المدرسة العيساوية ومنهج الترغيب: قراءة في تفكيك خطاب الترهيب وتجديد الوعي الديني

16 أبريل 2026

د. أسامة علي بن هامل

رئيس مركز الشيخ أحمد القطعاني للثقافة والدراسات الإسلامية

(1) البنية التأسيسية للحب والجمال في المدرسة العيساوية عند الشيخ الكامل محمد بن عيسى

في حقل الدعوة إلى دين الله يبرز منهجان رئيسيان يكادان يستوعبان مسارات الخطاب الدعوي، وهما منهج “الترغيب” القائم على الوعد، ومنهج “الترهيب” القائم على الوعيد، إلا أن الناظر في واقع الخطاب الديني المعاصر يلحظ بوضوح أن منهج “الترهيب” طغى حتى كاد يتحول إلى الأصل، فغلبت لغة التخويف من العقاب والإنذار بالعذاب في الخطب والمحاضرات والدروس، بينما تراجع حضور خطاب “الترغيب” على الرغم من رسوخ جذوره في النصوص المؤسسة. في هذا السياق تبرز المدرسة العيساوية التي أسسها الشيخ الكامل محمد بن عيسى في القرن العاشر الهجري كمرحلة هامة في تاريخ الفكر الإسلامي تبلور فيها منهج “الترغيب” وأعادت اعتباره وجعلته محورا في التربية والدعوة، وفقا للتجديد الشاذلي بفرعيه الأساسيين، الجزولي والزروقي، بما تضمنه الفرع الجزولي من عمل على مضامين الأصول.

ةفي عصرنا الحاضر، يبرز شيخنا الشيخ أحمد القطعاني، الشيخ العام للطريقة العيساوية، كحامل لهذا الاختيار إذ تبنّى منهج “الترغيب” أساسا في خطابه الفكري والدعوي، وأعلنه في كتبه ومحاضراته ومشروعاته. ومعروف أن إعلانه عن منهجه هذا أثار منذ سنوات، خاصة بعد تداول درس له سنة 2007 تحدث فيه عن مركزية حب الله لعباده” وشرح من خلاله فلسفة العقاب، قوبل بردود فعل حادة في عدد من الأوساط، وصلت إلى حد التكفير من بعض الجهات، غير أن منهجه هذا بدأ مؤخرا يجد طريقه في مجالات أوسع، فقد ظهر بصيغ متقاربة في بعض الخطابات الرسمية، وآخرها في دروس الشيخ الأزهري د. علي جمعة، الذي صرح بأفكار مقاربة للغاية لهذا المنهج في دروسه، وعندما ظهر في بعض الفضائيات العام الماضي مدافعا عن اختياره، بعد أن قامت عليه حملة شنعاء، كاد أن لا يخرج عن مقاربة الشيخ القطعاني لمنهج الترغيب في الرؤية العيساوية، ولا غرو فالرجل صديقي الطريقة، وهي أحد تفرعات الطريقة الدرقاوي التي تعد عيساوية المشرب في الأصل، رغم ما يشاع من أن الدرقاوية فرع عن الزروقية.

يؤكد الشيخ القطعاني أن الطريقة العيساوية “مدرسة حب وجمال”، وعقد لها مبحثا خاصا في كتابه “أعلام الطريقة العيساوية”. وعبارة شيخنا القطعاني هذه تبدو للوهلة الأولى لقارئها وصفا لحال أهل الطريقة العيساوية، إلا أنها في عمقها تمثل مفتاحا لقراءة منهج متكامل ممتد في التاريخ ومتصّل بالحاضر، فالمحبة والجمال يمثلان قاعدة عيساوية لبناء علاقة العبد بالله ورسوله بل وبالعالم من حوله. وريادة تبني شيخنا القطعاني لهذا المنهج تكمن أهميته في أنه يستعيد من خلاله إمكانات التجديد الكامنة في التراث الإسلامي، لممواجهة أطروحات معاصرة تسعى إلى إعادة قراءة الدين أو بنائه وفق مناهج مستوردة من خارج سياقه.

ومن هنا تبرز أهمية تتبع هذا المنهج العيساوي في مستوياته المختلفة لفهمه، مستويات سنفرد لها أكثر من حلقة، تبدأ بالتأصيل الفكري لهذا المنهج، مرورا بترجمته في سيرة الشيخ الكامل، وصولا إلى إحيائه على يد شيخنا القطعاني في الخطاب المعاصر، في رحلة تكشف كيف تحولت المحبة والجمال من قيم أخلاقية إلى بنية عميقة تؤسس لطريقة في فهم الدين وعيشه. وفي هذه الحلقة سنقتصر على المستوى الأول المتعلق بالبناء النظري.

تفرض القراءة للمستوى الأول العودة إلى البنية الأصلية التي أقام عليها الشيخ الكامل طريقته، وقد سبق التنبيه في مقال سابق عنوناه بــ(معالم تأسيس المدرسة العيساوية: “سبحان الدايم” و “دلائل الخيرات” إلى أن المدرسة العيساوية تأسست على ركنين أساسيين يتفرع عنهما باقي المنهج، وهما العقيدة كما تتجلى في “حزب سبحان الدايم”، والصلة بالحضرة النبوية كما تتجلى في “دلائل الخيرات”، وكليهما، الحزب والدلائل، للإمام محمد بن سليمان الجزولي الذي نص على أن وراث فكر مدرسته هو الشيخ الكامل محمد بن عيسى.

في “حزب سبحان الدايم”، وهو نص يجمل أصول الاعتقاد الأشعري، تتخذ العقيدة صيغة تختلف عما هو مألوف في كتب علم الكلام، فلا يظهر فيه البناء الجدلي ولا اللغة التقعيدية القائمة على التعريفات والحدود، وإنما نجد صياغة تقوم على الذكر التي تتكرر فيها ألفاظ التنزيه والتمجيد في إيقاع يلامس الوجدان، مما يعيد توجيه وظيفة العقيدة من مسائل وقضايا تُناقش وتُفهم إلى حالة تُعاش، فالمفاهيم التي اعتاد العقل تناولها كقضايا نظرية تتحول في الحزب إلى حضور داخلي يتشكل من خلال التكرار والاستحضار.

القاريء لهذا الحزب يجد أن العلاقة بين العبد وربه تتأسس داخله في مستوى أعمق، حيث يقوم التعظيم والتمجيد والتنزيه على مهابة مقرونة بالقرب، لا على رهبة قائمة على الخوف، فيغلب الأنس في حضور علاقة الذاكر مع المذكور، في انتقالة دقيقة تصوغ العلاقة الإيمانية من الداخل على الطمأنينة والمحبة.

وإذا كان هذا الركن يؤسس علاقة الأنس بالله، فإن “دلائل الخيرات” يفتح بابا آخر يتعلق بالصلة بالحضرة النبوية في صورة معرفة حية متجددة، تتجاوز حدود العلم النظري، وشتان بين المعرفة والعلم، لأن المعرفة حضور فاعل فيما العلم احاطة ذهنية، تفاعلا، ومن هنا جاء تقسيم “دلائل الخيرات” إلى أحزاب يومية على مدار الأسبوع، لبناء تدريجي لحالة التعرف المستمر على الحضرة النبوية، يقوم فيه التكرار المستمر على مدار حياة السالك بتحويل الصورة الذهنية إلى حضور معرفي، ثم يرسخها في صورة حالة دائمة من القرب والشوق.

فكما يرتب “حزب سبحان الدايم” العلاقة بين العبد وربه، يرتب “دلائل الخيرات” العلاقة مع النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره محبوبا تنجذب إليه القلوب وصورة للإنسان الكامل، وهو ترتيب يخلق علاقة من زاوية مختلفة مع السنة الشريفة، علاقة تقوم فيها المتابعة لسنته من الداخل بدافع الشوق والرغبة في الاقتداء، بعد تحقق المعرفة الحية بالحضرة النبوية، حيث يصبح التسنن في هذا السياق سلوكا نابعا من تفاعل حب وجمال، وليس التزام خارجي جامد، وبالمجمل يعيش الإنسان العيساوي بين حبّين يعيدان تشكيل علاقته بربه ونبيه، وبالعالم من حوله.

بالنظر إلى هذا البناء في كليته، يتبين أنه ينتج خطاب “الترغيب” القائم على الحب والجمال، من منظور مختلف يعيد ترتيب مفاهيم الوعيد والترهيب داخل منظومة مركزها الحب والجمال، دون أن يلغي جانب الضبط ولا ينكر معاني الوعيد، لكنه يضعها في موقعها الصحيح.

والمعنى الأخير، هو جوهر الدعوة التي تبناها شيخنا القطعاني في سياق النقاش الواسع حول التجديد في الفكر الإسلامي، من منطلق رؤية تنبثق من داخل التراث الإسلامي، بعمله على استخراج إمكانات تراثية لم تحظ بالقدر الكافي من الحضور، في مقابل قراءات حديثة تسعى إلى إعادة تشكيل الدين وفق مناهج خارجية، وهو ما عناه في لقاءاته العديد بأن تبنيه لخطاب الحب والجمال، برؤية عيساوية، يقدم التجديد لا بمعنى القطيعة وإن من خلال إعادة ترتيب الأولويات التي ترجع منهج “الترغيب” لموقع الصحيح كأحد أعمق مكونات التراث الإسلامي، موقعه كأصل و”الترهيب” استثناء.

في الحلقة المقبلة، سنرى كيف ترجمت حياة الشيخ الكامل محمد بن عيسى الحب والجمال كتجلي لمنهج “الترغيب” الذي شكل به وعيا أساسه الجمال، ليصبح ترك العبد المعاصي والاقبال على الطاعات أمرا تلقائيا لا يحتاج إلى ضغط خارجي مستمر يعود فيه الابتعاد عن المعصية قائما على الخوف وحده، بل على عدم انسجامها مع الذوق الذي تربى عليه.

في الحلقة المقبلة، سنرى كيف تجسدت معاني الحب والجمال في حياة الشيخ الكامل محمد بن عيسى، حيث تتبدّى ملامح منهج الترغيب الذي صاغ وعيا يقوم على الجمال يقوم فيه الإقبال على الطاعات وترك المعاصي فعلا نابعا من الداخل دون حاجة إلى ضغط خارجي، والابتعاد عن المعصية قائم على شعور داخلي بعدم انسجامها مع الذوق الذي تشرّبته النفس وتربّت عليه لا على الخوف وحده.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

هل انتصرت إيران؟

عمر العمري لا جدوى من الإغراق في الجدل حول من انتصر في الحرب التي دارت بين إيران وخصومها، لأن العبرة الحقيقية بعد انقضاء الحروب لا تكون بكثرة الادعاءات، وإنما بمن يخرج منها حاصدا للمكاسب والمغانم.. الأكيد أن إيران خرجت من هذه الهدنة (لاتزال هشة)، في محصلتها النهائية، متقدمة في الميزان الاستراتيجي، لأن خصومها لم ينجحوا […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...