث تغيير عسكري، وإنما بمحاولة صناعة صدمة رمزية داخل مدينة لها وزن تاريخي وروحي في الصحراء المغربية.

يحاول الانفصاليون إظهار أن النزاع لم يدخل مرحلة التسوية النهائية، وأن الطرف الانفصالي ما زال قادرا على إنتاج حدث أمني يربك الرأي العام ويستدعي تغطية إعلامية، إلا أن هذه الرسالة تنقلب على أصحابها، لأن استهداف محيط مدني لا يمنح شرعية سياسية، ولا يصنع تفوقا ميدانيا، ولا يقنع المجتمع الدولي بجدوى أطروحة الانفصال، وإنما يبرز هشاشة الخيار الذي لم يعد يجد وسيلة للتعبير عن حضوره إلا عبر الاستفزاز.

ويأتي توقيت مقذوفات السمارة في لحظة سياسية شديدة الحساسية بالنسبة لملف الصحراء، ففي 31 أكتوبر 2025، تبنى مجلس الأمن قرارا اعتبرته وكالات دولية تحولا مهما لصالح المقترح المغربي، لأنه دعا إلى مفاوضات على أساس مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007، مع تجديد ولاية بعثة المينورسو.

من هذه الزاوية، لا تبدو المقذوفات منفصلة عن مأزق سياسي أوسع، لأن تقدم خيار الحكم الذاتي داخل المؤسسات الدولية يضيق هامش الأطروحة الانفصالية، ويدفع خصوم المغرب إلى محاولة إعادة الملف إلى لغة التوتر الأمني، بعد أن تراجعت قدرتهم على المناورة الدبلوماسية.

وهذا لا يعبر عن قوة، بقدر ما يكشف علامة عجز، فالقوة الاستراتيجية تقاس بالقدرة على إنتاج حل، واستقطاب اعتراف دولي، وتحويل السكان إلى شركاء في التنمية والحكم المحلي، أما المقذوفات، فهي تعبير عن انكماش سياسي، ومحاولة لتعويض فقدان التأثير الدبلوماسي بحدث ميداني محدود.

تحاول المقذوفات، في هذا السياق، إحداث ثلاث نتائج:

ـ الأولى إرباك المسار السياسي عبر القول إن الأرض ما تزال قابلة للاشتعال.

ـ الثانية توجيه رسالة إلى الداعمين الإقليميين بأن الجبهة ما تزال تملك قدرة على المبادرة.

ـ الثالثة التأثير في ساكنة الصحراء عبر خلق قلق أمني.

لكن هذه النتائج تبقى محدودة الأثر، لأن المغرب يدير ملف الصحراء وفق مقاربة تراكمية تقوم على تأمين المجال، وتعزيز التنمية في الأقاليم الجنوبية، وتحريك الدبلوماسية بهدوء، وتوسيع الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الواقعي للنزاع.

استراتيجيا، تكشف مقذوفات السمارة أن خصوم المغرب يحاولون نقل المعركة من ساحة القانون الدولي والدبلوماسية إلى ساحة الاستفزاز المحدود، لأن الساحة الأولى لم تعد تمنحهم مكاسب كافية، بعدما أصبح خيار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أكثر حضورا في النقاش الدولي، وأكثر قدرة على حشد التأييد باعتباره الحل الواقعي الوحيد القابل للتنزيل، ولذلك يأتي هذا النوع من الاستهداف كتعويض عن تراجع التأثير السياسي، ومحاولة لإنتاج ضجيج أمني لا يغير ميزان القوة، ولا يوقف مسار الحسم الدبلوماسي.

وتفسر هذه القراءة لماذا تأتي مثل هذه الأفعال بعد كل تحول دولي مهم لصالح المغرب، فعندما ينجح المغرب في تثبيت الحكم الذاتي كأفق عملي، يصبح الرد المقابل محاولة لخلق انطباع بأن الحل لا يمكن أن يتقدم دون ثمن أمني.

ولذلك يجب ألا يقع المغرب في فخ الانفعال، لأن الرد الأقوى هو الاستمرار في المسار نفسه، من خلال ضبط أمني صارم، وخطاب دولي موثق، وتنمية متواصلة تجعل المقارنة بين واقع الأقاليم الجنوبية ووضع المخيمات أكثر وضوحا.

من المؤكد أن مقذوفات السمارة لن تغير ميزان القوة، لكنها تكشف طبيعة المرحلة وحجم المأزق الذي يعيشه خصوم المغرب، لذلك يبقى الرد السياسي الأهم هو تثبيت خيار الحسم الواقعي عبر الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، مع ضرورة الحفاظ على يقظة ميدانية صارمة وردع كل من يحاول المساس بالسيادة الوطنية أو اختبار حدودها.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...