قراءة نقدية في المشاريع الفكرية المغاربية والعربية
عبد الإله زيات
لا مشكلة عندي أن تعترض علي من باب السياقية والعاطفة على تصنيفي النقدي وأحكامي حول أيا كان من رواد النهضة أو ممن يسمون مفكرين، لكنني قرأتهم كلهم بلا استثناء وحتى المغمور منهم لم أسلمه للتجاهل، ولأعطيك نماذجا بعينها لتفهمني باعتبار أنه لا يمكن لأي نقد جاد لرواد النهضة العربية والمشاريع الفكرية الحديثة أن ينطلق من موقع البراءة أو الجهل، كما انه لا بد من قراءة شاملة لا تستثني المشهور ولا تهمل المغمور بالضرورة، ومن هنا فأؤكد ان أي اعتراض على تصنيفاتي لا يكون أخلاقيا ولا عاطفيا بقدر سياقيته منهجيته، غير أن السياق نفسه حين يفحص بصرامة يكشف أن كثيرا ممن سموا فلاسفة أو مفكرين لم يكونوا كذلك إلا تسمية تعويضية أو لنقل متعاطفة لبتر اليأس في فضاء ثقافي فقير يخلط بين التنوير والترجمة وبين الفلسفة والتحديث الإداري، وبين المشروع الفكري والموقف الإصلاحي الراكض وراء اللحاق بالآخر…
منذ الطهطاوي…خير الدين التونسي…بطرس البستاني…مرورا بمحمد عبده والكواكبي، ووصولا إلى طه حسين والعقاد…ثم لاحقا أركون وحسن حنفي ومحمد عابد الجابري…وعبد الله العروي، يتضح أن التأثير الأوروبي كان سابقا على الهضم، والترجمة سبقت التملك، كما لم تبن الفلسفة في ذاك الزمت من داخل سؤال ميتافيزيقي أو إبستيمي أصيل، كانت فقط هنالك حاجة إصلاحية ضاغطة متمثلة في أسئلة متسارعة ككيف نلحق؟ كيف نصلح؟ كيف نبرر التأخر؟ فكانت المشاريع في أغلبها استجابات دفاعية لا تأسيسات نظرية، تكتب تحت ضغط اللحظة بعيدا عن إنتاجية صرامة المفهوم.
ما يسمى الفلسفة النهضوية كان في جوهره خطاب وساطة بين تراث مأزوم وحداثة وافدة، أين لا فلسفة بالمعنى الدقيق الذي عرفه التقليد اليوناني أو الألماني أو حتى الإسلامي الكلاسيكي، بالتالي لم نر بناء أنطولوجيا، ولا نظرية معرفة متماسكة ولا اشتغالا طويل النفس على مفهوم واحد كما فعل كانط مع العقل أو هيغل مع الروح أو هوسرل مع القصدية أو حتى نيتشه مع الأكسيولوجيا.
رأينا فقط كتابة واسعة وموسوعية ظاهريا وفقيرة بنيويا تعتمد على التجميع والتصنيف وإعادة السرد أكثر مما تعتمد على الاشتقاق والابتكار، وأما الجيل الذي وصف بالفلسفي في النصف الثاني من القرن العشرين خصوصا مع أركون والجابري وحنفي فقد وقع في وهم المنهج، بداية بأركون الذ استعار الألسنية والأنثروبولوجيا دون أن يحسم موقعه الفلسفي فبقي مشروعه نقدا ثقافيا تقدميا وليس “فلسفة”….الجابري بنى مشروعه على تصنيف العقول (بياني/عرفاني/برهاني) لكنه أسقط التاريخ في بنية ذهنية ثابتة فصار أقرب إلى أيديولوجيا معرفية منه إلى تحليل إبستمولوجي دقيق (انظروا نقد العقل العربي، فيما يخص حسن حنفي ورغم طاقته الموسوعية وقع كذلك في نزعة إسقاطية جعلت التراث مادة لإيديولوجيا معاصرة.
اللافت أن هذا كله جرى تحت تعاطف ثقافي عام؛ نحن نحتاج إلى فلاسفة، فنمنح اللقب ونعملق المشروع ونغض الطرف عن الفقر المفهومي، وهنا تصدق وتثبت ملاحظتي، فالتسمية جاءت من الفقر والتعاطف والفراغ وغير معنية بالغنى، فالفيلسوف غير منتج لأن امته متأخرة وهذا ما لا يدرك وما ام يدرك بعد، بالتالي ظهور الفيلسوف منوط بالسؤال الفلسفي الذي يفرض نفسه بوصفه مأزقا جوديا لا مشروع إصلاح فقط، وما دام السؤال مؤجلا بقي الفكر عندنا وظيفيا…أخلاقيا…خطابيا بعيدا عن فلسفيته فلسفيته بالمعنى الصارم، ومع ذلك فالإنصاف يقتضي حفظ الاستثناءات.
أعطيكم مثالا! عبد الله العروي من أوعى المشتغلين بمأزق التاريخانية وبحدود الأيديولوجيا وطه عبد الرحمن_ رغم كل التحفظات_ اشتغل على المنطق والأخلاق بلغة مفهومية أدق وإن ظل مشروعه محكوما بالهاجس القيمي أكثر من المغامرة الفلسفية الحرة، وكذلك بعض الأعمال الدقيقة في الفلسفة الإسلامية المعاصرة كأعمال محمد المصباحي أو رضوان السيد في لحظاته التحليلية تظل مساهمات جزئية لا مشاريع تأسيس.
عموما أيها القارئ، أعلم ان هذا الوضوح النادر لم تعتده في مسح مسيرتنا الفكرية التي تحتاج لكتب ومقالات، ولكنني أحاول جاهدا زحزحة يقينيات من لا يزالون يعتقدون بما لا زلت جاهدا محاولة التنبيه لتجاوزه وهو بالتأكيد ما سميته بالطهرانية الفكرية لأنني مخلص حتى في القراءة ولا أريد الوقوع في هذا الشطط الذي وقع فيه غيري، وهذا كذلك ما يفتقده أغلب من دافعوا عن المشاريع الفكرية العربية، إذ أنهم لم يقرؤوا خصومهم، ولم يستنفدوا أنساقهم فاستعاضوا عن ذلك بالتعاطف أو بالقداسة الرمزية، وضمن هذا السياق أيضا.
أريد التنبيه لمشروع آخر، مشروع أبي يعرب المرزوقي باعتباره أحد أكثر المشاريع العربية المعاصرة طموحا وشمولا لكنه في الآن ذاته مثال صارخ على مأزق المشروع الكلي في الفكر العربي، فالمرزوقي وهو بلا شك من أعمق من قرأ ابن خلدون والغزالي وبن تيمية وكانط وهيغل لم يقع في فقر الاطلاع ولهذا احبه وأحترمه جدا ويكاد يتجاوز الجابري عندي بل قل يفعل لعظمة قراءاته، لكن وقعته في فيض التأويل في متونه، والذي يلغي هذا الفيض هو اعتياد متنه بالتاكيد، ومشروعه سعى إلى الجمع بين الفلسفة…الكلام…السياسة…التاريخ…الاقتصاد، والاستئناف الحضاري فكان أقرب إلى نظام تفسيري شامل منه إلى فلسفة بالمعنى الدقيق، ولا أريد ان أتهمه بالضحالة_حاشا_ لكنني لاحظت أن هاجس الإنقاذ الحضاري غلب عنده على قسوة السؤال الفلسفي فصار المفهوم في كثير من الأحيان خادما للرؤى وبدهيا!! هو مولد لها.
أما اليسار العربي من الماركسيات الكلاسيكية إلى المراجعات المتأخرة فقد مثّل ذروة الاستيراد النظري دون التبيئة المفهومية… من سلامة موسى لحسين مروة…مهدي عامل…عبد الله العروي في لحظته الماركسية، انتقالا لراءات متأخرة عند إلياس مرقص، لاحظت كذلك أن الماركسية استخدمت كأداة تفسير للتخلف دون أشكلة فلسفية حول التاريخ والجدل والمادة، لم يوجد سؤال…هل تصلح المادية التاريخية خارج سياقها الأوروبي مثلا؟ لا… فرضت كمفتاح كوني بالتالي انهارت عند أول اختبار اجتماعي وسياسي، ودائما أقول: صيرورة اليسار العربي من مشروع تحرر كتمثل لغوي احتجاجي أخلاقي ونأي تام عن فلسفة تاريخ حقيقية.
وهناك كذلك القومية العربية، ساطع الحصري….ميشيل عفلق…زكي الأرسوزي ومن ثم التنظيرات البعثية والناصري، ذاك المثال الأوضح على أدلجة الهوية بدل تفكيرها ولم تفكر الأمة بما هي سؤال تاريخي مركب، ووقوع في الإغراق الجوهراني المتخيل الذي ينبغي استعادته ويتكرر الخطأ نفسه مجددا ومجددا.
غياب الأنطولوجي وغياب نظرية المعرفة وحضور الخطابة والأسطورة والتعبئة، بالتالي القومية ما اعطاها الله من سلطان لتنتج فلسفة سياسية، هي محض لاهوت دنيوي استبدل المقدس الديني بمقدس قومي، وكانت النتيجة واحدة….لاستبداد، ثم الانهيار…تحدث كثيرا وأريد ان اختم، وهو انه وإذا جمعنا النهضة…اليسار…القومية…الإسلام السياسي وحتى المشاريع الفلسفية المتأخرة سنكتشف خيطا ناظما واحدا وهو الخوف من السؤال الحر والبحث عن مشروع جاهز باعتبار أن كل مشروع أراد أن يكون حلا شاملا رغم الانتقائية والانتخابية في القراءات، وكل فكر ادعى امتلاك المفاتيح وكل منظر قدم نفسه بوصفه البديل التاريخي وانتهى إلى إغلاق العقل وصيرورة وديمومة مغلقة أبدا لا تقبل الخطية. وهنا تتكامل ملاحظتي الجوهرية بهذا المقال.
التعليقات