مهرجان الكتاب: في نقد “الفرجة” وسؤال المعنى
محمد أحدو
يُشكل المعرض الدولي للنشر والكتاب بالمغرب محطة سنوية كبرى تضعنا أمام تساؤل وجودي يتجاوز بروتوكولات الاحتفاء: هل نحن حقاً بحاجة إلى دعم الكتاب —وهو أمر جوهري بالطبع— والتشجيع على القراءة؟ وإذا كانت الإجابة بالإيجاب، فأي كتاب نحتاجه في ظل عالم يموج بتحولات تقنية مذهلة وتحديات فكرية غير مسبوقة؟
إن مسار تطور المعرفة اليوم يفرض على الكاتب أن يرصد التحديات التي تواجه المجتمع ، حيث تبرز الحاجة إلى كتابة نافعة تثير القضايا الراهنة، وتقترب من تطلعات القراء، وترفع من مستوى ذوقهم، وتنمي معارفهم، وتجيب عن انتظاراتهم؛ بعيداً عن حالة الابتذال التي تعاني منها بعض المنشورات التي تفتقر للدقة وأصالة الإبداع والراهنية التي تتماهى مع احتياجات جيل القراء اليوم.
غير أن هذه الطموحات الإبداعية والمعرفية المنتظرة من الكتاب تصطدم بواقع مغاير داخل فضاءات المعرض، حيث تتجلى إشكالية بنيوية تتعلق بطبيعة التفاعل مع الكتاب لدى بعض الزوار كظاهرة اتسعت في السنين الأخيرة؛ فقد تحول معرض الكتاب في كثير من جوانبه إلى فضاء للفرجة والاستعراض، حيث تهيمن ثقافة الصورة على حساب الكتاب. إذ يُلاحظ تنامي ظاهرة “زوار السيلفيات” الذين يحضرون لتوثيق لحظة التواجد بلقطات سريعة تضمن لهم ظهوراً افتراضياً، دون أن يكون للكتاب نصيب من اهتمامهم الفعلي، مما يكرس أزمة الكتاب الورقي ويفاقم من حالة الاغتراب بين الزائر والنص.
إن هذه المشهدية تستدعي إعادة صياغة السؤال نحو القارئ الذي نحتاجه للارتقاء بالمعرفة؛ فنحن بحاجة إلى قارئ ناقد يمتلك “نَفَس” الصبر لمواجهة سطوة الوجبات المعرفية السريعة، ويدرك أن الكتاب ليس مجرد “إكسسوار” للزينة أو واجهة اجتماعية، بل هو أداة لبناء الذات وحماية الهوية الإنسانية في وجه تحديات الرقمنة وتسليع الثقافة.
إن تحويل معارض الكتاب من كرنفالات موسمية للتجول والتقاط الصور إلى مختبرات حقيقية للفكر، هو السبيل الوحيد لإنقاذ فعل القراءة، وللعبور بالزائر من ضفاف الفرجة العابرة إلى أعماق المعرفة الحقة. وهي مسؤولية جسيمة تتقاسمها أطراف العملية الثقافية؛ فمن جهة، يتعين على الكاتب الارتقاء بمنتجه ليرقى لمستوى تطلعات القراء الفكرية والجمالية، ومن جهة أخرى، نحن بحاجة إلى قراء قادرين على تجاوز “تسطيح الوعي” ومقاومة التفاهة عبر استعادة القراءة كفعل مقاومة يومي.
التعليقات