عندما يقرأ دونالد ترامب الكتاب المقدس
رشيد المباركي
اعتبر الباحث الكندي جوليان باين، المتخصص في العلوم السياسية أن قراءة ترامب للكتاب المقدس تلخص وتترجم عودة الدين ليُصبح لغة سياسية مركزية، أداة للتشريع، والتعبئة، والتفريق، مضيفا أن تلك القراءة في المكتب البيضاوي، في إطار حدث بعنوان “أمريكا تقرأ الكتاب المقدس”، تندرج أيضا في سياق تضاعف فيه رئاسته الإشارات الصريحة إلى المسيحية في الشؤون الحكومية، ويأتي ذلك في تسلسل مشحون بالفعل: جدل مفتوح مع البابا ليون الرابع حول الحرب في إيران، ونشر ــ تم حذفه بسرعة ــ لصورة تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي تمثل الرئيس في هيئة يسوع. إلى ذلك، تضاف بلاغة المواجهة الحضارية، التي تصف إيران أقل كخصم استراتيجي وأكثر كاختلاف جذري.
إذا أخذنا كل حلقة على حدة، يضيف الباحث في مقال له نشرته صحيفة “لودوفوار” الكندية، فقد تندرج كل واحدة منها تحت بند التواصل السياسي أو الاستفزاز. معا، يرسمون تحولا أعمق: لم يعد الدين يُستدعى فقط كديكور أخلاقي أو تراث ثقافي، بل أصبحت تعود لتكون لغة سياسية مركزية أداة للتشريع، والتعبئة، وهذا تحول يتجاوز بكثير الحالة الأمريكية، لأنه يدعو إلى إعادة النظر في فرضية كانت تُعتبر لفترة طويلة مسلَّمة في الغرب: تلك الخاصة بعالم يتعلمن تدريجيا، حيث يُعاد الدين إلى المجال الخاص. لكن العكس هو الذي يبدو أنه يحدث. منذ عدة عقود ــ وبشكل أوضح اليوم ــ يعيد الدين استثمار الساحة الدولية، ليس كأثر من الماضي، بل كموارد استراتيجية في نظام عالمي يعيد تشكيل نفسه.
هذه العودة حسب الباحث ليست في الحقيقة عودة، لأن الدين لم يغادر العلاقات الدولية أبدا. لقد كانت لفترة طويلة مكونا هيكليا، قبل أن تُهمَل في المرتبة الثانية من قبل القراءات الواقعية والمادية للحرب الباردة. لكن منذ التسعينيات، يشير العديد من المحللين إلى “انتقام الله”: الدين يعود ليصبح عاملا مفسرا للنزاعات والتحالفات والهويات السياسية. بل وأكثر من ذلك، أصبح يُستخدم الآن بنشاط من قبل الدول كأداة للتأثير، تماما مثل الثقافة أو الأيديولوجيا.
في الولايات المتحدة، تتماشى هذه الديناميكية مع تقليد قديم، لكنها تغيرت في طبيعتها. لم يعد الأمر يتعلق فقط بأن يظهر القائد إيمانه الشخصي، كما كان الحال مع بعض أسلاف دونالد ترامب. يتعلق الأمر بتضمين رؤية دينية بشكل صريح في العمل السياسي، وربطها بتفسير للعالم. في هذا السياق، يصبح الدين وسيلة للاستقطاب الداخلي، ولكن أيضا أداة للتوسع الدولي. يساهم في تشكيل سرد يعارض “نحن” حضاري بأعداء محددين، وغالبا ما يُنظر إليهم من خلال عدسة دينية أو ثقافية.
في أماكن أخرى، يأخذ الظاهرة أشكالا متنوعة، لكنها متقاربة. في إيران، لا يكتفي الدين بإلهام السلطة: بل يؤسسها. في الهند، يعيد القومية الهندوسية تعريف معالم المواطنة ويؤثر على التوجهات الدبلوماسية. في روسيا، يساهم التقارب بين الكرملين والكنيسة الأرثوذكسية في استراتيجية لتأكيد الهوية والجغرافيا السياسية. في جميع هذه الحالات، لا يُعتبر الدين مجرد خلفية: بل يصبح موردا سياسيا، يُستخدم لتبرير أفعال الدولة وتعزيز تماسكها.
التعليقات